المحبة في الله

1 دقيقة قراءة
بواسطة Ahmed Eldeeb
المحبة في الله
Photo by Masjid MABA / Unsplash

دعا الإسلام إلى المحبة القلبية لما يترتب عليها من تقارب ووفاق بين الناس ، ونهى عن التشاحن والبغضاء وما يعقبها من خصام وعناد ، وحض رسول الله ص على أن يكون الحب بين الناس مبرأ من الأغراض الشخصية والأهداف الخاصة ، التي لايراعي الشخص فيها إلا نفسه دون اعتبار لحقوق الآخرين ، وذلك سلوك ضال لما فيه من تغليب من الإنسان لذاته وعدم مراعاته لمتطلبات الآخرين ، وكانت حوادث الأيام ولياليها في عصر المبعث النبوي عامرة بالأخلاق الإسلامية ، التي حض الرسول ﷺ عليها ، ثم أخذت هذه الأخلاق في التنامي ، والانتشار، حتى أحسن المسلمون فهمها والتعامل معها ، وقد عرض الرسول ﷺ في أكثر من حديث نبوي هادف إلى إثبات أن المحبة تكون من خلال الأرواح ، التي تتقارب ثم تتعارف  وإذا ما نشأت الألفة بينها فان المحبة والألفة تزيدان من قيمة علاقة الحب ، التي تجمع بين الناس ، وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ " الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " ([1] ) ، وإذا ماتباعدت هذه الأرواح وتناكرت فإن الخلاف - وربما الكراهية - حادثة لامحالة . وأضاف  في حديث آخر بعض المعاني إلى ما سبق ذكره حيث قرر أن النفس الإنسانية تختلف من شخص إلى آخر ، وإنها تخضع لبعض الثوابت التي لا تتغير بين عشية وضحاها ، وذكر أن الفضلاء الذي تأصلت الأفضلية فيهم تقوى وتعظم هذه المكونات لديهم ، مهما اختلفت الأيام ، بمعنى أن من كان الكرم والجود وحسن العشرة والشجاعة والدفاع عن الضعفاء وغير ذلك رواسخ لديه فإنها تقوي ، و تزيد ولاتضعف ولاتنهار في ظلال الإسلام  وبهذه المتطلبات التي يزيديها الفهم وحسن البصر والبصيرة عمقا فإن الأرواح المتقاربة تتعارف ، والمتناكرة منها تتباعد ، وذلك ما جاء في حديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله  " الناس معاون كمعاون الفضة والذهب ، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ، والأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف ".(2)

إن المحبة القلبية وثيقة الصلة بالإيمان ، فكلما تقاربت النفوس وتعمقت في الإيمان ، وزاد الاقتراب من الله زادت المحبة وتأصلت وأزهرت وأثمرت ، وبذلك ينتشر الوفاق ويزداد القرب وتتلاشى الكراهية ، والمعيار في ذلك هو الإخلاص في حب الله ورسوله ، فمن خلال الإقبال والإخلاص في محبة الله و رسوله تكون المكافأة يوم الحساب ، وتكون الصحبة التي لاترقي إليها أي صحبة أخرى في الدنيا أو في الآخرة .

وقد جاء النص على ذلك في حديث رواه أنس بن مالك – رضي الله عنه - وأفاد أن أعرابيا قال لرسول ﷺ متى الساعة ؟ قال له رسول الله ﷺ ما أعددت لها ؟ قال حب الله ورسوله ، قال : أنت مع من أحببت " (3).

فما دام حب الله وحب رسوله قد تمكننا من القلب فان عوارض الدنيا ورغباتها لن تقدم أو تؤخر في معيار هذه العلاقة ، التي تقوي بها المحبة الصادقة لله ورسوله ، وهي بدروها تجعل قلب المؤمن معبأ بالإخلاص للآخرين ومحبتهم وتفعيل هذه المحبة بما تزداد معه آفاقها ، وتتجاوز الفرد إلى الجماعة ، ومن ثم تزداد انتشارا و اتساعا بين المؤمنين جميعا ، والتي إذا هيئت لها الرغائب فإنها تنطلق بقوة ويصل خيرها إلى الآخرين من البشر ، بحيث يزداد إيمان المؤمن بربه ، فلا يستعصم بغير الله ، ويبقى مايملكه من عطاءات الدنيا غير ذي أهمية لديه ، وكأنه استغنى بما عند الله عما عند البشر – قال تعالى "لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ"(4).

ولربما أحب الإنسان شيئا وتعلق به ، وهو لايدري أن ما أقبل عليه ليس إلا شرا ربما لايجنى من ورائه إلا الندم قال تعالى "وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ(5).

ولما كانت الأرواح مهيأة ليتقارب منها من يتقارب ، وليتباعد منها من يتباعد فإن لوازم ذلك تجعل المسلم يقود الآخرين إلى تفعيل الخير والتحذير من الشر ، وحسن اختيار الأتقياء ، ليكونوا أصدقاء بررة ، وتجنب الأشرار الذين ينبغي الاحتراس منهم وعدم الثقة فيهم ، و وجوب النصيحة لهم ، سعيا إلى هدايتهم ، وتخليهم عن طباعهم السيئة ، وصولا إلى انتشار المحبة بين سائر البشر .

 الدكتور/ السيد محمد الديب


1 - ذكره مسلم في صحيحه ( كتاب البر والصلة ).
2- رواه مسلم واللفظ له من ذات الكتاب السايق ذكره في صحيحه .
3-  رواه مسلم واللفظ له .
4- سورة آل عمران الآية 92.
5- سورة البقرة الآية 216.