أبو ذر الغفاري - صاحب المسيرة الخالدة في العلم والعمل والجهاد ج١

1 دقيقة قراءة
بواسطة Ahmed Eldeeb
أبو ذر الغفاري - صاحب المسيرة الخالدة في العلم والعمل والجهاد ج١
Photo by Ali Arif Soydaş / Unsplash

أبو ذر الغفاري صاحب عقلية فريدة وشجاعة نادرة وجرأة في الحق، وقدرة على الإقناع، وهو من القلائل الذين أحدث الإسلام فيهم تغييراً لا نظير له، إذ انتقل من السلب والنهب وقطع الطريق في الجاهلية إلى القدوة الصالحة والنموذج الذي يُحتذي به في الورع والزهد وحب المساكين، فبقدر ما كان سعيه إلى الدنيا وحرصه عليها وانشغاله بها كان التحول إلى البعد عنها والتحذير منها والثورة عليها. 

ارتبط أبو ذر بقبيلة "غِفَار" فنُسب إليها وقد تخلد ماضيها، وبقى اسمها محفوظاً في كتب السيرة والأحاديث، وفي مصادر التفسير والإفتاء، وانتقلت -فضلاً عن ذلك- إلى المؤلفات التاريخية والمذاهب السياسية، ولا زالت ديارها قابعة في مواقعها على أرض الواقع، مسكونة بغير الغفاريين، الذين لم يعد لهم وجود عليق بماضيهم التليد. 

وقبيلة غِفار بطن من كنانة العدنانية في وادي الصفراء بين مكة والمدينة، ولعلها إلى المدينة أقرب، وربما تكون على بعد مائتي كيلو متراً منها، أو أقل من ذلك، كما أنها في طريق الحجاج إلى مكة، وتُشرف مضاربها على مسارات القوافل بين اليمن والشام، ومن مناحيها الرَّبذَة التي سيأتي الحديث عنها. 

وأرض غِفار ذات طبيعة صحراوية جافة، وبها أودية صالحة لنمو الأعشاب والنباتات، واشتهرت غفار في الجاهلية بالسطو على القبائل، وما كان فتيانها يتورعون عن سلب ما بحيازة الحجاج عند المرور على ديارهم في الطريق إلى مكة. 

ولد أبو ذر بأرض غِفار([1]) وهو جُنْدب بن جُنادةَ بن سفيان بن عبيد من بني غفار من كنانة بن خزيمة، وأمه: رملة بنت الوقيعة من غفار أيضاً، وقد تردد اسمها في المصادر القديمة مع شقيقيّ أبي ذر وهما أنيس بن جُنادة والصامت بن جُنادة، ولهم أخ ثالث من الأم هو عمرو ابن عتبة السُّلمي. 

واقتضت طبيعة الحياة وكذلك البيئة التي نشأ فيها أبو ذر أن ينصرف إلى قطع الطرق ومهاجمة القبائل في شجاعة محمودة عند قومه، ويغير عليها في وضح النهار، وهو على ظهر جواده، إذ ينتقي الحيَّ الذي ينقضّ عليه فيأخذ ما يروق له، وينصرف إلى حال سبيله. 

لكن الجانب الآخر من شخصية هذا الغفاري غير متوقع، إذ كان يؤمن بوحدانية الله تعالى، ولا يعبد الأصنام؛ بل قيل إنه كان يناجي الله قبل الإسلام بثلاث سنوات، وأنه ممن كانوا يحرمون الخمر والأزلام في الجاهلية. 

تعدد الروايات عن إسلامه: 

تعددت الروايات بشأن دخول أبي ذر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت الحرام، وإعلان إسلامه جَهْرة دون خوف في مرحلة زمنية مبكرة من بدء الدعوة الإسلامية، وربما ينتاب الإنسان شيءٌ من الدهشة والحيرة، إذ كيف يخرج هذا الغفاري؛ ليسير بين الوديان والصحاري، متجشماً المخاطر والأهوال؛ سعياً للوصول إلى الحقيقة التي شغلته منذ بدء شبابه.  

