1- دولة الشورى
احتكم الرسول صلى الله عليه وسلم لمبدأ الشورى، وقيادته للأمة التي بدأت كياناتها تنمو وتتوافق في المدينة، فلم يُؤثر عنه أنه فصل في أمر من أمور الحياة إلا استشار فيه أصحابه، فعندما شرع القرشيون في مهاجمة المدينة بالعام الثاني من الهجرة رجع الرسول إلى أصحابه في مسألة الخروج لملاقاة أهل مكة، بعيداً عن يثرب، أو البقاء فيها والدفاع عنها من داخلها، فكان النزول على رأي الصحابة بالخروج، وكانت المواجهة في غزوة بدر الكبرى.
وكان التشاور كذلك في إدارة الأحداث، ومكان التمركز، وغرفة القيادة المخصصة للرسول وغير ذلك من الفعاليات التي استشار الرسول فيها بعض أصحابه، وأدلى كل صاحب رأي بدلوه فيما تيسر له من رأي قابل للمناقشة والتنفيذ، وتذكر السيرة النبوية مواقف أخرى فيما يتصل بتفعيل هذا المبدأ، طوال حياة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وكان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب بمثابة وزيرين أساسيين في سائر المهام، كل يدلي برأيه، حسب ما يعتقد من الصواب، وقد حدث الاختلاف بين الاثنين رضي الله عنهما في أمر الأسرى المشركين بعد نهاية الغزوة، ثم كان الحسم من الرسول المدعوم بالوحي القرآني الكريم، وغير ذلك من المواقف والأحوال قال تعالى: [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ][1].
2- الثروة في عهد الرسول بالمدينة "بيت المال"
قدم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان فكره –بعد بناء المسجد- منصرفاً إلى إيواء المهاجرين، وتوفير سبل الإعاشة لهم، إذ لا يصح أن يقعدوا في بيت الله، أو في الطريق، أو في دور الأنصار بلا عمل ينتظرون ما يُهدي لهم أو ينفق عليهم، وكان اليهود يسيطرون على موارد التجارة، ويتعاملون بالربا، ويتحكمون في الأسعار، والمعنى أن الرسول قد واجه في بدء ولادة الدولة نقصاً في الانتاج واضطراباً في التوزيع، وكانت هذه المشكلة متحققة بفعل التوجهات المتوارثة لدى بعض القبائل العربية وطوائف اليهود، ولم تكن المؤاخاة حلاً أو علاجاً مستديماً لتوطيد المهاجرين، وإنما كان الحل الإيجابي في التوجه إلى العمل، ومن خلال المتاح من المهن، التي يمكن النهوض بها من قبل القادرين عليها، واتجه الكثيرون إلى الاشتغال بالتجارة وفق الضوابط الإسلامية، كرفض الاستغلال وعدم الغش، وإخراج الزكاة بالضوابط الشرعية، وصولاً إلى إنماء الثروة الخاصة لدى العاملين في هذه الحرفة، ونذكر في ذلك ما كان من أمر عبدالرحمن بن عوف، الذي سأل بمجرد وصوله إلى المدينة عن السوق، وعمل بالتجارة فيما تيسر له كالزبد والجبن، ومن هذه التجارة البسيطة التي بدأ بها صارت له ثروة أمهرَ منها إحدى نساء المدينة، واتسعت أمواله فعاش منها، وانفق ما زاد عن حاجته في سبيل الله تعالى.
واتجه الكثيرون إلى الزراعة عن طريق المزارعة مع ملاك الأرض من الأنصار أو اليهود في خيبر، وأعانت القدرة على تجهيز الأرض الميتة للزراعة، بحيث تصير ملكاً لمن أحياها بمعايير محددة، كما عِمل آخرون في رعي الشياه والإبل، ودعم الرسول صلى الله عليه وسلم بالأحاديث النبوية المنظمِة لأُطر التعامل بحيث يزداد المال لدى الطوائف المسلمة بما يؤهلها لدخول حلبة المنافسة مع اليهود في الإنتاج وزيادة الثروة، إذ كان الحال بالمدينة في السنوات الأولى من وجود الرسول بها في احتياج إلى النهوض ببناء الإنسان عقائدياً، وإنماء الموارد المتاحة لتحقيق الاكتفاء الذاتي، أو توفير قدر منه على الأقل بما يحقق التوزيع العادل للمنتجات المستخلصة من الأعمال المنفذة؛ سعياً إلى تحقيق التكافل الاجتماعي بين المكونات البشرية المختلفة، فهذه التنمية الاقتصادية بطرقها المتعددة كانت ذخيرة قوية، وبمثابة ثروة قومية، يتم دفعها من أصحابها للمصلحة العامة عند حدوث أزمة، أو الشروع في غزوة، أو بعث سرية إلى جهة مستهدفة بالتأمين، وردع الخارجين على الضوابط الإسلامية الطارئة بما يصلح شؤون الأمة في الحرب والسلام.
