أولا : توطئة * :
تأتى أهمية الدعوة إلى الحوار الإسلامي الإسلامي في ظل الاشتباك المعرفي ، والتنوع الثقافي بالعديد من الدول ، حول الكثير من القضايا ، التي تحتاج إلى نبذ الخلافات ، والتقريب بين الآراء والتوجهات ،والتحول بالموضوعات والمذاهب من التأصيل والتأسيس إلى التفعيل والتنفيذ لكل المتاحات من الأفكار الإسلامية ،التي كثر الجدل والنقاش فيها ،دون الوصول إلى نتائج إيجابية ذات تأثير بارز في محيط المجتمع الإسلامي ،الذي ينوء بهموم ثـقال في حاجة إلى حسم واتفاق ، وانتهاء بالدعوة إلى الشراكة في صناعة النظام الدولي ، الذي تعد العولمة إحدى رسائله ووسائله ، ومنتجاته وتوصياته إلى سائر مكونات الأمة العربية والإسلامية .
والحوار : كما في المعجم الوسيط حديث يجرى بين شخصين أو أكثر في العمل القصصي ، أو بين ممثلين أو أكثر على المسرح ، ذلك الشأن الذي يتجلى في الأعمال الإبداعية والفكرية ولكنه في حقيقة التطبيق يتجاوز ذلك إلى معنى أبعد ، ذكرته المعاجم اللغوية أيضا ، إذ أفادت أن معنى (تحاوروا): أي تراجعوا الكلام بينهم – وتجادلوا،وهذا ما ذكره القرآن الكريم في حق خويلة بنت ثعلبة زوج أوس بن الصامت في قضية الظهار .
قال تعالى :"قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ"(1) أي أن مصطلح الحوار ذو أبعاد متعددة، فمنه المجادلة بين طرفين، والمحاورة حول الأفكار ، وتبادل الحديث مع فرد أو مجموعة من الأفراد .
وقد يغلب على مصطلح الجدال توجيهه إلى اللجاجة والخصومة والرغبة في الانتصار على الآخر ، وهذا المصطلح قد ورد في القرآن الكريم بعدة اشتقاقات ذات دلالات غير متباعدة في إطار هذا المضمون قال تعالى: "وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلً"(2) وقال تعالى : "وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ"(3) .
ويطلق الحوار على ما يدور بين طرفين أو جماعتين بينهما اختلاف في العقيدة الدينية ، أو المذهب السياسي أو الفكر الاقتصادي ، وغير ذلك من التوجهات التي يموج بها المجتمع المعاصر.
وقد ورد مصطلح الحوار في موضعين بسورة الكهف إلى جانب ما سبق ذكره في أول سورة
المجادلة ، قال تعالى: "وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا"(4) وقال تعالى: "قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا"(5)
والحوار في معظم أحواله يشكل حالة علمية راقية تستند إلى كثير من الثقافات والمعارف ، سواء أكانت نابعة من أعماق التاريخ الصادق ، أو مستقاة من صحيح التشريع الإسلامي ، أي أنه يستمد قوته وحركته من الثوابت الراسخة ،ما دامت مقدماته خاضعة للضوابط ، التي تسفر في غالب الأمر عن نتائج أكثر صدقا ، واقتناعا وشمولية وعمقا .
ولا يتوقف الحوار على الكلام والنقاش المسموع ، وإنما يتحول إلى الاستعانة بوسيلة الكتابة أو غيرها ؛ توظيفا لفنون اللغة العربية ، وما صار مفعلا في الواقع من خلال شبكة المعلومات الدولية "الإنترنت".
ترجع الاختلافات التي أقرت الشريعة الإسلامية بها في دوائر الحياة المختلفة إلى أسباب عديدة، لسنا بصدد حصرها ، والتوسع في بيان أسبابها قديما وحديثا ، لكن مع الإقرار بوجود هذه الاختلافات لا ينبغي تحويلها إلى خلافات حادة تسفر عن تمزيق الأمة ،وقطع أواصر الصلات الكاملة بين أفرادها ، وينبغي حصارها ، وغلق السبل إليها ، قال تعالى : "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"(6) .
