تحدثنا في مقال سابق عن نشأة أبي ذر في قبيلة غِفار، وملابسات إسلامه في بواكير البعثة المحمدية، ودعوته إلى الإسلام في كل الأصعدة التي نبت فيها أو ارتحل إليها، وتشكيل الإسلام لشخصيته من خلال خدمته للرسول صلى الله عليه وسلم، والرواية عنه، والتعلم منه. 

ونواصل الإبانة عن معالم هذا الصحابي الجليل فيما يأتي:

التحول إلى الإفتاء: 

خرج أبو ذر من غفار واستقر في المدينة يخدم الرسول ويستمع إليه ويتعلم منه، وكان سعيه إلى العلم والتفقه بصورة أبهرت بعض الصحابة، وتجلت إكرامات الله تعالى له، إذ ترك لغة الحرب والإغارة، وعاش في رحاب لغة المنطق والحوار، واستجمع في ذاكرته كل ما حدثه به الرسول صلى الله عليه وسلم في شتى المناحي، واستشعر القيمة والأهمية لكل ذلك فقال: "لقد تَرَكنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما"([1]) ولم يكن لأبي ذر حديث أو إفتاء في حياة الرسول، مع أن محصوله المعرفي آنذاك كان كبيراً ومتنامياً ومستمراً فيما بعد وفاة الرسول فقال عنه علي رضي الله عنه: "وعى أبو ذر علماً عجز الناس عنه، ثم أوكأ عليه فلم يُخرج منه شيئاً"([2])، وكان علمه مصحوباً بجرأة القلب، وسلامة الفكر، ورجاحة العقل، وسعة الحفظ، خاصة فيما أوصاه به الرسول صلى الله عليه وسلم، أو سأل عنه، وأجيب عليه، وآن له أن يتحدث وينصح ويرشد فصار مقدماً في الفتوى على عهد أبي بكر وعمر، وخلال ما عاشه من خلافة عثمان، واعتبر موازياً لعبد الله بن مسعود في علمه وفقهه مما دعا عمر بن الخطاب في زمن خلافته أن يَفْرض له فرضاً كأهل غزوة بدر، مع أنه لم يشهدها، إذ كان مهموماً بالدعوة إلى الإسلام في ديار قومه. 

إن هذا الصحابي الذي نشأ في مجاهل الصحراء بين قطاع الطرق قد تبدلت حياته مع الإسلام فاتجه إلى الزهد وتأكيد الحقوق المشروعة للفقراء في أموال الأغنياء، وأصبحت نظرته إلى المال مؤرقة له، فأخذ القدر الأكبر من الإفتاء لديه، واستعصم في كل ذلك بالقرآن والسنة، وأذاع على الناس ما يشبه البلاغات المعبرة عن رأيه، دون خوف ممن يفهمون بغير ما يفهم، وكانت تلك بدايات هادئة لقضايا مستقبلية ساخنة مثل قوله: "ذو الدرهمين أشد عذاباً من ذي الدرهم". 

وجمع في زهده بين قوله وعمله، وعاش في رحاب المسجد، وخالط أهل الصفة، واكتفى بالقليل من الزاد وقال: "والله لو تعلمون ما أعلم ما انبسطتم إلى نسائكم، ولا تقاررتم على فرشكم، والله لوددت أن الله عز وجل خلقني يوم خلقني شجرة تعضّد ويؤكل ثمرها"([3])، بمعنى الرغبة في أن يكون مثل الشجرة المثمرة، التي تعطي ثمارها لمن يرغبها. 

ومروياته عن الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الموضوع كثيرة، ومنها ما نقله ورواه عبادة بن الصامت عنه قال: "إن خليلي صلى الله عليه وسلم عهد إليّ أنه أيَّما ذهب أو فضة أوكئ عليه فهو جمر على صاحبه، حتى ينفقه في سبيل الله عز وجل"([4]).

وروى أبو ذر في ذات السياق قوله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم: [وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ]([5]) فما زال يقولها ويعيدها عليّ"([6]).

