كان نزول القرآن الكريم علي الرسول (صلي الله عليه وسلم ) معجزة إلهية خارقة، لا تقبل التحدي، إيذانا بأن لغة الخطاب الإلهي للبشر جاءت معبرة عن الأحوال المعرفية، التي ارتقي إليها الإنسان في المراحل الأخيرة من عمر الكون، بالنظر إلي ما تقدم عليها. وكانت البداية بكلمة (اقرأ)، لتفعيل محو الأمية من العقل الإنساني، وقد عاش الرسول (صلي الله عليه وسلم ) حياته بين الأميين، الذين تلاقي بهم في مكة ابتداء، ولما جاءت إليه الرسالة زاد اهتمامه بالعلم، الذي كثرت مشتقاته في القرآن الكريم، إيذانا بالحرص علي المعرفة، وزيادة التحضر والارتقاء.
ويتعانق البيان النبوي مع الوحي الإلهي في التعريف بأصول العلم، وتجفيف منابع الأمية الدينية في بلاد الحجاز أولا، ثم في سائر ديار المسلمين بعد ذلك ..
وأصبح الحرص علي العلم والتفقه في الدين بمثابة صراع مع الجهل، وحرب علي الأمية .. وتحددت معالم الطريق إلي المعرفة، وصار طلب العلم فريضة علي كل مسلم، وفيه شمولية لكل المعارف الإنسانية وهو ضد الجهل الذي يعني الظلام والتيه، وعدم وضوح الرؤية لإدراك الحقيقة.
أما الفقه فهو الفهم والعمل بالأحكام الشرعية العملية والاستدلال، وارتبط بالدين وأصوله ، إذ أن الحفاظ عليه ونقله من جيل إلي جيل، إيقاظ للإنسانية من الجهل والغفلة، وعدم التقهقر إلي الأساطير والأباطيل، وفهم أصول العلاقة المقدسة بين الله وخلقه.
والتعايش في ظل علم متواصل وراق، وذلك شأن الإنسان المحدود العلم والإدراك، والذي يحيا متنقلا من طور إلي آخر، ولا زال تطوره ملحوظا، وإن اشتمله تخبط واضطراب، لعدم سيطرته علي غرامة بالمستحدثات المتجددة.
إن الفهم الصحيح للدين الإسلامي يقي الإنسان من ويلات كثيرة، ناجمة عن عدم التبصر والرؤية الشاملة، فالمتفقه في أمور دينه لا يقتصر فهمه علي نفسه، وإنما يمتد هذا الفهم إلي الآخرين، فيحيا الجميع في ظل أضواء الإيمان وأنوار اليقين، وفي هذا السياق نقرأ قول الله تعالي:" وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ " ([1]) ذلك أن الآية تتحدث عن الغزو لحماية الدين وصيانة حقه، فتنبهوا إلي ذلك، فخرجوا جميعا ولكن متطلبات الأحوال تؤذن باتجاه جماعة إلي تحصيل الفقه الديني، واستثمار معرفتهم في أرشاد الذين خرجوا للغزو بعد عودتهم، حتي يبقَوا علي التقوى ، ويخافوا عقاب الله تعالي، ففريق يخرج للقتال وثان يتجه إلي الفقه في الدين والفريقان مع الغزو في سبيل الله تعالي.
وُروي أن معاوية رضي الله عنه كان يخطب فقال: سمعت النبي (صلي الله عليه وسلم ) يقول: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم، والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة علي أمر الله، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله ([2]).
ومعني يفقهه في الدين أي يفهمه أمور دينه، فالفقه هو الفهم الصحيح وقوله (صلي الله عليه وسلم ) : قاسم أي أقسم لكم الشريعة وأبينها لكم، والله يعطي كلا منكم من الفهم وفق ما قدّره وأراده له.
جاء في (التاج الجامع للأصول) ([3]) كان بعض الصحابة يسمع الحديث فلا يفهم منه إلا الظاهر، ويسمعه آخر منهم، أو ممن بعدهم، فيستنبط منه أحكاما ًكثيرة، قال تعالي :" ( يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ) ([4]) ولا يمسهم بسوء مَنْ خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وهو يوم القيامة.