وهذا ما نبه الرسول ص إلى خطورته فقال "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم "(7)
إن الراصد لخصائص المنهج الإسلامي في التعامل مع الآخرين من بداية البعثة المحمدية يشهد الاعتماد في غالب الأحوال – إن لم يكن في مجموعها – على النقاش الهادف ، والحوار المثمر ، والتناظر الإيجابي ، وإبداء الآراء المتعددة ، بهدف الوصول إلى الأصوب ، الذي يبقى رأيا عاما ملزما لسائر الأطراف للتطبيق والتنفيذ والالتزام .
يشهد التاريخ الإسلامي بنمو الدعوة المحمدية من خلال الحوار الهادف ، الذي قاد مسيرة الأمة في الانفتاح على الآخرين ، والتعرف على حضاراتهم ،مما أسهم في صناعة رؤية إسلامية شاملة ، نبعت من الماضي ، واتسعت في الحاضر ، وصارت مشروعا وأملا لرسالة الإسلام في المستقبل .
ولقد صارت الأمة الإسلامية في حاجة إلى إعادة صياغة حوارها مع نفسها أولا ، ثم مع الآخرين ثانيا ، بمعنى حتمية إصلاح البيت من الداخل كما يقولون ،إذ تنتابه تشققات ونتوءات تحتاج كلها إلى "ترميم" شامل يحتوى الأسس والقواعد ، والأسلوب والمصطلح ، واللغة التي لا بد أن ترقى إلى مستوى الحوار (النموذج) الذي شهدناه في التراث الاسلامى ، فضلا عن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة .
إن الحوار لغة الزمن كله ماضيا وحاضرا ومستقبلا ، لرأب الصدع في الخلافات التي تعانى منها الأمة مثل الاختلافات بين المسلمين من شيعة وسنة ، ومذاهب فقهية من شافعية وحنفية وغيرها ، وخلاف على الموقف مع الآخر ، فلم يستطع المسلمون مثلا أن يحسموا موقفهم ، ويحددوا متطلباتهم في الإساءات المتكررة إلى الإسلام ورسوله r ، إذ أن لعبة السياسة تمزق العرب والمسلمين إلى شيع وأحزاب ، تتقاتل فيما بينها بأكثر مما تتقاتل مع الآخرين ، وبات الحوار بين العرب والعرب - بخاصة – غير مثمر بالدرجة الكافية ، ولهذا وجبت العناية بصياغة المشروع الإسلامى ،الذي تحل فيه الكلمات الراقية بدلا من العبارات الخارجة التي تفسد أكثر مما تصلح .
ففي ظل الحوار ينبغي الخضوع أولا للموضوعية ، ومراعاة أدب النقاش ، خاصة فيما يتصل بقضايا الفكر والتشريع ، ثم تأتى بعدها الأمورالتى تحتاج إلى اتفاق وحسم ، في نطاقات السياسة والاقتصاد ، والدفاع عن الوطن ، وقضاياه الملحة ، كمشكلة فلسطين التي تؤرق أصحاب الضمائر الحية .
وتظهر كثير من التناقضات بين الغنى والفقر ، والبطر والبؤس ، والترف والحرمان، وفى أشياء أخرى تفوق الحصر والاستيعاب .
وتبقى قضية التطرف والميل إلى الآراء المتشددة وإغفال التيسير في العبادات والمعاملات في حاجة إلى حوارات ايجابية شجاعة ، تستند إلى القرآن والسنة ، من أجل تصحيح المسارات ، وتقديم الصورة المضيئة للدين الإسلامي ، الذي صار الآن محلا للاتهامات من الخصوم الأعداء في الشرق والغرب على السواء .
وينبغي أن يكون الاحتكام إلى الحوار الهادف ، تقديراً ومراعاة لأدب الاختلاف ، الذي يتحتم أن يكون نابعاً من الكتاب والسنة ، قال تعالى : "وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ"(8) .
وقال: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا"(9) .
