أثر الإسراء والمعراج في مسيرة الإسلام

1 دقيقة قراءة
بواسطة Ahmed Eldeeb
أثر الإسراء والمعراج  في مسيرة الإسلام
Photo by nour tayeh / Unsplash

كان الإسراء والمعراج بالرسول صلى الله عليه وسلم انتقالاً بالدعوة الإسلامية إلى مرحلة جديدة عامرة بالسموّ والارتقاء، والاتصال بالله تعالى في ملكوته الأعلى، بما تعجز عنه إدراكات البشر، وفي نطاقات الزمن الكوني غير المدرك للتصور الإنساني. 

وقد اختار الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم هذه الرحلة المباركة من غير توقع أو انتظار لوعد سابق، وجاء ذلك في توقيت شديد العسرة في أعقاب ما لحق به من عتاة قريش بمكة المكرمة أو من رجالات ثقيف في رحلته إلى الطائف، ثم اقتربت الأحزان منه، وأحاطت به داخل النطاق الاجتماعي، الحاصل في وفاة عمه أبي طالب، الذي كفله بعد وفاة جدّه، واصطحبه إلى التجارة، وتعهده في شبابه وبعد زواجه، فإذا مات هذا العم تضاءلت الدفاعات عن المبعوث رحمة للعالمين، وتلاشي الساند الأقرب في نطاق الحصارات المحيطة به من داخل مكة، وفي الشِّعاب خارجها، ثم تعاظم الحزن وجلّ الخطب وتكاثرت الملمات بوفاة زوجته وأم أبنائه، خديجة بنت خويلد أول امرأة عمُر قلبها بالإسلام، وفي ظلال هذه الأجواء الخانقة كان الفرج الإلهي، والكرم الرباني في ظل الانتقال بالرسول صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس، والصلاة فيه إماماً لأنبياء الله ورسله، ويتواصل الارتقاء في معية جبريل عليه السلام إلى العالم العلوي، انتقالاً من سماء إلى سماء بتأملٍ عميق في المشاهدات إلى أن كانت سدرة المنتهى قال تعالى: [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ]([1]).

وقال تعالى: [ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى]([2]).

ولم تقتصر هذه الرحلة المباركة في تأثيرها الإيجابي ونواتجها الرائعة على دعم الرسول وشحذ عزيمته وتثبيت حالته والسمو به عن صغائر البشر الذين انحصرت إدراكاتهم في مقاومته والإساءة إليه والتعقب والمقاطعة، والاستقواء بهُبل واللاتَ والعزى، فكان الإسراء والمعراج لذلك، وإلى أبعد من ذلك مما لم تنكشف للبشر كامل أسراره ودلالاته. 

1- لقد التقى الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة بما شاء الله الالتقاء بهم من الأنبياء والرسل عليهم السلام، حيث صلى بهم إماماً لهم في المسجد الأقصى والتقى ببعضهم في السماوات السبع، التي قصدها في معراجه بما يؤكد حتمية التوافق بين رسالات الله تعالى لهم، ولأقوامهم اللذين بُعثوا إليهم، والرفض لأية تجاوزات أو مغالطات تفسّر بها الأديان على غير ما تهدف إليه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، الأنبياء أخوة من علاَّت، أمهاتهم شتى ودينهم واحد"([3]) وقال تعالى: [شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ]([4]).

ويرتبط هذا المعنى بما كان في حادث الإسراء من الربط المكاني بين مكة التي أُسرى به منها، وطور سيناء التي ارتقى في سمائها، حيث كلّم الله تعالى موسى عليه السلام، وبيت لحم موضع ولادة المسيح عيسى عليه السلام، وبيت المقدس حيث اللقاء في المسجد الأقصى والصلاة المجمعة برفقة الملائكة الكرام، ومنه كان المعراج إلى السماء، وما لهذه الأمكنة المقدسة من دلالات في تقريبها بين أتباع الأديان الثلاثة المتعاقبة في الزمان، والحاصلة في المكان. 

2- جاءت مشاهدات الرسول صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة داعمة لمنهجه في التبليغ قال تعالى [لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا]([5])، وقال تعالى: [لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى]([6]) والمرائي غير المدركة للبشر ماكانت في نطاقات سدرة المنتهى ارتقى إليها الرسول صلى الله عليه وسلم، وارتفعت بها كياناته بهذه المنزلة العظيمة، وأما المرائي المستهفة للبشر فقد شاهد الرسول بحقها صوراً متعددة، ونماذج معبرة من النعيم الذي يلقاه الصالحون، ومن العذاب الذي يناله الآثمون. 

وقد تواترت الأحاديث النبوية عن هذه المرائي حيث قام جبريل عليه السلام بكشف رموزها، وبيان دلالاتها للرسول صلى الله عليه وسلم، وتمثلت مشاهدها التي أوردتها كتب الصحاح في المخالفين والمرتكبين للموبقات، والكبائر الآثمة التي يتساقط فيها الآثمون. 

دكتور/ السيد محمد الديب


([1]) الإسراء 1. 
([2]) النجم 8، 9، 10، 11. 
([3]) رواه أحمد (10258).
([4]) الشورى 13. 
([5]) الإسراء 1. 
([6]) النجم 18.