وكان أبو ذر يتحدث بما يشعر به من تأمل في الكون والأحياء، وعدم مجاراة قومه في عبادة الأصنام، ومرّ عليه رجل أخبره عن بعض ما يقوله محمد صلى الله عليه وسلم، فألهب الخبر حماسته؛ للوقوف على الحقيقة دون سواها، وروى عبدالله بن عباس رضي الله عنهما ما ذكره أبو ذر بشأن إسلامه، وأنه أرسل أخاه أنيساً؛ ليأتي له بتمام الخبر قال: "كنت رجلاً من غفار فبلغنا أن رجلاً قد خرج بمكة يزعم أنه نبي، فقلت لأخي: انطلق إلى هذا الرجل، كلمه وائتني بخبره، فانطلق فلقيه ثم رجع فقلت: ما عندك؟ 

فقال: والله لقد رأيت رجلاً يأمر بالخير وينهي عن الشر. فقلت له: لم تَشْفني من الخبر([2]).

وروى مسلم من طريق عبدالله بن الصامت عن أبي ذر في قصة إسلامه، وأن نزوله للغرض ذاته كان مع أمه وأخيه أنيس حيث نزلوا على خال لهما، منصرفاً عن قبيلته، التي لم يكن أهلها يصونون حرمة الأشهر الحرم، وذلك قبل أن يصل إلى مكة المكرمة. 

وذكرت رواية البخاري أن أبا ذر قد جهز نفسه للالتقاء برسول الله عليه الصلاة والسلام، ودخل مكة، وغدا إلى المسجد، والتقي بعلي رضي الله عنه، حيث اصطحبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان اللقاء، فقال للرسول حسب الرواية: "اعرض عليّ الإسلام فعرضه، فأسلمت مكاني فقال: يا أبا ذر اكتم هذا الأمر وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل. فقلت: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم، فجاء إلى المسجد وقريش فيه فقال: يا معشر قريش إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ، فقاموا، فَضُرِبتُ لأموت، فأدركني العباس فأكبّ عليّ، ثم أقبل عليهم فقال: ويلكم، تقتلون رجلاً من غفار، ومتجركم وممركم على غفار فأقلعوا عني، فلما أن أصبحت الغد رجعت فقلت مثل ما قلت بالأمس فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ، فصُنع بي مثل ما صُنع بالأمس، وأدركني العباس فأكب عليّ وقال مثل مقالته بالأمس قال: فكان هذا أول إسلام أبي ذر رحمه الله"([3]).

وكانت إقامة أبي ذر بمكة لعدة أيام..([4]) مكتفياً فيها بالشرب من ماء زمزم، والطواف بالبيت والصلاة خلف المقام، وكان أول من حيا الرسول بتحية الإسلام فقال له: السلام عليك يا رسول الله، فرد عليه بقوله: وعليك السلام ورحمة الله. 

ويُروى أيضاً أن أبا ذر قال للرسول صلى الله عليه وسلم أنشدني ما تقول فقال: ما أقول الشعر ولكنه القرآن، وما أنا قلته ولكن الله قاله، قال: اقرأ عليّ، فقرأ عليه سورة من القرآن فقال أبو ذر: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: "ممن أنت"؟ فقال: من بني غفار، قال: فعجب النبي صلي الله عليه وسلم أنهم يقطعون الطريق، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يرفع بصره فيه ويصوبه تعجباً من ذلك لِمَ كان يعلم منهم، ثم قال: "إن الله يهدي من يشاء"([5]).

ورَوى أبو ذر أنه خامس أربعة دخلوا في الإسلام، ويبدو أن الأمر كان على ظاهره في حدود علمه، مع أنه كان أول من جهر بإسلامه في الحرم أمام قريش بدون خوف مرتين أو ثلاث، معرضاً حياته لخطر ماحق، لولا تدخلات العباس، وتحذيره للقرشيين من مخاطر اعتدائهم على رجل غفاري من قبيلة ذات شهرة مسموعة في الإغارة والسطو وقطع الطريق.

