ينبغي أن يسعى كل مسلم إلى الارتقاء بصيامه لشهر رمضان، ولا يقتصر على الأداء الشكلى، الذى يتمثل في امتناع الصائم عن الطعام والشراب، ثم يأتى الإفطار فينتقم لحواسه، التى تم إيقافها أثناء النهار، وذلك بالتعويض أو الإسراف في الطعام والشراب، وإبادة الوقت فى اللهو والعبث، وربما المجون أيضا، مما يستلزم حتمية المراجعة الاتساعية لأداء هذه العبادة، التى أقرها الإسلام ركناً مهماً من أركانه الأساسية.

فالصيام عبادة ذات مواصفات محددة في القرآن والسنة، وأي اختراقات لمواصفات أدائها يفقدها الكثير والكثير من حكمة الله تعالى في فرض مشروعيتها، والمشاهد لمظاهر الأداء العلنى للصائمين يلحظ تنوعاً أو اختلافاً حسب المستوى الذى ينتهجه كل مسلم، قياساً أو أحتكاماً لمدى قربه من المعانى الرائعة لهذه العبادة في أنماطها الحسية والمعنوية، وسائر المكملات لها، كصلاة القيام والتهجد، وتحرى ليلة القدر بالعبادة، ودفع الصدقات إلى مستحقيها، وما لحق بذلك من الشعائر المعروفة لسائر المسلمين مهما اختلفت أوطانهم وألوانهم ولغاتهم.

ونحتكم إلى ثلاث درجات رآها وحددها حجة الإسلام أبو حامد الغزالى – رحمة الله عليه- قال: " أعلم أن الصوم ثلاث درجات: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص، أما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة... وأما صوم الخصوص فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرِّجل وسائر الجوارح عن الأثام، وأما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهمم الدنية والأفكار الدنيوية، وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية(1) "

ولا يحقق المستوى الأول من الصوم شيئاً من معانى هذه العبادة، التى ينبغي أن يرتقى الصائم بها في درجات القرب من الله تبارك وتعالى، وقد روى أبو هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: قال الله عز وجل ّ :" كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لى، وأنا أجزى به" (2) فليس للكف عن الطعام والشراب قيمة في ظل الانغماس والتشبع من سائر الشهوات، وإضاعة الوقت فيما لا يفيد، وغير ذلك من المخالفات المرئية في دنيا الواقع بسائر الأصعدة في العالم الإسلامى بدرجات مختلفة بين صقع وآخر.

أما صوم خصوص الخصوص ( وهو المستوى الثالث) فيحتاج إلى ارتقاء في الأداء الإيمانى، وتفصيل ذلك يطول، إذ أن هذه الدرجة من الصوم هى رتبة الأنبياء والصديقين والمقربين.

ونهدف إلى بيان ما أسماه الغزالى، صوم الخصوص، وهو درجة مقبولة في هذه العبادة، لأنه يعبر عن صوم الصالحين، او صوم الجوارح على العموم، واشترط – رحمه الله – لتمام هذه المرتبة ستة أمور تفصله تماما عن صوم العامة أو أكثرية الصائمين، كما أنها يمكن أن ترتقي بالصوم – مع مزيد من الورع والصدق والإخلاص إلى منزلة صوم الأنبياء والصديقين.

أما اشتراطات صوم الخصوص فهى:

1- غض البصر، وذلك من الرجل إلى المرآة، ومن المراة إلي الرجل، وهذا ما جاء الأمر به صريحا مباشراً في قول الله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾(3) وقال: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾(4) فهذا الأمر عام يشمل سلوك المسلم والمسلمة في سائر تصاريف الحياة، ويتحتم زيادة الالتزام والانضباط السلوكى في شهر رمضان، ذلك أن النظرة سهم من سهام إبليس، فعلى الرجل ألا يتلصص النظر إلى الآخرين، وألا يقتحم خلوات الناس بالنظرات السامة، وعلى المرأة أن تحافظ علي وقارها فلا تتبرج، ولا تخضع بالقول، خاصة إذا كانت خارج بيتها، وفى مرمى نظر الآخرين.

2- حفظ اللسان عن الكذب والغيبة والنميمة والخصومة وغيرها، وانشغال الصائم بذكر الله وتلاوة القرأن الكريم ، ووجوب السيطرة على اللسان وعدم انفلاته إلى ما حرمه الله تعالي، فالصيام عن الشهوات تهذيب للنفس، أما الصيام عن الكلام فينعكس أثره علي الآخرين، وجاء في سورة مكية قبل فرض الصيام بالمدينة قول الله تعالى علي لسان السيدة مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾(5)، ولا قيمة للصوم عن الطعام والشراب في ظل ممارسة الكذب، وتفعيل آثاره، وجاء ذلك صريحا مباشرة فيما رواه أبو هريرة، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ:" من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه "(6)، وذلك كناية عن عدم الصيام في ظل ممارسة الكذب وشهادة الزور.

3- تجنب الاستماع إلى كل مكروه، فما حُرِّم قوله حُرِّمَ الإصغاء إليه فالاستماع إلى الكذب في درجة أكل السحت، وقد رُوى أن المغتاب والمستمع شريكان في الإثم.

4- كف بقية الجوارح عن الآثام، مثل تجاوزات اليد والرِّجل، وكذلك كف البطن عن الحرام، إذ لا يصح ان يصوم المسلم، ثم يفطر علي المحرمات من الأطعمة والأشربة، ولا يمنع لسانه عن تناول أعراض الناس بالغيبة والنميمة.

5- عدم الاستكثار من الطعام والشراب عند الإفطار، وقد صار الإسراف في الأطعمة والأشربة ملمحاً أو معلماً على كيفية الفطور والسحور فى شهر رمضان بما لا يتطابق مع مشروعية هذه العبادة، قال تعالى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾(7)

6- ذكر الغزالى معالم هذا الأمر السادس فيما يخص الصائم فقال: " أن يكون قلبه بعد الإفطار معلقاً مضطرباً بين الخوف والرجاء، إذ ليس يدرى أيقبل صومه فهو من المقربين، أو يُرد عليه فهو من الممقوتين" وإذا عاش الصائم على هذه الحالة، فإن مؤداها يأخذ به إلى دروب الأنبياء والصالحين، ولأن الصوم عبادة يتلاشى فيها الرياء والملق، وترتقي بصاحبها إلي صاحب الملكوت الأعلى، وتعد إحدي الأمانات، التى عُرضت علي السموات والأرض فأشفقن منها وتصدى لها الإنسان بالحمل والتكليف ، لتكريم الله له، وذكر الرسول ذلك فقال:" إن الصوم امانة، فليحفظ أحدكم أمانته(8) . تلك هي أهم المعالم لصوم الخصوص، الذى يعبر عن طرائق الصالحين في صيامهم لشهر رمضان، وما يشمله من أوامر ونواهٍ والله أعلم.

د. السيد محمد الديب


(1) إحياء علوم الدين جزء 1 ص 241 (الحلبى)
(2) جزء من حديث رواه أحمد وسلم والنسائي
(3) النور 30
(4) النور 31
(5) مريم 26
(6) البخارى
(7) الأعراف 31
(8) أورده الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث ابن مسعود رضى الله عنه