وفى ظلال هذا البيان ينبغي أن يقف الاختلاف عند خطوط فاصلة ، أو سدود حاجزة،احتراما وتقديرا للضوابط والأسس ، التي تواترت عليها الدلالات الشرعية الصحيحة .
ثانيا: أهم الضوابط للحوار الإسلامي:
إن ضوابط الحوار بين المسلمين متعددة، وذات أهمية كبيرة ؛ للوصول إلي نتائج حاسمة، وتمثل حدا لا بأس به في إجراءات التقارب بين المتحاورين، خاصة أن متطلبات العصر الراهن تجعل السعي إلي الحوار مطلبا، وهدفا إسلاميا في قضايا شائكة كثر الجدال فيها،دون تحقيق نتائج مقبولة من الاقتناع الشمولي بالمجتمع الدولي .
إن الاختلاف في ماضي الأمة،وحاضرها،وإجراء الحوار في ذلك يجب أن يكون خاضعا لكثير من الضوابط ، التي سنعرض لبعضها ، بحيث لا تصل الأمور إلي التجاوز والتطاول علي الآخرين ؛ اعتمادا علي الظاهرة الصوتية ، التي توصم أو ترمي بها الأمة من الأقارب والأباعد ،وقد صار ذلك في الزمن الحاضر هما وعبئا ثقيلا بدت الحاجة ملحة ؛ للخلاص منه بتنقية الأفكار؛ والاعتدال في الآراء ، وتجاوز مخاطر الخلاف الذي بات شرا وبيلا علي الأمة في صراعاتها مع الآخرين ، الذين يسيئون إليها،ويحاولون النيل منها ؛ اعتمادا علي دوافع كامنة متعددة الأسباب ، أو أن نغفل عن المخاطر، ولا نحسن تقدير المسئولية، في ظلال المجتمع المفتوح المتعدد الهوايا الذي لا يمكن إتمام شي فيه دون أن نشهد آثاره وسلبياته معلنة في معظم الأحوال.
ويتجسد الخطر أحيانا في تقليد الآخرين دون وعي أو إدراك وبلا دليل ولا برهان قال تعالي: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ"(10) .
كما تشتعل جذوة الاختلاف بسبب غياب الرؤية الحقيقية لأبعاد الموضوع ، والإلمام بكل جوانبه ، تلك هي عشوائية الفكر والدخول في عراك ثقافي ، دون الاستعداد له بكل الإمكانات المتاحة لمقتضي الحوار، ومستوي التناظر والنقاش.
فمن يقنع المقلدين للآخرين تقليدا أعمي لا تراعي فيه حقوق الدين والوطن بخطورة الإسراف الاستهلاكي لكثير من الترف الدنيوي الفاسد المفسد والأمثلة كثيرة تتجسد أمامي في صورة الأطفال الصغار الذين يعبثون بلا وعي بأشياء كثيرة ذات تقنية فنية ، وهندسية عالية ، وغالية، لكن مقابلها المادي يرحل إلي الخارج، والأمة في حاجة إلي رغيف الخبز الذي تحتاجه البطون الجائعة في كثير من القرى والأحياء الشعبية ، تلك المتناقضات التي تسهم في غيبوبة الأمة ، وضياع هويتها ، وتمزق وحدتها ، وعدم التفريق بين الضروريات ، والكماليات ، والعبث اللاهي ، الذي لا قيمة له عند الأمم المتحضرة ، أو الأمم التي لها عبادات وعادات تحافظ عليها وتبحث عن صيانتها والدفاع عنها .
كل تلك الأمور التي تزيد حدة الخلاف يوما بعد يوم دون الوصول إلي كلمه سواء في أحوال كثيرة.
إن الحياة الإسلامية في واقعنا المعاصر في حاجه إلي المراعاة الكاملة لأدب الحوار ، والالتزام بالأسس والضوابط التي عاشت راسخة في أعماق المسلمين طوال مسيرتهم الخالدة .
ولا يعيب ديننا تلك الخروجات الشاذة عليه والتي يتحصن بها ، ويدعو إليها كثير من المسلمين تحت شعار حرية الرأي ، دون نظر للآثار الضارة المنبعثة من نار الخلافات خاصة الأصول التي يحظر الجدل فيها ، وتلك قضية شائكة ينبغي إجراء الحوار الهادئ حولها شكلا ومضمونا .