وقد ضبط الرسول صلى الله عليه وسلم موازين الحياة فيما يتصل بالتجارة والزراعة والصناعة والرعي وجمع الأخشاب، وكل المتاح من الحرف والأعمال، بما يكفل الحماية التامة للثروات الخاصة، وإيصال كل الحقوق إلى مستحقيها، ورفض طغيان الأغنياء على الفقراء.
ولم يثبت -في حدود ما اطلعنا عليه- وجود بيت للمال في بداية عهد الرسول بالمدينة، إذ تمت إقامته في زمن لاحق.
وبيت المال هو: "المؤسسة التي تشرف على ما يرد من الأموال، وما يخرج منها في أوجه النفقات المختلفة؛ لتكون تحت يد الخليفة، أو الوالي، يضعها فيما أمر الله به أن توضع، بما يصلح شئون الأمة في السلم والحرب"[2].
ومع القبول بعدم وجود بيت للمال في بدء ولادة الدولة الإسلامية، لكن السؤال عن النواتج المحصلة من الغنيمة والفئ بعد إعطاء المسلمين مستحقاتهم منها، والسؤال يفتح آفاقاً رحبة لبيان ما يعرف بالثروة العامة في ظل الحاجة إلى المال للأغراض المختلفة، خاصة أن الثابت المؤكد أن الرسول صلى الله عليه وسلم طوال حياته بالمدينة لم تكن له ثروة خاصة يتاجر فيها، أو يكلف من يستثمرها له، وأن النفقات على زوجاته وبناته كانت في حدود النسبة المقررة له، في الغنيمة والقئ حسب النص القرآني الكريم.
وكان عليه الصلاة والسلام يوزع بنفسه ما يمكن أن يكون ثروة عامة في نهاية الغزوات أو المحاصرات لبعض طوائف اليهود وغيرهم، وعليه فإن موارد بيت المال الذي ربما يكون وجوده من خلال آثاره المجمعة دون أن يكون له كيان حادث، تتكون أساساً من نواتج الغزوات فقد كان عليه الصلاة والسلام يعين حراساً على الغنائم لفترات محددة، كما حدث بعد تمام النصر في غزوة حنين.
وأهم الواردات لحصيلة المال العام هي: الغنيمة والفئ والزكاة ثم الخراج والجزية فيما بعد، وعندما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية خلال حياة الرسول عين أمراء وعمالا على بعض الأقاليم.... "وكانت مهمة كل أمير أن يقوم بجمع الصدقات والجزية وأخماس الغنائم والخراج، وأحياناً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل عاملاً مختصاً بالنواحي المالية، تنحصر مهمته بجمع مستحقات الدولة من الأموال "الخراج والجزية والعشور والصدقات" ويدفعها إلى بيت مال المسلمين، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع معاذ بن جبل، حينما بعثه إلى اليمن لقبض الصدقات من عمالها، ومع أبي عبيدة بن الجراح حينما أرسله إلى البحرين ليأتيه بجزيتها"[3].
والواضح أن هذه التحركات لجمع الموارد المالية كانت في السنوات الأخيرة من عمر الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ أن السنوات الأولى من عمر الدولة بالمدينة لم يكن لها امتداد إلى اليمن والبحرين وبعض الأقاليم الأخرى.
والغنيمة هي: ما حصل عليه المسلمون بعد القتال والنصر فيه، قال تعالى: [وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ...][4].
وقال تعالى بحق الفئ وهو ما حصل عليه المسلمون بلا قتال: [مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ...][5].