تلك كانت اهتمامات أبي ذر في أحاديثه إلى الناس وفي آرائه الفقهية، التي عبرت عن الهموم الاجتماعية في البيئة الحجازية بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام. 

خروج أبي ذر إلى الشام: 

لم تشهد إقامة أبي ذر في المدينة حراكاً مذهبياً بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يتصل بالثروة والنفقة في سبيل الله، وقد وضع أبو ذر سيفه في غمده، وصار معنياً بنشر ما فهمه من القرآن الكريم، وما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة أحاديث ووصايا وفتاوى، وليست لهذه الإقامة مدة محددة لنهايتها، وقيل إنه هاجر منها إلى الشام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. 

وذكر ابن كثير أن خروجه إلى الشام([7]) كان بعد موت أبي بكر([8])، حيث أقام فيه طوال خلافة عمر، وقيل إن الانتقال إلى الشام كان في عهد عمر([9]) وقيل أيضاً إن إقامة أبي ذر بالمدينة بعد وفاة الرسول استمرت طوال أيام أبي بكر وعمر وصدْرٍ من خلافة عثمان، ولم يكن هذا الخروج من المدينة لطلب ولاية أو رغبة في مال أو جاه أو نفوذ، إذ اشتمله الزهد والورع والرضا بالقليل إلا من العلم فقد حرص عليه وسعى إليه، ويبدو أن المسلمين في بادية الشام خاصة زمن الشيخين أبي بكر وعمر كانوا في حاجة إلى المزيد من الفقه والرد على أسئلتهم، فانتقل أبو ذر إليهم بإرادته وبوصفه مبلغاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولديه من المرويات عنه ومن الآراء الفقهية ما يود إيصاله إلى الراغبين فيه، فقد رُوى عنه قوله: "إني لأقربكم مجلساً من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامةـ، وذلك أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أقربكم مني مجلساً يوم القيامة من خرج إلى الدنيا كهيئة ما تركته فيها" ثم قال أبو ذر: ".. وأنه والله ما منكم من أحد إلا وقد تشبث بشيء منها غيري"([10]).

وطابق رضي الله عنه بين آرائه في الزهد والإنفاق وأقواله التي بثها فيمن يستمعون إليه ويتعلمون منه، فقد عاش حياة بسيطة متواضعة لا تظهر فيها نعومة وسعة، وعن أبي بكر بن المنكدر قال: "بعث حبيب بن مسلمة.. وهو أمير الشام –إلى أبي ذر- بثلاثمائة دينار، وقيل له: استعن بها على حاجتك" فقال أبو ذر: "ارجع بها إليه، ألا وجد أحداً أغرَّ بالله منا، ما لنا إلا ظل نتوارى به، وثُلة من غَنَم تروح علينا، ومولاة لنا تصدقت علينا بخدمتها، ثم أني لأتخوف الفضل"([11]).

ويقترب من هذا موقف آخر، حيث بلغ الحارث وهو رجل كان بالشام من قريش أن أبا ذر رضي الله عنه كان به عَوَز([12]) فبعث إليه بثلاثمائة دينار فقال: ما وجد عبداً لله تعالى هو أهون عليه مني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من سأل وله أربعون فقد 
ألحف([13]) واشتمل الزهد سائر معيشته، إذ كان عطاؤه من بيت المال أربعة آلاف، فإذا أخذها أعطاها لخادمه لشراء ما يكفيهم طوال السنة، ثم يفرق ما بقى على الفقراء، ويقول إنه ليس من وعاء ذهب ولا فضه يوكأ عليه إلا وهو يتلظى على صاحبه" ، وجاء إليه من يعرض عليه المساعدة فأبى أن يأخذ وقال ما يعبر عن رضاه بالكفاف وعدم ادخاره للمال، خاصة إذا كثر الجياع، واحتاج الفقراء قال: "لنا أحمرة نحتمل عليها، وأعنز نحلبها، ومحررة تخدمنا، وفضل عباءة عن كسوتنا". 