وكان خوف الرسول على أبي ذر من أن يُهدر دمه في الحرم، ويضيع الأمل الذي بُني على إسلامه، حريصاً على أن ينهض بالدعوة بين قومه فله فيهم شأن وحنكة وقوة على البوح والتبليغ. 

وتعددت الروايات([6]) فيما يتصل بدخول أبي ذر على رسول الله وإعلان إسلامه واعتداء قريش عليه وأمل الرسول في عودته إلى قبيلته وأن يرجع إليه عند ظهور الإسلام. 

الدعوة إلى الإسلام في غِفَار: 

غادر أبو ذر مكة حسب وصاية الرسول صلى الله عليه وسلم له، ولديه قوة إيمانية وحماسة شبابية للدعوة الإسلامية، وفي أعماقه كثير من الكراهية لعتاة قريش، الذين أوشكوا على الفتك به، وعزم على ألا يدعهم حتى يثأر منهم، ويُروى أنه خرج من مكة حتى أقام بعسفان، وكلما أقبلت عير لقريش يحملون الطعام يَنْفر بهم على "ثنية غزال"([7])، فتلقى أحمالها فجمعوا الحِنط، قال: يقول أبو ذر لقومه لا يمس أحد حبة حتى يقول: لا إله إلا الله، فيقولون: لا إله إلا الله، ويأخذون الغرائر"([8]) وعندما عاد إلى قومه أسلم أخوه أنيس وأمه الوقيعة حيث الاستقرار في ديار الغفاريين، وأخذ أبو ذر يدعو قومه إلى الإسلام بالإقناع والحجة، ويقيم معهم شعائر الدين، فلبّى قرابة نصفهم وأسلموا، بما يعني التحول من قطع الطرق وسلب المال إلى السير وفق المنهج الإسلامي في حدود ما يصلهم مما نزل من القرآن الكريم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد أن تخلوا عن آلهتهم التي عكفوا على عبادتها دهوراً.

أبو ذر مع قومه إلى المدينة: 

وصل أبو ذر رضي الله عنه مع قبيلته بعد أن أوشك الإسلام أن يعمها، ثم انتقلت الدعوة إلى حليفتها قبيلة أسلم، وآن لهما جميعاً أن يقبلوا على الرسول في دار هجرته في حدود سنة خمس أو ست بعد غزوة الخندق، وأبو ذر يتقدم قومه في شموخ واعتزاز، فدخلوا على الرسول وأعلنوا إسلامهم أمامه بإرادة واختيار، وهم أولئك الذين كانوا جبابرة في السطو ومحالفة الشيطان، فصاروا رواداً في الخير والدعوة إلى الأمن والسلام ثم أقبلت "أسلم" ودخلوا على الرسول، وقالوا له: نسلم على ما أسلمت عليه حليفتهم غفار، فسعد الرسول بكل ذلك أيما سعادة وقال: "غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله"([9]).

والباعث على ذلك منذ بدايته هو أبو ذر الذي أقرّ الرسول له بالفضل في حديث من مروياته قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفي من أبي ذر، شَبَهُ عيسى بن مريم عليه السلام، فقال عمر كالحاسد له: أفنعرف ذلك له يا رسول الله، قال: "نعم فاعرفوه له"([10]).   

وبقى أبو ذر في المدينة، ولزم الرسول حضَرا وسفرا، وشارك في خدمته، واستثمر ذاكرته الحافظة في الاستماع إلى مروياته صلى الله عليه وسلم، وأقام بالمسجد مع مجموعة من أصحاب الصفَّة، وأصبح في المدينة مع الرسول ذا شأن وقيمة ودور لا يقتصر فيه على نفسه، وإنما يمتد إلى التواصل مع الغفاريين، والعيش بحالة فريدة من الزهد والورع والجهاد. 

علمه وجهاه: 

حرص أبو ذر على زيادة محصوله المعرفي من خلال ما يسمعه أو يسأل عنه أو يثبته بروايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر ما كان يذكره عن الرسول أن يقول، خليلي كأن يقول: أوصاني خليلي بأربع ويذكرها أو يقول: أوصاني خليلي بسبع ويذكرها. 

