صارت الدولة الجديدة في المدينة ذات كيان واضح، تجلى في شخصية القائد ومركز الحكم، ونظام الإدارة المبنى على الشورى، ودعم الإنتاج وإعداد الجيش وتجهيزه، إلى غير ذلك من المرعيات التي تسير بها حركة الحياة، وقد بقى التوثيق والتحديد للعلاقة بين الكيانات المختلفة، ولم يكن لذلك من سبيل سوى الإقرار لكتاب أو معاهدة أو وثيقة تكون بمثابة دستور مدني؛ للعمل بمقتضاه، وجاء إثبات البنود العامة حسب ترتيب ورودها في نص الوثيقة.
معاهدة المدينة[1]
أولاً: المقدمة (التمهيد أو الديباجة)
النص: "قال ابن إسحاق: وكتب رسول صلى الله عليه وسلم كتاباً بين المهاجرين والأنصار، وَادَعَ فيه يهود، وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم واشترط عليهم"، فأطراف هذا الدستور ثلاثة هم : المهاجرون والأنصار واليهود ، ولكن المشكلة الأكثر بروزا في مجتمع المدينة يمثلها اليهود ، الذين لا يُؤمَّل فيهم سرعة التحول إلى الإسلام ، خاصة أن كياناتهم في يثرب لم تكن سهلة لينة يمكن التفاهم معهم، وإقناعهم بالشراكة في تأسيس الدولة الجديدة ، وجاء الإعداد والتقديم لهذه المعاهدة، لتكون دستوراً عاما للمجتمع الجديد في المدينة قبل نهاية العام الأول من الهجرة، الذي شُغل المهاجرون فيه بتأمين سبل الحياة لهم، إلى أن صاروا في وضع يتمكنون به من التفاوض حول ما يطمحون إليه، بحق الدين الجديد الذي هاجروا في سبيله وتحت مظلته .
أما اليهود فقد انشق منهم عن هذه الموادعة ثلاث طوائف لم يرد لهم ذكر في الوثيقة، وهم بنو قريظة ، وبنو النضير ، وبنو قينقاع ، وذكرت بعض مصادر السيرة النبوية أن الرسول صلى الله عليه وسلم عقد معهم معاهدات مستقلة ومنفردة في زمن لاحق ، لا تختلف في جوهرها عما سبق إقراره في المعاهدة العامة التي نعرض لها ، والتي لقيت عناية كبيرة من المؤرخين ، إذ أنها قد حدّدت شكل الدولة في ظل المعطيات المستحدثة ، وقدمت أساسات مستقرة لفهم الحوادث الناشبة على أرض المدينة، وذُكر أيضاً أن الجماعات القديمة التي كانت قائمة على أساس رابطة الدم، قد أُعيد تشكيلها لتنصهر في بوتقة الجماعة الكبرى، التي نشأت على قواعد الدين، وإن لم تتخل كثير من القبائل عن شخصياتها القديمة، فبقيت لها بعض الروابط، كما سنرى في البنود المختارة من أصل المعاهدة.
ثانيا: وحدة الأمة: بمعنى الدخول في تأليف اجتماعي تصير المدينة بمقتضاه هي الوطن، الذي يتسع للجميع، وهذا ما جاء في الصحيفة بعد التقديم: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس".
ويحدد هذا النص الشخصية المتحدة المترابطة للمشمولين بالصحيفة، وتضع هذه الفقرة في الاعتبار التوافق بين المهاجرين والأنصار في الاعتقاد، ولسوف ترد طوائف اليهود حسب ترتيبها في المعاهدة، وجاء النص على امتداد الوحدة في وقت السلم وزمن الحرب، بمعنى أن تكون هذه الوحدة مستمرة في سائر الأحوال، وجاء إثبات ذلك فيما قاله الرسول في سطور تالية: "وأن سَلْم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء عدل بينهم"[2] أي أن الذي يسعى في الإفساد بين المؤمنين فعليهم أن يكونوا عليه كافة، تأكيداً لمبدأ الوحدة التامة بين المسلمين.