وقد أعْجَبَتْ هذه الرؤية التكافلية الناس فازداد إقبالهم عليه، خاصة عندما يشتد لفظ الخطاب معلناً فيه: "بشر الكانزين الذين يكنزون الذهب والفضة بمكاو من نار تكوي ظهورهم وجباههم يوم القيامة".

وأخذ يحذر من احتكار الثروة، معبراً عن صدقه مع نفسه وإيمانه بما يعتقده، وازدادت حدة هذه الرؤية في السنوات الأولى من خلافة عثمان رضي الله عنه فكان انتقال أبي ذر من بادية الشام إلى دمشق، ليعمل في ديوان الخليفة بها، ولم يغير ذلك من لهجته في ظل ولاية معاوية بن أبي سفيان على الشام، وقد خاطب الذين رافقوه إلى مقر ولايته معترضاً على بُلَهْنية العيش والحياة التي يترفهون فيها متسائلاً: "أفأنتم الذين نزل القرآن على الرسول وهو بين ظهرانيكم" وبدا الحال كأنه تحريض للفقراء على حقوقهم في أموال الأغنياء. 

وبقى في دمشق على مذهبه فقد شوهد بها وهو يحلب غُنيمة، ويقيم في مظلة من الشَّعر، كما أنكر على معاوية كثيراً من إنفاقه وبَذَخه، معتمداً على رؤيته الفقهية، وزهده في مغريات الحياة، وشجاعته في المواجهة والمقارعة بالحجة والبرهان، واشتد الخلاف مع معاوية حول آيتين من سورة التوبة كان أبو ذر يصدع بهما في كل مكان يذهب إليه تقول الأولى منهما: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ]([14]).

وتحدث أبو ذر في مرحلة تالية من حياته ذكر فيها طرفا مما كان بينه وبين معاوية في حديث بالبخاري جاء فيه، عن زيد بن وهب قال: "مررت بالربذة([15]) فإذا أنا بأبي ذر رضي الله عنه فقلت له ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في [وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ] قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب. فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذاك، وكتب إلى عثمان رضي الله عنه يشكوني، فكتب إلىّ عثمان أن اقدم إلى المدينة، فقدمتها، فكثر عَلَيَّ الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان ، فقال لي: إن شئت تنحيت فكنت قريبا فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمروا عليّ حبشياً لسمعت وأطَعَتْ([16]).

واشتد الخلاف، وخشى معاوية من تأثيره السلبي على الناس، فرفع الأمر إلى الخليفة عثمان، حيث استقدم أبا ذر إلى المدينة، لإنهاء النزاع؛ ليحيا فيها بجوار قبر الرسول صلى الله عليه وسلم. 

العودة إلى المدينة والانتقال إلى الرَّبذة

عاد أبو ذر إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم في هدوء وأمان ملتزماً بطاعة الخليفة، ولكن ذلك شيء والدعوة إلى رأيه ومذهبه بالحسنى والحوار شيء آخر، فقد استأنف  نشاطاته في التحذير من منع الأغنياء أموالهم عن الفقراء، وبلغ الأمر مسامع عثمان رضي الله عنه فكان الحوار باللين والهدوء والسكينة، وقد رَوَى مَنْ سَمِع أبا ذر يقول: "إن بني أمية تهددني بالفقر والقتل، ولَبَطْن الأرض أحب إلى من ظهرها، وللفقر أحب إلي من الغني فقال له رجل: با أبا ذر مالك إذا جلست إلى قوم قاموا وتركوك؟ قال: إني أنهاهم عن الكنوز([17]).   

وحبب عثمان رضي الله عنه إليه البقاء في المدينة، فقال له: "ابق هنا بجانبي تغدو عليك اللقاح وتروح"([18])، وعُرضت عليه إمارة بالعراق فقال: "لا حاجة لي في دنياكم"([19]).