ولا يتوقف تحصيل الفقه علي مرحلة سنية معينة فقد قال عمر بن الخطاب:" تفقهوا قبل أن تسودوا " وقال البخاري : وبعد أن تسودوا " وقد تعلم الصحابة وهم كبار السن، فهذا التعلم من أفضل العبادات وخير استثمار للوقت.
وعن ابن عمر رضي الله عنها قال : قال رسول الله (صلي الله عليه وسلم ) "أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع". ([5])
وقد عرض رسول الله (صلي الله عليه وسلم ) لبعض آداب الفقه، وتحصيل العلم وذلك ما رواه عبد الله بن عمر عن النبي (صلي الله عليه وسلم ) قال " بلغوا عني و لو آية ، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار" ([6])
والأمر في قول رسول الله (صلي الله عليه وسلم ) " بلغوا" للوجوب، حتى يبقي القرآن حيا في القلوب، والقليل من هذا التبليغ كاف والقرآن محفوظ، لا يخشي ضياعه، قال تعالي : )إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( " ([7])
والدعوة إلي نقل الحديث عن بني إسرائيل ،لأن الفقه لا وطن له فهو ملك للجميع ولا إثم في ذلك.
ثم حذر الرسول (صلي الله عليه وسلم ) من الكذب في سيرته وأحاديثه، ونقلها مغلوطة إلي الناس، لأن ذلك مدعاة للطعن في الدين، وتقوية القول بالتشكيك فيه، وجاء هذا التحذير وهو :" من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار" في عقب دعوته لنقل الحديث عن بني إسرائيل " أي أنه أكد التعامل معهم بخصوص الإسلام بشرط ألاّ يحرفوا فيه، وأن من ينقل عنهم ينبغي أن يكون متنبها وحريصا علي التثبت مما ينقل، وذلك للحرص علي حماية الحديث من الكذب وإدخال فيه ما ليس منه.
وتوسع السابقون في ذلك بدراسة الأسانيد والمتون، وبيان الصحيح والمكذوب، وغير ذلك من مفردات هذا العلم الأصيل.
وقد صار الفقه علما مستقلا بذاته وانبثقت منه عدة علوم، وألفت فيه كتب كثيرة، ويوجه إلي الفتاوى والإحكام، و حفظ التاريخ الإسلامي كثيراً من الفتاوى الخالدة، خاصة التي بين وجه الصواب فيها رسول الله صلي الله عليه، وجمع العلماء كثيرا منها إذ اعتبرت أسسا وقواعد للحكم في كثير من المسائل، التي يوظف فيها الاجتهاد، خاصة فيما يتصل بالنصوص المتعارضة، أو المسائل ،التي لم يرد فيها نص قطعي الثبوت والدلالة ، وللفتاوى قواعد وضوابط تعتمد علي العلم الصحيح مع القدرة علي الترجيح ولذلك تفصيلات كثيرة في كتب الفقه الأصيلة.
قال تعالي " وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ "([8])
ومن كتب الفقه التي تم إعدادها في مرحلة مبكرة من عمر الأمة الإسلامية كتاب الأم للأمام الشافعي، وتواصل التأليف في هذا العلم، وصولا إلي كثير من العلماء في العصر الحاضر هؤلاء الذين قدموا مؤلفات ذات شان كبير، نذكر منها كتاب فقه السنة للشيخ سيد سابق، وكتاب الفقه علي المذهب الأربعة للشيخ عبد الرحمن الجزيري وغيرهما.
دكتور / السيد محمد الديب
1- التوبة 123
2- رواه الأربعة واللفظ للبخاري في كتاب العلم.
3- التاج حـ2 صلي الله عليه وسلم ـ 51
4- البقرة 269.
5- رواه الطبراني.
6- رواه البخاري والترمذي.
7- الحجر (9)
8- النجل 44