ومما رواه عن الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الحديث الذي قال فيه: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات هن إلىّ أحب من الدنيا وما فيها قال لي: "يا أبا ذر أحكم السفينة فإن البحر عميق، واستكثر الزاد فإن السفر طويل، وخفف ظهرك فإن العقبة كئود، وأخلص العمل فإن الناقد بصير"([11])والقصد من السفينة: العمل الصالح، وعمق البحر مدعاة للحذر والخوف من الدنيا، والاستكثار من الزاد بمعنى زيادة الأعمال الصالحة، وتخفيف الظهر أي الحرص على إعطاء كل ذي حق حقه، ولا يخفي على ذي البصيرة أهمية الإخلاص في العلم والعمل، ولم يرض الرسول له أن يستسلم للدعة أو الكسل، فنهاه عن النوم في المسجد. 

ولم يكتف أبو ذر رضي الله عنه بمصاحبة الرسول وخدمته، ورواية ما يسمعه عنه، فاتجه إلى ساحات القتال، وشارك في السرايا والغزوات، وأخلص للعلم والعمل، وقد حفلت السنوات التي عاشها مع الرسول في المدينة بالمواقف الرائدة والأحداث الخالدة. 

وكان مع المسلمين في فتح مكة، وحمل راية الجيش الغفاري الذي شارك منه ثلاثمائة رجل كانوا مع الذين دخلوا مكة سلماً بلا قتال، ثم كانت المشاركة بعد الفتح في غزوة حنين بشهر شوال من العام نفسه. 

وانطلق أبو ذر عام تسعة من الهجرة مع الرسول وسائر المجاهدين إلى غزوة تبوك وتذكر السيرة النبوية ما كان منه عند النفرة والرحيل إلى موضع هذه الغزوة فرُوى عن ابن مسعود قال: "لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك جعل لايزال يتخلف الرجل، فيقولون: يا رسول الله، تخلف فلان فيقول: دعوه، إن يكن فيه خير فسيُلحقه الله بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه حتى قيل: يا رسول الله، تخلف أبو ذر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يقوله، فتلوّم([12]) أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره، ثم خرج يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشياً، ونظر ناظرٌ مِنْ المسلمين فقال: إن هذا الرجل يمشي على الطريق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كن أبا ذر" فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يرحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، ويحشر وحده"([13]).

ولا يمنع أن تشتهي نفس أبي ذر الإمارة وهو في قوة شبابه، إذ أخبر الحارث عن يزيد الحضرمي أن أبا ذر سأل الرسول صلى الله عليه وسلم الإمارة فقال له: "إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها"([14])، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في حقه: "أبو ذر في أمتى على زهد عيسى بن مريم"([15]) وعاش حياته زاهداً في الدنيا، راغباً فيما عند الله، يحب الفقراء ويجالس المساكين، ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يذكره للناس ويشرحه ويطبقه بصدق وإخلاص.

تشكيل الإسلام لشخصية أبي ذر: 

لقد أحدث الإسلام في شخصية أبي ذر تحولا لا نظير له، وانتقل به من حياة السطو والإغارة على القبائل إلى المعيشة في رحاب المسجد النبوي، وحفْظ كتاب الله والرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبدأ التغيير شيئاً فشيئاً، فإذا كانت الحماسة والصرامة وقوة الإرادة قد ساقته ليعلن إسلامه في مواجهة المشركين بالبيت الحرام فإن تقواه وورعه وزهده قد تحول به بالعيش مع الزهاد والمتصوفة، إعراضاً عن رغد الدنيا وإقبالاً على حب الله، وجاء هذا التحول في هدوء وتدرج وتوجيه من الرسول حسب المواقف والأحداث. 

وقد قال ذات يوم في بدء إسلام لابن عمه "يا بن الأمة"([16])، فتلطف الرسول به، وانتقده في هدوء قائلاً: "ما ذهبت عنك أعرابيتك بعد"([17]).