وانتقد أبا موسى الأشعري وأبا هريرة لقبولهما الإمارة، مع أنه لا شيء فيها ما دام لم يطلباها، ولكن من الواضح أنه قد رأي ذلك محفوفاً بالمخاطر والتعرض للشبهات وجعل النهي عن اكتناز المال جُلَّ اهتمامه مذهباً وسلوكاً ، حتى ضج بعض الناس منه بالشكوى.

ورأى أبو ذر أن الإقامة بالمدينة في ظل الدعوة التي ينهض بها لم تعد محققة لما يهدف إليه بالصورة التي يرضاها، وخشى أن يلحق عثمان رضي الله عنه ضيق منه، فدخل عليه وطلب منه أن يأذن له في الخروج إلى الرَّبَذة([20]) فاستجيب له، وذلك ما يتطابق مع صحيح الروايات، وقال له الخليفة: "ونأمر لك بنعم من نعم الصدقة تغدو عليك وتروح، قال: لا حاجة لي في ذلك"([21]).

وكان عثمان بن عفان موجوداً حيث يقتسمون مال عبدالرحمن بن عوف، وكان معه كعب الأحبار فسأله عثمان في مسألةِ جمْع المال والتصدق به، ويفعل به كذا وكذا، فغضب أبو ذر من جواب كعب ورد برأي مخالف وصارم"([22]).

ولم يدفع الخلاف في الرأي أبا ذر للخروج على الإمام، مكتفياً بالنقد والنصح في صراحة وحدة غير معهودة، ولما وصل إلى الرَّبَذة صلى خلف غلام حبشي تابع لعثمان وقال: مؤكداً حرصه على وحدة الأمة: "والله لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة أو حبل لسمعت وأطعت، وصبرت واحتسبت ورأيت ذلك خيراً لي..."([23]).

وبقى أبو ذر على ذلك العهد، وجاء إليه من يستحثه على مخالفة عثمان ومواجهة بعض بني أمية، وكان اكتفاؤه بما يعلنه من رأي، رافضاً شق عصا الطاعة على الإمام. 

وكان –رحمه الله- ممن يلتزمون غاية الإلتزام في التطبيق العملي لما نص عليه الإسلام بشأن حقوق الفقراء في أموال الأغنياء، والعدالة في الإنفاق، والحرص على المساواة وعدم التحقير والازدراء للضعفاء، وتعينه الأدلة الدائمة لذلك، فعن معررو بن سويد قال: لقيت أبا ذر بالرَّيذة وعليه حلة وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك فقال: إني ساببت رجلاً فعيرته بأمه، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر أعيرته بأمه، إنك امرؤ فيك جاهلية. إخوانكم خَوَلكم([24]) جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم"([25]).

ولم تفرد كتب السير والتاريخ حديثاً أو بياناً مستقلاً عن المكونات الاجتماعية لحياة أبي ذر من زوجة وأبناء، وجاء ذلك منشوراً في مقاطع متفرقة وغير مرتبط بتاريخ محدد، وكشفت دلالات ذلك خلال الإقامة في الربذة، وقبل زمن الوفاة، وقد تزوج امرأة سوداء، فقالوا له: "لو اتخذت امرأة غير هذه؟ قال: لأن أتزوج امرأة تضعني أحب إلىّ من امرأة ترفعني" وقالوا له: إنك امرؤ ما يبقى لك ولد، فقال: الحمد لله الذي يأخذهم في دار الفناء ويدخرهم في دار البقاء" وقد مات له ولدان أو ثلاثة ولا تستقيم مرويات الأخبار فيمن كان حوله من الأبناء عند وفاته إلى جانب زوجته "أم ذر" التي نهضت بما أمر به، دون خلف ونكوص. 