ثالثاً: التكافل الاجتماعي[3]
ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم بحق هذا المبدأ "وأن المؤمنين لا يتركون مُفْرحاً[4] أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عَقْل"[5] إذ يجب بهذا المبدأ التراحم والتعاون بين المسلمين خاصة، فهم أمة واحدة من دون الناس، وهذا ما يتوافق مع القرآن الكريم، والحديث النبوي، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم فهم مني، وأنا منهم"[6].
رابعاً: حق الحياة
قال صلى الله عليه وسلم في شأن هذا البند: "وأنه من اعتبط[7] مؤمناً قتلاً عن بينه فإنه قَوَدٌ به[8] إلا أن يرضى ولي المقتول، وأن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم قيامٌ عليه".
خامساً: صيانة الأمن وتحريم الجريمة[9]
قال الرسول بحق هذا البند: "وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن يُنصر مُحْدثاً[10] ولا يؤويه، وأنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة".
فالنص الوارد يوجب إقامة الحد وتنفيذ العقوبة على كل من مارس جريمة مستوفية لوجوب الاستحقاق قال صلى الله عليه وسلم: "من حالت شفاعته دون حدٍّ من حدود الله، فقد ضاد الله"[11] وقال صلى الله عليه وسلم بشأن عدم الشفاعة في إقامة الحدود وتنفيذ العقوبات: "والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها"[12].
سادساً: موادعة يهود[13]
قال الرسول صلى الله عليه وسلم بحق هذا المبدأ: "وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين ، وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين ، وأن تخصيص بني عوف[14] بالذكر لا لتمييزهم عن غيرهم ، فقد أعطى طوائف أخرى من اليهود ما ناله بنو عوف قال : "وأن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف ، وأن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف " ، ودخل في السياق نفسه بنو ساعدة وبنو جشم وبنو الأوس وبنو ثعلبة ، وعقب صلى الله عليه وسلم على ذلك فقال " إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته ".
وقد ورد بحق اليهود أيضاً: "وأن من تبعنا من يهود فإن له النصرة والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم"[15] فاستحقاقات اليهود في الحياة الآمنة كالمسلمين في هذا الشأن، وجاء النص على ذلك في المعاهدة، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم بها: "ولا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة أن ينصر مُحْدثاً[16] أو يؤويه" وعليه يصير اليهود إحدى الكيانات الداعمة لوحدة الأمة، تحت ظلال الدولة الجديدة.
سابعاً: حرية العقيدة
حرية العقيدة: تقول الصحيفة بشأنها: "لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فإن لا يوتغُ إلا نفسه وأهل بيته".
إن حرية العقيدة حق شرعي ثابت كما هو مقرر في القرآن الكريم، وفي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضلاً عما جاء بهذا الشأن في نص الصحيفة، وتجلى تقرير هذا الحق في آيات كثيرة منها قول الله تعالى: [لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ][17] وقوله تعالى: [لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ][18] وقوله تعالى: [أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ][19].
وتشمل هذه الحرية المسلم وغير المسلم، هذا الذي كان يعيش في المدينة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي سائر ديار الإسلام فيما بعد، قال تعالى: [قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ][20] وأن عطاء الله تعالى فيما يخص حرية العبادة دون إكراه وإذعان، خاصة فيما يتصل ببدء تأسيس الدولة.. هذا العطاء متاح لكل الكيانات للتعامل مع دياناتهم، وهم فريقان على العموم: المسلمون واليهود، ولكل فريق عقيدته التي اختارها عن حرية وإرادة واختيار.
ثامناً: منع خروج اليهود من المدينة بغير إذن الرسول
قال صلى الله عليه وسلم بهذا الشأن: "وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم".
لقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام على علم بصنائع اليهود، ويتوقع منهم الغرور وعدم الوفاء، فاشترط عليهم عدم مغادرة المدينة، حتى يكون على معرفة بتحركاتهم بصفته الحاكم العام للدولة، وقد ارتضوا ذلك، إنماء للثقة التي ينبغي أن تكون من الرسول فيهم، كما يجري تفعيل هذا عند الخروج من الوطن في الزمن الراهن، وذلك بطلب الإذن والتأشيرة بالمغادرة.