ويجب أن يكون الحوار في هذا الشأن وغيره مبنيا على الصدق في القول ، وحسن العرض والاستدلال بالبراهين الصحيحة ، وعدم التضليل والتحايل في الطرح الفكري لأن أي ؛ نتيجة تتمخض عن مثل هذا الحوار ستكون مخيبة للآمال كما يجب أن تكون الحجة والرأي المعروض في مظلة المنطق السليم والقول الرشيد .
لقد كتب الدكتور / محمد سيد طنطاوى عن هذا المعيار الحواري الهام ، فقال : " إن الحوار البناء الذي يقصد به الوصول إلى الحق والعدل ومكارم الأخلاق ،هو الذي يكون لحمته وسداه الصدق في القول والعفاف في السلوك ....
أما الكذابون والجهلاء والسفهاء وأصحاب الهوى والمصالح الخاصة ، والذين امتلأت قلوبهم بالحقد والجبن والغرور... فهم الذين يجادلون غيرهم بالباطل ويكابرون بدون دليل ، ولا يقيمون دعواهم إلا على الكذب والغرور والبهتان والزور، ونعوذ بالله تعالى من ذلك "(11)
ومن صميم الضوابط في حوار المسلمين مع أنفسهم التزام الموضوعية في مواجهة آراء الآخرين بحيث لا يتحول التناظر أو التحاور إلى جدل عقيم ، وتشويه أصحاب الآراء ، انصرافا عن حسن المواجهة في الرأي الصائب والنقاش الموضوعي وحسن الاستماع .
وقد تجلت هذه الموضوعية بصورة ملحوظة في حوارات الأنبياء مع أقوامهم مثل حوار سيدنا إبراهيم مع الملك الكافر(12) ، حيث أدار خليل الرحمن الحديث معه بموضوعية وحجة قوية ، لا تقبل الطعن أو التفنيد .
ويجب إتاحة الفرصة للآخرين للتعبير عن وجهات نظرهم في حرية وهدوء مثل حوارات الشيخين أبى بكر وعمر حول جمع القرآن الكريم ، وقتال المرتدين ومانعي الزكاة وكانت قناعتهما محكومة بالأدلة والبراهين .الصحيحة المستقاة – بكل تأكيد – من القرآن الكريم وأحاديث الرسول r .
وقد تمخضت كل هذه الحوارات عن قوة فعل موجبة ، انعكست آثارها على حركة المد الإسلامي في أرض الواقع، وزيادة العمق الدلالي لبداية عصر ما بعد الرسول rولكن هذه الحوارات قد شابتها بعض الشوائب خاصة في نهاية عصر سيدنا عثمان بن عفان t.
ويجب أن يكون الهدف من الحوار هو الوصول إلى الحقيقة التي يجتمع الناس عليها متجاوزين حدود الأنانية الحمقاء ، وعبادة الذات التي تنظر للآخرين على أنهم أعداء متربصون بمن يتحاورون معهم ، ولذلك يلتقي الناس ويعبرون عن نواياهم الطيبة ، دون استعداد لتغيير بعض مواقفهم ، فيجتمعون ثم ينصرفون ، دون الوصول إلى نتائج حاسمة في معارك الكلمات ، وما أكثرها في الدوائر الإسلامية التي تنفتح ثم تنغلق ، ولا يسفر الأمر عن شئ مما يسهم في زيادة الشقاق وانحسار الوفاق .
ويلزم أن يكون الحوار مبنيا على حسن التقدير، وإتاحة الفرصة زمانا ومكانا للوصول إلى الصواب الذي ينبغي التمسك به والحرص عليه ، في نطاق التشريع الإسلامى ، الذي لا يقبل الجدل أو النزاع .
ويجب الانتقال بالحوار من نطاق وضع النظرية إلى التفعيل الإيجابي لما تم التوصل إليه من وجهات للنظر تكاد تلتقي حولها الأغلبية النشطة ، التي تنفرد بالحجة الصائبة ، والحقيقة الثابتة .
