يجب ألا يغيبَ وعىُ الإنسان وإدراكُه عن التفكير فى الله تعالى، وعليه أن يرطّب لسانه بالذكر فى سائر عباداته، خاصة إذا ارتبطت بقراءة القرآن، وأداء الصلاة، وحج بيت الله تعالى، ففى هذه العبادات يتحقق القرب من الله، وبذلك يرتقى المسلم إلى درجات عالية من الثقة واليقين، ولا يأبه بالشواغل التى تصرفه عن ذكر الله، الذى يُعد من أعظم العبادات فى التواصل مع خالق الأرض والسماء، فذكر الله من الفضائل الإسلامية والدعائم الإيمانية المستقاة من هدى النبى ﷺ ، وما أفضل أن تكون كلمات الذكر نابعة من القلب وجارية على اللسان، والتى يتحقق بها الاطمئنان والوعى بقيمة الإيمان وتفعيله فى سائر الأحداث بالليل والنهار، قال تعالى:(الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ {28})([1])
وعن عبدالله بن بُسْر أن رجلا قال: "يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علىّ فأخبرنى بشيئ أتشبس به([2]) فقال: "لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله تعالى"([3])، فالذكر الكامل لله تعالى : ما اجتمع فيه ذكر اللسان مع تواصل القلب، بحيث يتحقق فيه التعانق بين الظاهر والباطن، فلا تنفذ إليه شياطين الإنس والجن، أى أن قلبه وسائر جوارحه قد تحصنت بالذكر والتسليم لله تعالى، وعلى المؤمن أن يحرص دائما على تطهير قلبه ولسانه وعدم الغفلة عن ذكر الله، ومداومة الاستغفار والعودة إلى مجالس العبادة والذكر، وتلك هى رياض الجنة التى حددها الرسول ﷺ ، فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا([4])
قالوا: وما رياض الجنة؟
قال: حِلَق الذكر"([5])
وتتعدد صيغ الذكر، وأفضلها ما رُوى عن الرسول، ولا حرج فى أن يضيف الإنسان إليها ما يأتى على لسانه، ما دام معبرا بصدق عما فى نفسه، ولا يبغى به سوى القرب من الله تعالى ومحبة الرسول ﷺ ، ومن المختصرات فى ذلك ما رواه جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أفضل الذكر لا إله إلا الله"([6])، ومن ألفاظ الذكر التى ورد الترغيب فيها: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر"([7]) وغيرها، وعن أبى موسى رضي الله عنه قال، قال لى رسول الله ﷺ : "ألا أدلُّك على كنز من كنوز الجنة؟ فقلت: بلى يا رسول الله: "لا حول ولا قوة إلا بالله"([8])
ولا حرج فى اختيار ألفاظ أخرى تؤدى الغرض كالبسملة والحوقلة، وكل صيغ الاستغفار التى كثر الوارد منها عن رسول الله، خاصة فى الطواف والسعى والوقوف بعرفة وغيرها من مناسك الحج، وأن التوقف عن الذكر والدعاء، والاستغفار يجفف الشعور الإيمانى، ويجعل قلب الإنسان كالبيت الخرِب فعن أبى موسى الأشعرى رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ مثل الذى يذكر ربه والذى لا يذكره مثل الحى والميت" وفى رواية أخرى لمسلم: "مثل البيت الذى يُذكر الله فيه، والبيت الذى لا يذكر الله فيه مثل الحى والميت"
وذكر الله تعالى إقرار من الإنسان باحتياجه إلى ربه، والاستغناء به عمن سواه؛ فمهما تثاقلت الهموم عليه، فإن كاشفها ومفرقها هو الله تعالى
ونُقل عن بعض العارفين قال: "الذكر سبعة أنحاء: ذكر العينين بالبكاء، وذكر الأذنين بالإصغاء، وذكر اللسان بالثناء، وذكر اليدين بالعطاء، وذكر البدن بالوفاء، وذكر القلب بالخوف والرجاء، وذكر الروح بالتسليم والرضاء"، والمراد بذكر الله: الذكر الكامل، وهو ما يجتمع فيه ذكر اللسان والقلب بالتفكير فى المعنى واستحضار عظمة الله تعالى
أما الذين أصابتهم الغفلة عن ذكر الله، وأغرتهم زخارف الدنيا، وعبدوا أهواءهم، وانقادوا لوساوس الشيطان فإن أخطارهم قد تتجاوزهم وتصل إلى غيرهم، الذين ربما يكون منهم من هم أقرب الناس إليهم، إذ لا يكتفون بما انغمسوا فيه من ضلال، وإنما المنكر إلى غيرهم، حتى يفرقوهم عن ذكر الله تعالى، وهم فى غفلة عن الحقيقة، وانصياع للباطل، وتمتد مخاطرهم إلى الآخرين؛ سعيا إلى إفسادهم قال تعالى: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)([9]) ولا جزاء لهم إلا الويل والثبور والعذاب الشديد، قال تعالى: (رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)([10])
إن ذكر الله تعالى إعمار للقلب بالإيمان، وانصراف عن غيره، واطمئنان إلى عفوه سبحانه، وخشوعٌ وخضوعٌ فى العبادة، وانتصار على الباطل، وزيادة الرجاء فى كرمه سبحانه وتعالى
د. السيد محمد الديب
([1]) الرعد 28
([2]) أتشبس به: أتعلق به وأستمسك
([3]) رواه الترمذى، ورطبا أى لينا وناعما من كثرة الذكر
([4]) فارتعوا: اجلسوا فيها
([5]) الترمذى
([6]) الترمذى
([7]) الترغيب للمنذرى جـ2 صـ398
([8]) متفق عليه
([9]) الكهف 28
([10]) الزمر 22