تاسعاً: حرمة المدينة
تنص المعاهدة على ذلك بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة".
ويستفاد من هذه الفقرة أهمية التأكيد على تأمين الرسول لليهود على أموالهم وأنفسهم، ولما افترض عليهم من مسالمة المسلمين وعدم الكيد لهم، وقد قال أبو هريرة رضي الله عنه بشأن حرمة المدينة: "لو رأيت الظباء بالمدينة ترتع ما ذعرتُها.."[21] والهدف من إثبات هذا الشرط: "أن يتعود الناس الحياة الآمنة التي لا تكدرها الجريمة، ولا يعكر صفوها حرب"[22].
عاشرا: مراعاة حق الجار[23]
ذكر الرسول في الصحيفة بحق هذا المبدأ ما يلي: "وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم" ويتحتم لذلك أن يعامل الإنسان جاره في أي زمان أو مكان بمثل ما يجب أن يُعامل به، من غير ضرر أو إثم يصيب به غيره، ففي ظل طغيان القوى على الضعيف تضيع الحقوق وينتشر الظلم وتهدر القيم قال صلى الله عليه وسلم: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه"[24] وقال صلى الله عليه وسلم: "والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن، قيل: من هو يا رسول الله قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه.."[25].
حادي عشر: الفصل في النزاع بين الناس[26]
فصل الرسول صلى الله عليه وسلم في قضايا الناس من خلال هذا النص: "وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار[27] يخاف فساده فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتفيد هذه الفقرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يفصل في النزاعات بين أهل هذه الصحيفة، سواء أكانوا من المشركين أم من أهل الكتاب أم من المسلمين بلا تفريق، فالرسول هو الحاكم للدولة في ظلال هذه المرحلة؛ اعتماداً على العمل بما جاء في كتاب الله تعالى، ونصت عليه السنة النبوية.
ثاني عشر: لاجوار لقريش
وجاء في الصحيفة بحق ذلك: "وأنه لا تُجار قريش ولا من نصرها" وقد كتب الأستاذ/ محمود الشرقاوي تعليقاً على هذه الفقرة[28]: "كانت عادة الجوار عميقة الجذور في نفوس العرب في الجاهلية، بحيث أصبحت من دواعي الشرف والنجدة.
وقد رأي الرسول أنه إن أبقى عليها[29] لجلبت على المسلمين المتاعب، فلو أن قرشياً اشتد في إيذائه وعدائه للمسلمين، ثم استجار برجل من أهل المدينة لما طلبه المسلمون، وجدُّوا في البحث عنه، ولما استطاع المسلمون أن يتخلصوا منه، ولا من عدوانه لهم، فلا عجب إذا أمرهم ألا يجبروا قرشياً أو نصيراً لقريش.."[30].
ثالث عشر: محالفة اليهود[31]
ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن ما يلي:"وأن بينهم النصر على من دَهَم[32] يثرب" وحدد الرسول بهذه الفقرة الموجزة حتمية المشاركة من اليهود في الدفاع عن يثرب، وحمايتها من المغيرين عليها، وأن الدفاع يكون بالأنفس والأموال، وجاء استكمال البيان لذلك: "وأن اليهود ينفقون مع المسلمين ما داموا محاربين" فاشتراك اليهود وجوبي بالأنفس والأموال للدفاع عن يثرب عند مداهمتها.
رابع عشر: تحقيق الأمن العام بالشروط المحددة
جاء هذا البند في السطور الأخيرة من الصحيفة، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بشأنه: "وأنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم أو أثم".
إن تحقيق الأمن على كافة المشمولين بهذه المعاهدة "الدستورية" مطلب ضروري وجماعي؛ حتى يهدأ الناس، ويطمئنوا على أنفسهم، وأهاليهم وممتلاكاتهم، قال صلى الله عليه وسلم: "من أصبح منكم آمناً في سربه، معافاً في جسده، عنده قوت يوم، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها"[33].