وقد أشار شيخ الأزهر إلى بعض الأسس للحوار مع الآخرين وذكر منها التواضع ، والتزام أدب الحوار، وإعطاء المعارض حقه في التعبير، واحترام الرأي الصحيح ، وذكر كلمة جامعة للإمام الشافعي رضي الله عنه هي : "ما ناظرت أحدا قط فأحببت أن يخطئ . وما كلمت أحدا قط وأنا أبالى أن يظهر الله الحق على لساني أو على لسانه . وما أوردت الحق والحجة على احد فقبلها منى إلا هبته واعتقدت محبته ، ولا كابرني أحد على الحق إلا سقط من عيني ورفضته . ووددت لو انتفع الناس بعلمي دون أن ينسب إلى منه شئ"(13)
وقد أفاد أبو حامد الغزالي في (إحياء علوم الدين) بخطورة بعض الآفات اللسانية ،التي تهدد المناظرة ، وتفقد النقاش بين المتحاورين مصداقيته وقوة الدفع الإيمانية ، التي ينبغي أن تستظل بها لغة الحوار ، ويأتي ذلك متجسدا في مجموعة من المخاطر التي يقع فيها الكثيرون، بقصد أو بغير قصد ، مثل : الحسد- التكبر – الحقد – الغيبة – التجسس – الفرح لمساءة الناس – النفاق – الاستكبار على الحق – الرياء (14) .
كما وضع حجة الإسلام في كتابه السابق شروطا للمعاونة على طلب الحق من الدين ، مرتديا قميصه الصوفي ،وجبته الفلسفية ، وقلمه التحليلي ، وشرحه التفصيلي لقضايا المناظرة بين المشتغلين بالعلم ، حتى تتمخض عن نتائج ذات فاعلية ملموسة في حاضر الأمة ومستقبلها .
ولا يجب أن يكون الحديث عن الحوار قاصرا على الإعجاب به ، ووضع الضوابط له وتأكيد أنه أصل من أصول التعامل ، دون أن نتحول به إلى الجانب التطبيقي في كثير من القضايا التي يزداد الجدل فيها ، دون معالجة حاسمة .
يحفل القرآن والسنة بكثير من الحوارات الإيجابية ، تدليلا على أهمية هذا الأسلوب المتحضر بالانتقال من المنهج والنظرية إلى التفعيل لواقع الأمة في القرون الأخيرة من يوم أن بدأ الانحطاط يدب في بعض أركانها ، مما ألحق خسارة كبيرة في العالم المتسع ، وأفاد بذلك الشيخ أبو الحسن الندوى في كتابه المشهور "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" وقد أورد القرآن كثيرا من الحوارات ، مثل ما كان بين صاحب الزرع وصاحب الغنم مع نبي الله داوود وابنه سليمان عليهما السلام .
وقد اتسع شكل الحوار بين سليمان والهدهد مباشرة ، ثم مع ملكة سبأ عن طريق الرسائل أولا ، ثم عن طريق الحوار المباشر فيما بعد .
وكذلك ورد الأسلوب الحواري في حديث القرآن عن نبي الله موسى وهو يحاور نماذج من البشر ذات درجات مختلفة في القوة والإدراك مثل فرعون ، وبعض أبناء قومه ، ثم مع فتاه، ومع عبد من عباد الرحمن (15) (هو الخضر) وغير ذلك من الحوارات القرآنية ، التي ليست محلا للمناظرة مع أية أساليب حوارية أخرى .
وكشفت السنة عن العديد من الحوارات بين الرسول وأصحابه ، أو بين بعضهم مع بعض، وكان ذلك سمة للدعوة إلى الله بالحسنى ، عندما كان الرسول يصنع الرجال في مكة ، أو يؤسس الدولة في المدينة ، ثم بعد العودة إلى مكة والتحصن بالكلمة الهادئة والحوار الهادف ، وقد عفا عن قومه وقال لهم "اذهبوا فأنتم الطلقاء" ، ووضح ذلك بصورة أكبر في حوارا ته مع قومه في غزوتي بدر والخندق ، وغيرهما .