وفاته

عاش أبو ذر الغفاري سنواته الأخيرة في الربذة، وهو لا يكاد يملك من حطام الدنيا كثيراً أو قليلاً؛ إذ كان يفرق عطاءه كله فلا يبقى منه شيء، ولَم يكن معه قبل الوفاة سوى زوجته وولده، وذكر أيضاً أنه كانت له ابنة سواء، ولَم يعِزَّ عليه أن يفارق النيا ويرحل عنها بعد أن أخذ نصيبه فيها، وذلك عام اثنين وثلاثين من الهجرة، وصلى عليه عبدالله بن مسعود ثم مات بعده في ذلك العام([26]).

وقد عَرَضت مرويات عديدة للساعات الأخيرة من وجود أبي ذر بالدنيا قبل رحيله عنها فقيل: إنه لما مات لم يكن في داره ما يكفن به، ورُوى أن زوجته كانت تبكي عندما حضرته الوفاة، وسألها عما يبكيها فقالت: أبكي لأنه لابد لي بتكفينك، وليس لها ثوب يسعه كفناً، وهو كذلك، وأوصاها ألا تبكي وقال لها: إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنا فيهم: "لا يموتن منكم رجل بفلاة من الأرض فتشهده عصابة من المؤمنين" وليس من أولئك النفر رجل إلا وقد مات في قرية وجماعة من المسلمين، وأنا الذي أموت بفلاة، والله ما كَذَبت ولا كُذِّبت فانظري الطريق"([27]).   

وكانت الزوجة تذهب إلى الطريق ثم ترجع إليه لتمرضه وتعود لتنتظر من يأتي، إلى أن جاءت جماعة فأخبرتهم بما كان من زوجها، وجاءوا إليه، واختار منهم شاباً من الأنصار فكفنه في حضور رفاقه، وكان أبو ذر قد اشترط فيمن يكفنه ألا يكون قد ولي أمراً يمكن أن يكون قد جاء إليه منه مال بدون حق.  

وأورد ابن كثير في البداية والنهاية أمر أبي ذر عند الوفاة، إذ لم يكن عنده سوى امرأته وأولاده ويقول الخبر: "فبينما هم كذلك لا يقدرون على دفن، إذ قدم عبدالله بن مسعود من العراق في جماعة من أصحابه، فحضروا موته وأوصاهم كيف يفعلون به. 

وقيل قد قدموا بعد وفاته فولوا غسله ودفنه، وكان قد أمر أهله أن يطبخوا له شاة من غنمه ليأكلوه بعد الموت، وقد أرسل عثمان بن عفان إلى أهله فضمهم مع أهله"([28]).

وروى عن محمد بن واسع أن رجلا من البصرة ركب إلى أم ذر بعد وفاة أبي ذر يسألها عن عبادة أبي ذر، فأتاها فقال: جئتك لتخبريني عن عبادة أبي ذر رضي الله عنه فقالت: "كان النهار أجمع خالياً يتفكر"([29]).

لقد كانت حياة أبي ذر عامرة بحب الرسول صلى الله عليه وسلم والإقبال على الإسلام في شجاعة فريدة، وتميز في فهم القرآن الكريم والسنة النبوية، كما جاهر برأيه في كل مكان ذهب إليه إلى أن انتهت حياته في هدوء وثقة وإيمان، وشُغل الكثيرون من القدماء والمحدثين بسيرته ومسيرته، حيث روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائتين وواحداً وثمانين حديثاً، منهما ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ومنها ما تفرد به كل واحد منهما، وروى غيرهما عنه 
رضي الله عنه. 

وكتب الكثيرون من القدماء عن هذا الغِفاري الفريد في كل مراحل حياته، كما كتب عنه من المحدثين الدكتور طه حسين في الفتنة الكبرى، وأعد عنه الدكتور/ عبدالحليم محمود الشيخ السابق للجامع الأزهر كتاباً بعنوان "أبو ذر الغفاري والشيوعية"([30])، وتحتم ذلك في أعقاب ما كُتب عن تشبيه أبي ذر بالاشتراكيين أو بالشيوعيين أو بغير ذلك من المذاهب السياسية الحديثة. 