ومن أمثلة تأديب الرسول له ما روى عنه أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر كيف أنت، إذا كانت عليك أمراء يستأثرون بالفيء؟ قال: قلت: إذا والذي بعثك بالحق أضرب بسيفي حتى ألحق به، فقال: "أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ اصبر حتى تلقاني"([18]).

وروى أبو ذر رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثوب أبيض وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ فقال: ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على  ذلك إلا دخل الجنة قلت وإن زني وإن سرق قال وإن زني وإن سرق. 

وكرر أبو ذر سؤاله بما يعبر عن عدم ارتياحه فقال، الرسول في الرابعة "على رغم أنف أبي ذر"، حيث خرج يجر إزاره وهو يقول: "وإن رغم أنف أبي ذر"([19])، لوقوعه مخالفاً لما يريد، إذ أستبعد أن يقع العفو عن الزاني السارق الذي انتهك حرمة. 

وعبر أبو ذر بذلك عن نفرته من معصية الله ولذا سايره متلطفاً معه، إلى أن وجب الحسم بأسلوب يلائم الموقف. 

وقد روى أبو ذر كثيراً من وصايا الرسول له، منها قوله: "أوصاني خليلي بسبع: أمرني بحب المساكين والدنوّ منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن لا أسأل أحداً شيئاً، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرا، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من: لا حول ولا قوة إلا بالله فإنهن من كنز تحت العرش"([20]).

لقد أحدث الإسلام في أبي ذر الغفاري نقلة حضارية عظيمة، فصار رأساً في الزهد والورع ورائداً في العلم والعمل، قوّالا للحق وداعياً للخير، محباً للرسول وأصحابه، مطيعاً لولي الأمر مع حدة فيه، أخذت تتلاشي مع الأيام، كما أخذت حياته مثاراً جديداً بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا ما سوف نجليه في مقالة قادمة بإذن الله تعالى. 

 

دكتور/ السيد محمد الديب


([1]) قيل إن ولادته كانت قبل الإسلام بعشرين عاماً. 
([2]) جزء من حديث براوية البخاري 3522، ج6، ص635. 
([3]) تكملة الحديث السابق ذكره برواية البخاري، وأورده مسلم برواية أخرى. 
([4]) قيل كانت ثلاثين يوماً. 
([5]) الطبقات الكبرى لابن سعد ج4، ص268، 269. 
([6]) أسد الغابة ج6، ص100، وحلية الأولياء ج1، ص158. 
([7]) ثنية غزال: موضع جبلي قريب من الربذة في الطريق إلى مكة . 
([8]) الطبقات الكبرى لابن سعد ج4، ص469، والحِنط: الغلال، والغرائر: أوعية توضع فيها الحبوب وغيرها. 
([9]) في رواية لمسلم، عن التاج الجامع للأصول ج3، ص404. 
([10]) رواه الترمذي بسند حسن، وله رواية أخرى، وجاء في البداية والنهاية أن فيه ضعفاً ج7، ص180، وصححه الألباني عن صحيح مسلم، والخضراء: السماء، والغبراء: الأرض، أي ليس بين السماء والأرض أصدق ولا أوفي من أبي ذر باطنه وظاهره واحد. 
([11]) رواه الحافظ الطبراني المقدسي . 
([12]) تلوم : تمهل. 
([13]) أسد الغابة ج6، ص101، " نقلاً عن السيرة النبوية لابن هشام". 
([14]) أورده ابن سعد في الطبقات ج4، ص279. 
([15]) تاريخ الصحابة ج1، ص63. . 
([16]) يعيره بأن أمه جارية. 
([17]) أورد ابن سعد هذا الموقف بتمامه في الطبقات الكبرى ج4، 272. 
([18]) السابق الجزء والصفحة. 
([19]) البخاري (8527)، ومسلم (154) .
([20]) الطبقات لابن سعد ج4، ص276، 277، وتوسع الأصبهاني في بيانها، والإضافة إليها بحلية الأولياء ج1، ص168.