وتستمر الحوارات الهادئة والتناظر الإيجابي في أساليب الشيخين أبى بكر وعمر ونظامهما في إدارة الدولة ،ومنهجهما في الشورى ،وخضوعهما للرأي والحجة ، والدليل القاطع ، وبرز ذلك في مسائل ذات أهمية بالغة بعد وفاة الرسول r مثل جمع القرآن الكريم ، وقتال المرتدين، ومانعي الزكاة .
إن الواقع المعاصر يشهد باضطراب في الحوار الإسلامي الإسلامي، ونحن نزداد تلهفا وشوقا إلى نهاية المطاف في لغة الحوار، تلك التي باتت مغيبة في كثير من القضايا ، مثل المسائل العقائدية بين السنة والشيعة ، أو بين أصحاب الملل والنحل ، المنشقة عنهما ، أو التي تعمل فوق أرضية تختلف من بيئة لأخرى ، وفى نطاق الأحوال الشخصية ،مثل الزواج العرفي وزواج المسيار وأنكحة جديدة في ظلال العولمة الوافدة بما فيها من إيجابيات إن – وجدت - وسلبيات لا يتناسب الكثير، منها لا مع ديننا ،ولا مع عاداتنا ، ثم يستمر الخلاف الاجتهادي في بدايات الشهور الهجرية المرتبطة بمناسبات دينية ، أما القضايا الاجتماعية في الشأن الإسلامى فلا أول لها ولا آخر ،وإخواننا الذين يجتهدون عن علم ليس كاملا ، وغير مهيئين له يتعاركون ويتطاحنون في كثير من القضايا ، مثل وضع المرأة في المجتمع ،وما يسمى بتنظيم الأسرة ، وقضايا الحجاب والنقاب ،والخروج للعمل .
ويزداد الجدل الذي ينبني في كثير من الأحوال على الإفراط أو التفريط في بحث علاقة المسلمين مع أهل الأديان الأخرى ،تلك القضايا الساخنة ، التي لم يخمد لهيبها خاصة بعد أحداث سبتمبر 2001 م .
وتزداد تلك الظواهر المقلقة حدة يوما بعد آخر، وتتفاوت درجاتها بين مجتمع وآخر، مما يحتم أهمية الانتقال إلى مستوى ووضع جديد من الحوار الراقي الخاضع للأسس والضوابط التي يستوعبها الكثيرون ، ولا يخضع لها إلا القليلون .
وتتسع الأمور بصور مختلفة في مجالات أخرى مثل معاملات البنوك والبورصة وأحوال السوق العربية المشتركة،التي كانت واقعة أو قريبة من الواقع،ثم صارت - فيما اعتقد - أثرا وتاريخا لا قيمة له ، ومثل القضايا الأدبية والثقافية كالغزو الفكري ، والأصالة والحداثة، ونماذج من الأدب المكشوف ، والأدب الإسلامى ، والأدب العالمي ، وسائر الفنون الأخرى .
وتجلى في السنوات الأخيرة شكل الحوار في بعض القضايا ،التي تمتاح من الطب والدين والقانون ، مثل بنوك الأجنة ، وتأجير الأرحام وقضايا الموت ، وزراعة الأعضاء البشرية، والتبرع بها ، والتجارة فيها ،والاستنساخ البشرى ،وبعض المسائل التي كثر الحوار أو الجدال فيها عند أهل الاختصاص من رجالات الدين والعلم والقانون .
ثالثا : النتائج :
1- حتمية تكوين رأى إسلامي عالمي ؛ بهدف توحيد الكلمة الموجهة إلي الآخرين ، فيما يختص بالتعريف بالإسلام ، ونشر مبادئه ، والرد على الافتراءات الموجهة إليه .
2- ينبغي أن يكون الحوار خاضعا لمبدأ احترام الآخر وتقديره ، وعدم تسفيه رأيه وتحقيره ، و،ن تكون الغلبة لرأي الأكثرية ، تفعيلا لقضية الشورى في الإسلام ، أو الديموقراطية المعاصرة .
