تتعدد دلالات اليأس وفق ما ورد بحقه في القرآن الكريم، واستتباعا للتحول عنه، والخروج من دوائره إلى الأمل والثقة في الله تعالي، وهذا اعتقاد وسلوك إيجابي مضاد لليأس أو القنوط المرادف له والمطابق لمعناه، ذلك أن أخطر ما في اليأس فقدان الأمل، أو التعلق بالمستحيل، والرغبة في تحقيق ما لا حق فيه، وهذا الاعتبار هو الأغلب في معانى هذا المصطلح عند اليائسين.
ويعد اليأس من بضاعات المفلس، فحين تضعف الإرادة وتلين العزيمة فإن النفس تنهار عند مواجهة أحداث الحياة، ومشكلاتها التى لا تنتهى. وما أخطر هذا الوصف عندما يتراجع بالذات عن الهمة والعزيمة، ويضطرب القلب بالقلق والألم، وتتلاشى فيه روح العمل والقدرة على مواجهه الشدائد والتصدى للفشل والإخفاق.
مخاطر يأس المؤمن:
يتعرض الإنسان في سنوات حياته، للمنافع والأضرار، وكما هو الشأن دائما فإنه يُسرُّ ويبتهج بالخيرات التى تلحق به، لكنه عندما يصاب بالإخفاق ويفتقد الأمل في حسن النتائج المرتجاة فإنه يشعر بانهزامه، وضعف مقاومته للإنكسارات المثبطة للعزائم، ويصل إلى درجة القناعة بالواقع، ويرضى بالمتاح من الطموح والرغبات، ويتحمل ذلك في عدم تحقيق الثروة المبتغاة، أو الوظيفة التى يتوق إليها، أو يصيبه مرض يتأخر البرء منه, أو يلحق به ظلم يعجز عن مقاومته، أو يعاش في هوان من دَين، أو ولد عاق، أو ما شابه ذلك من هموم الحياة، وخصائص الإيمان الداعمة لمسيرة المؤمن على الأرض تؤهله لأن يتجاوز اليأس، ويسعى إلى الأمل تحت مظلة واقية مدعومة بالثقة في الله تعالى، والشعور بالانتصار علي هذه الشوائب الحياتية التى يمكن أن تحطم ما يستعصى علي الكسر.
ونسترجع دليلا لقدرة التحمل من رسول الله ﷺ عندما وارى ابنه إبراهيم الثرى ، ونظر إلي (أحد) الجبل الشامخ علي طرف المدينة، ثم خاطبه فقال: " يا جبل لو كان بك مثل ما بى لهدك، ولكن إنا لله وإنا إليه راجعون، وصرخ أسامة فنهاه رسول الله ﷺ فقال له : رأيتك تبكى، فقال له الرسول ﷺ: إن البكاء من الرحمة والصراخ من الشيطان(1) .
لا ينبغي للمؤمن أن يتمكن اليأس من نفسه، فكيف يتطرق اليأس الي النفس وهى تطالع قول الله تعالى ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾(2) فقد امتد اليأس إلي إخوة يوسف عليه السلام في سعيهم للوصول إليه، وجاء الخطاب القرآنى حاضا على استمرار الأمل في الاهتداء إلي مكان وجوده، إذ لا ينبغى أن يتمكن اليأس من المؤمن، وهو يعلم أن كل شيئ في سائر الكون إنما هو بقضاء الله وتقديره، قال تعالى ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ ۖ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾(3) .
إن القرآن الكريم يزرع في نفوس المؤمنين روح الأمل والتفاؤل، ولا ينبغي اليأس من رحمة الله تعالى، فإذا تعقدت الأمور وتشابكت الهموم فإن الفرج قريب والنصر آت لا محالة، فالإنسان في حياته معرض للنجاح والفشل، والصحة والمرض، وحرى به أن يوقظ فى مسيرته علي الأرض روح الأمل، والقدرة على تجاوز الأزمات، فقد كان الصالحون يتقربون إلى الله عز وجل بصدق رجائهم، وبعدهم عن اليأس والقنوط، ثم إن بعض المؤمنين قد يقعون في براثن الذنب وتضعف ثقتهم في أنفسهم، ويفتقدون الأمل في عفو الله عليهم، مع أن موجبات الرجاء ودواعى العظة مستقرة ومتمكنة من النفس، ولذا يعد اهتزاز الثقة بالنفس ابتلاء يتحتم المراجعة والاقتراب من الله سبحان وتعالى بالاستغفار ومقاطعة الذنوب، وتأكيد الثقة في ذات الله تعالى، وزيادة الأمل في رحمته ورضوانه، وهذا الفريق من المؤمنين ينبغى ألا يتملكهم اليأس، خوفا من عقاب الله على ما حدث منهم من أخطاء ومعاصِ تحتاج إلي المراجعة، والتوبة الصادقة إلي الله تعالى، ولعل من أقرب آيات القرآن الكريم لهذا السياق قول الله تعالى﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ﴾(4) .
وقد يعترى اليأس المبتلى فلا يصبر ولا يقاوم، وإنما ييأس ويتهاوى لاهتزاز في إيمانه، واقتراب من تسلط اليأس عليه، وصولا إلى فقدان الأمل في عفو الله تعالى إذ قال سبحانه ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾(5)
مقاومة الأنبياء والمرسلين لليأس:
لقد تعرض الأنبياء والمرسلون لمقاومات رافضة لكل رسالاتهم إلي البشر، وعرض القرآن الكريم لسائر الأحوال الرافضة لكل رسائلهم إلى الناس جميعا ولسائر المقاومات لهذه الرسالات انتهاء بما كان في حق رسولنا عليه الصلاة والسلام، وكانوا يظنون أن نصر الله بعيد بسبب شدة المواجهة وعنف المقاومة، ولكن الله سبحانه وتعالى ناصر رسوله وهازم أعداءه، كما قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾(6) وجاء الخطاب القرآني مستهدفا إبراهيم عليه السلام بانتصاره علي أعدائه، وتبشيره بالحق، وخروجه من دائرة اليأس والقنوط، قال تعالي﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ﴾(7) وما حدث بحق إبراهيم عليه السلام في المواجهة اشتمل غيره من المرسلين خاصة أولى العزم منهم الذين ذكرهم القرآن الكريم.
د. السيد محمد الديب
(1) السيرة الحلبية ج 3 ص 435 – طبع دار الكتب العلمية – بيروت – 1427 ه
(2) يوسف 87
(3) الإسراء 83 يئوسا : أي قنوطا من رحمة الله.
(4) الرعد 31
(5) فصلت 49
(6) يوسف 110
(7) الحجر 55