ومما قاله الدكتور/ عبدالحليم محمود في هذا الشأن بالكتاب المذكور: "ورأيت من تاريخ الشيوعية الطويل أنها من أعدى أعداء الإسلام، كما أنها من أعدى أعداء المسيحية، وتساءلت لم سكت الإسلام عنها –لم سكت أحبار المسيحية عنها" ([31])، وتحدث عن مذهب أبي ذر الذي يشبه –مع فارق الإيمان والتقوى- مذهب زهاد الفلاسفة في العصور القديمة والحديثة، والذي غايته هدوء البال والراحة في الدنيا عند الفلاسفة، والراحة في الدنيا عند أبي ذر([32]).

رحم الله أبا ذر الغفاري ورضي عنه، فقد بقيت حياته نبراساً مضيئاً وقدوة صادقة للناس جميعاً. 

دكتور/ السيد محمد الديب


([1]) الاستيعاب لابن عبدالبر "هامش الإصابة" ج6، ص512. 
([2]) السابق الجزء والصفحة، وأوكأ عليه: حفظه ولم يخرجه.
([3]) حلية الأولياء ج1، ص164. 
([4]) حلية الأولياء ج1، ص162 وأوكئ عليه: جعل عليه الوكاء أي حفظه وأغلق عليه. 
([5]) الطلاق 2، 3.. 
([6]) الحلية ج1، ص166. 
([7]) أي بادية الشام .
([8]) البداية والنهاية ج7، ص180.
([9]) الفتنة الكبرى "عثمان" طه حسين ، ص163. 
([10]) أورده الأصبهاني في حلية الأولياء ج1، ص162. 
([11]) حلية الأولياء ج1، ص161، والفضل: ما زاد عن الحاجة.
([12]) عوز: عُدم وسوء حال. 
([13]) الحلية ج1، ص161، وألحف: ألح في السؤال، وذكرت الروايات أن لآل أبي ذر أربعين درهماً وأربعين شاه وخادمين وذلك كافٍ لرفض العطاء.
([14]) التوبة 34. 
([15]) الرَّبَذَة: اسم موضع سيأتي ذكره، أقام فيه أبو ذر، بعد الاستقرار فيه إلى تمام حياته. 
([16]) البخاري حديث (1406) فتح الباري ج3، ص319. 
([17]) الحلية ج1، ص162. 
([18]) تروح: تأتي في آخر النهار.
([19]) موقع ملتقى أهل الحديث. 
([20]) الرَّبّذَة: الراء مشددة بالفتح، والياء والذال مفتوحتان، موضع قريب من ديار غفار، أو واقع فيها وتابع لها، وهي من قرى المدينة على ثلاثة أيام منها، إذ تبعد عنها ما بين مائة وخمسين أو مائتي كيلو متراً، وقيل غير ذلك، وتمر بجوارها عدة طرق، وتنتشر بها المرتفعات الصحراوية، وقد جعلها عمر بن الخطاب حمى لإبل الصدقة وخيل المسلمين. بعض ذلك من معجم البلدان ج3، ص24. 
([21]) الحلية ج1 ص160. 
([22]) تفصيلات الموقف وتداعياته بالحلية ج1، ص160. 
([23]) رجال حول الرسول، خالد محمد خالد ص80. 
([24]) خولكم:خدمكم ومعينوكم. 
([25]) البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم، والمعيَّر بأمه هو بلال بن رباح لسبب أنها كانت سوداء. 
([26]) الاستيعاب لابن عبدالبر، على هامش الإصابة لابن حجر ج6، ص512. 
([27]) الرواية بتفصيلاتها وتتابع الأحداث فيها بالحلية ج1، ص170. 
([28]) البداية والنهاية ابن كثير ج7، ص180. 
([29]) الحلية ج1، ص164. 
([30]) أبو ذر الغفاري والشيوعية ، طبع دار المعارف بمصر. 
([31]) السابق ص8. 
([32]) السابق ص27.