3- إذا كان الحوار بين مختلف الثقافات والأديان محققا بدرجة كبيرة ؛ استجابة لتوصيات الكثيرين من أصحاب الفكر ، وأهل الحل والعقد ، فإن من ألزم الواجبات أن يتحقق ذلك في نطاق الدعوة إلي الحوار الإسلامي ؛ لأننا إذا لم نقدس دور الكلمة في النطاق الديني الذي نؤمن به ، والمذهب التي نعتقد ؛ فلن نستطيع أن نواكب سائر المتغيرات المعاصرة في الدعوة إلي الحوار مع الآخرين .
4- تتعدد القضايا الإسلامية التي تحتاج إلي حسم من خلال الحوارات الهادفة والنقاشات الإيجابية ، تلك التي تعود إلي المذهب العقائدي ، مثل اختلافات أهل السنة والشيعة ، أو ما يتعلق بالمذهب الفقهي ، كتلك التي تقع بين الشافعية والحنابلة وغيرهما ، وإن كانت هذه مأمونة الجانب ليس لها آثار ضاره في نطاق النقاش بعكس ما يثار من القضايا الأخرى ، كتلك التي كانت تسار قديما بين أصحاب المذاهب الكلامية مثل أهل السنة والمعتزلة ، فإن الخلافات بين المسلمين لا تقتصر علي هذه القضايا الشائكة ، وإنما تمتد إلي توجهات سياسية بين البلدان عن الخلافات الحدودية وحتمية التعايش السلمي ، وحدود الاجتهاد ، والرأي العام الإسلامي ، وأنظمة الحكم ، وعلاقة الدين بالسياسة ، والمرعيات الواجبة للشريعة الإسلامية، وأشياء أخري كثيرة في حاجه ملحة إلي الحسم أو الاقتراب منه ، والعيش في منطقة آمنة تستبدل فيها الكلمات الهادئة بدلا من العبارات الطائشة .
أهم المصادر والمراجع
1-إحياء علوم الدين - جزء أول من صـ 48الى صـ57.
2-أدب الحوار في الإسلام - د/محمد سيد طنطاوي.
3-أدب الاختلاف في الإسلام - طه جابر فياض.(كتاب الأمة) 1405هـ- 1984م.
4- أدب الخلاف وأسباب الاختلاف - د.سعاد صالح –1996م.
5- أسلوب المحاورة في القرآن الكريم - د/ عبد الحليم حنفي – مطبعة السنة المحمدية (1997م).
6- الحوار الثقافي - د/ عبد الله التطاوي - مكتبة الأسرة 2006م.
7- حوار لامواجهة - د/أحمد كمال أبو المجد - كتاب العربي العدد (7) 1985م.
8- دعوة للحوار - د/حسن حنفي – مكتبه الأسرة 1996م.
الأحد 6 من صفر 1430هـ غرة فبراير 2009م
د/ السيد محمد أحمد الديب
الأستاذ بجامعة الأزهر - كليه اللغة العربية جامعة الأزهر بالزقازيق – جمهورية مصر العربية
* تم عرض هذا الموضوع فى كلية الشريعة – جامعة جرش الأهلية بالأردن ـ خلال شهر ذي القعدة 1429هـ،نوفمبر (تشرين الثاني) 2008م ، ضمن بحث موسّع بعنوان (ضوابط الحوار الإسلامي ـ زراعة الأعضاء البشرية نموذجا ).
(1) المجادلة (1) .
(2) الكهف(54) .
(3) الحج (8) ولقمان(20) .
(4) الكهف (34) .
(5) الكهف (37) .
(6) هود (119،118) .
(7) رواه البخاري .
(8) الشورى (10) .
(9) الأحزاب (36) .
(10) البقرة (170) .
(11) أدب الحوار في الإسلام – د/ محمد سيد طنطاوى –صـــــــــــ20.
(12) هو النمرود بن كنعان .
(13) أدب الحوار في الإسلام – د/ محمد سيد طنطاوى – صـــــــ 24 .
(14) إحياء علوم الدين – جـ 1 ص51 "بيان آفات المناظرة" .
(15) وذلك كما ورد في سورة الكهف .