لقد كانت الثروة في المدينة بأيدي اليهود قبل الهجرة، وجاء المهاجرون فشاركوا في النشاطات الاقتصادية، ودخلوا في المنافسة إلى جانب الأنصار، وزادت الثروات الخاصة، وبدأ ميزان التوزيع للثروة في الاعتدال، وكانت إسهامات أصحاب الأموال هي السند الأول في النفقة على الغزوات والسرايا، ثم اتجه الحال إلى الثروة العامة، التي آلت إلى المسلمين من مصادرها السابق ذكرها بما مهد الطريق لتفعيل مهام بيت المال، حتى لو لم تنشأ له دار محددة في البداية، ثم زادت الثروات الخاصة والعامة وتضاء لت أو تلاشت نسبة الفقر، وأصبح المسلمون قوة في إطار دولة وليدة جديدة.
3- إعداد الجيش في الدولة الجديدة
كانت القبائل العربية القديمة تهتم بتدريب أبنائها على القتال وحمل السلاح وركوب الخيل، ومعرفة وسائل الكر والفر، إذ كانت الحروب بينها كثيرة وطويلة، بحيث تمتد إلى عشرات السنين، وكان الفارس الماهر الذي يجيد ركوب الخيل والقتال بالسهام ثروة قبلية غالية، ولم يكن أهل المدينة من الأوس والخزرج، ومن انضم إليهم من المهاجرين بعيدين عن هذا التوارث القديم، فلما حل الإسلام بأرض يثرب، وصارت المدينة في عهدها الجديد بعد الهجرة مهددة بالإغارة عليها لأسباب متعددة، شرع الرسول صلى الله عليه وسلم في ظل قيادته للدولة أن يعد الجيش وفق متطلبات المرحلة، التي شُرع فيها القتال للدفاع عن الوطن وصيانة العقيدة، ورد العدوان وتحدث المؤرخون العسكريون عن تأسيس كيان للتدريب العسكري، تفعيلاً لحسن الإعداد لبدايات التكوين للجيش في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقد ذُكر ما يلي: "وقد نشأت في المدينة بعد الهجرة أول مدرسة عسكرية في تاريخ العرب، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قائدها ومعلمها الأول، وعلى أساس مبادئ القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة القولية والعملية والتقريرية قامت نظريات العسكرية الإسلامية في مختلف شئون الحرب والقتال"[6].
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم هو القائد والمعلم للمتدربين في المكان المختار الذي يمكن أن ينطبق عليه وصف المدرسة أو المعهد، ومتابعة التطبيق للدروس والأفكار الجديدة عند بعث السرايا، ونشوب القتال في الغزوات، وقد استجاب شباب المسلمين بما تعلموه، دعما لما درجوا عليه في قبائلهم من تعليم لأصول القتال؛ إضافة إلى ما أخذوه عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو النبي الأمي الذي بعث فيهم متلقياً الوحي من الله تعالى، إذ لم يكن ينطق عن الهوى، ومن المعجب في هذا الأمر أن كثيراً من الدراسات العالمية قد تفهمت فكر القيادة الاستراتيجية العسكرية في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم[7].
وقد أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم الشباب الإسلامي بمزيد العناية والاهتمام بالقوة الجسمانية، وممارسة الرياضة البدنية ، كما حثهم على إتقان استخدام السلاح، وذلك بمداومة التدريب عليه، خاصة الرماية، قال تعالى: [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ][8].
وكانت الخيل أهم الوسائل في السرايا والغزوات، كما كانت عند العرب في الصحاري والبوادي، وهي محسوبة بالعدد والكيف في كل غزوة أو سرية، وحضّ الرسول صلى الله عليه وسلم على اقتنائها والاعتناء بها، فقال عليه الصلاة والسلام: "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة"[9].
كما وجه صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى العناية والاهتمام بالبناء العسكري للدولة الجديدة، فهو القائد وهم الأصحاب والأحباب، وأسفر ذلك عن
التوجه إلى ثلاثة أهداف
1- بناء الرجال. 2- فن القتال. 3- الجهاد في سبيل الله عقيدة رفيعة المستوى[10]
وأدخل الرسول صلى الله عليه وسلم كثيراً من التعديلات على النظام العربي القديم في القتال وهو الكر والفر، فتحول إلى نظام الصف حيث قسم الجيش إلى خمسة صفوف منها الميمنة والميسرة إلى غير ذلك من المباديء والأخلاق التي يضيق المقام عن استيعابها، ويتجلى أبرز ذلك في الأمر بعدم قتل الأطفال والنساء، وعدم قطع الشجر وتجنب التضييق في العبادة، وحتمية تقوى الله حتى في منازلة الأعداء والجنوح إلى السلم ما دام الموقف يبيحه، وحسن معاملة الأسرى، والعدالة في توزيع الغنائم، والاستجابة لتعليمات القائد، وسار المسلمون على ذلك خلال السرايا والغزوات بما يجعل من سلوكياتهم نماذج رائعة في مسيرة العسكرية الإسلامية، وقد أسفرت تدريبات الرسول للجيش وحسن قيادته للأمة عن قواد عظام سجلت أسماؤهم بالذهب على جدار الزمن ومنهم: خالد بن الوليد سيف الله المسلول، وعمرو بن العاص فاتح مصر، وذو الجناحين جعفر بن أبي طالب، وأسامة بن زيد أصغر القادة في عصر المبعث النبوي، والمثنى بن حارثه، والقعقاع بن عمرو وغيرهم[11].
ولم تتوقف الحركة في المدينة عن صناعة الأسلحة فكانت سوقاً رائجة خاصة الأسلحة المستخدمة في القتال كالسيف والرمح والنبل والقوس والمنجنيق[12]. وكان يستخدم لرمي السهام والأحجار الثقيلة وهدم القلاع والأسوار، وتوضع فيه كرات النار والأحجار، ولكن الموجود منه في عصر الرسول بالمدينة ليس بالقوة التي وصل إليها فيما بعد، ولذا لم يستخدم هذا السلاح في هدم أسوار الطائف وحصونها، إذ كانت صلبة قوية، وقد تركهم الرسول صلى الله عليه وسلم ودعا لهم بالهداية.
وتجلت جهود الرسول في إنشاء الجيش وتدريبه فصار السند القوي والعمود الفقري للدولة الوليدة، هذا الجيش الذي ظهرت بواكيره في حوالي ثلاثمائة فرد تجمعوا لغزوة بدر، ثم تكاثر العدد فوصل إلى الألوف في فتح مكة، وفي غزوة تبوك وغيرها.
وقد أصبحت الدولة بعد الشروع في إقرار ما سبق، ومن حيث تحديد القائد، ومركز الحكم ونظام الإدارة، وميزانية الإنفاق، وتكوين الجيش –أصبحت قوة قادرة على الدفاع عن الإسلام والخروج من قلب جزيرة العرب، والتحرك بالفتوح الإسلامية شرقاً وغرباً، وإلى كل المناطق المتاحة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعيه رضوان الله عليهم جميعاً.
دكتور/ السيد محمد الديب
[1] آل عمران 159.
[2] موقع قصة الإسلام للدكتور/ راغب السرجاني.
[3] موقع قصة الإسلام، للدكتور/ راغب السرجاني، اعتماداً على كتاب الأموال لأبي عبيدة.
[4] الأنفال 41.
[5] الحشر 7.
[6] موقع المنتدى العربي للدفاع والتسليح.
[7] في موقع الإسلام ويلي -دراسة عسكرية أمريكية للاستراجيات العسكرية للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ولمزيد من التعقب لهذا الموضوع يراجع ما يلي: 1- العسكرية الإسلامية –للواء شوقي محمد بدران، طبع الهيئة المصرية العامة للكتاب 1999 2- قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم والفكر العسكري الحديث، عيسى أمين محمد – نشر عام 2007م.
[8] الأنفال 60، ويراجع للمزيد موقع "مداد" على شبكة الأنترنت.
[9] رواه أحمد ومسلم والنسائي وصححه الألباني.
[10] موقع مداد على شبكة الإنترنت.
[11] يراجع كتاب العسكرية الإسلامية للواء أ.ح شوقي بدران المتقدم ذكره.
[12] كان المنجنيق مصنوعاً –آنذاك- بطريقة بدائية، وحسب صورته المتخيلة التي شاهدتها مصورة على الأوراق.