خامس عشر: الخاتمة
لقد جاء في ختام هذه المعاهدة ما يؤكد حماية الله تعالى لمن بر واتقي في ظلال الالتزام بما ورد في البنود المذكورة مع الإقرار الحاسم بأن محمداً رسول الله صلى الله عليهم وسلم" الذي ذكر في هذا الشأن: وأن الله جارٌ لمن برَّ واتقى ومحمدٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم[34]، قال تعالى: [مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّين][35].
تعقيب
1- تقر هذه الوثيقة بالتعدد وقبول الآخر، مهما كانت درجات الاختلاف معه، وذلك ثابت في أصل الخلقة الإنسانية قال تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ][36].
2- جاءت هذه الوثيقة في الكثير من بنودها بمثابة مذكرات تفسيرية، لبعض ما جاء في القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ووِفق الأحوال التي اشتملت المدينة في بداية عهد الإسلام بها، وتحت ظلال الأديان والأعراق المتعددة بها.
3- تعالج هذه المعاهدة طبيعة البيئة بالمدينة، وأحوال الناس بها، دون أي تأثر بفكر وافد من الفرس أو الروم، أو من أية ديانة صنعها البشر على الأرض، وبحيث تمتد آثارها إلى المجتمع الإسلامي في عهد الرسول، وعهد من جاء بعده من أصحابه، مع الإقرار بأن البنود المذكورة تعبير عن رؤية الرسول لصيانة الإسلام في مجتمعه الحاصل بالمدينة، وهو لا ينطق عن الهوى، لكنها ليست وحياً إلهياً بمعنى إمكانية الإضافة إليها أو التغيير فيها، وفق المستحدثات الطارئة في المجتمع الإسلامي بمثل ما كان من الرسول مع نصاري نجران وبما أثبته عمر بن الخطاب في العهدة العمرية، كما أقر الرسول بعض التوافقات مع جماعات من اليهود، وحدث الاختراق لها، خاصة مع بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع.
4- ينبغي التأكيد أن هذه البنود المعلن عنها والمعتمد عليها في تأسيس الدولة الإسلامية لا تتحقق في مجموعة أيام أو شهور تنهض بعدها الدولة بالإعلان عن نفسها، إذ لم يكن ذلك وارداً على الإطلاق، وإنما الحاصل أن هذه الاشتراطات "الدستورية" قد تحققت متتالية وفق متغيرات الأحوال وتطورها، وبذلك كان تأسيس هذه الدولة الجديدة على مدى سنوات طوال، حتى إن بعض تشكيلاتها التكوينية قد تحققت في زمن الخلفاء الراشدين، ومن جاء بعدهم من التابعين.
5- إن البنود التي أوردتها المعاهدة ليست كل ما جاء بها، ولكن جاء الاختيار لأغلب مارآه المؤرخون مُهِمّاً في بناء الدولة عند الشروع في إقامتها، وقد سبق أن قدمت في كتاب لي فصلاً بعنوان: "تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة المنورة"
وجاء فيه
"قد اشترط الرسول على اليهود كما اشترط على المسلمين بهدف زرع وتثبيت حقوق الإقامة بين المسلمين وطوائف اليهود، ممن كانوا يقيمون في المدينة أو على مقربة منه"[37].
كانت هذه الوثيقة محددة وواضحة فقد كُتبت بعناية، وحُفظت في القلوب، وعلى الأوراق، وكانت ذات أثر كبير في تقوية الهمم والعزائم، وصيانة يثرب من الطامعين فيها، وصارت المدينة من خلالها مفتوحة لكل راغب في الإسلام في ظل الحرية الدينية المكفولة للجميع.
6- لقد وضع الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه المعاهدة المدينة المنورة في صورة جديدة، وعلى أول الطريق نحو تثبيت الدولة يوماً بعد يوم، وواصل الخلفاء الراشدون المسيرة من بعده، لاستكمال البناء القويم لهذه الدولة التي –للأسف الشديد- لحقت بها إخفاقات متعددة في مراحل تالية لبعض آثار الخروج عن المنهج القويم، الذي وضع الرسول صلى الله عليه وسلم قواعده في مكة، ثم استكمل البناء مع الدولة الجديدة في المدينة المنورة.
دكتور/ السيد محمد الديب
[1] اعتمدنا في التعامل مع النص المذكور على كتاب "السيرة النبوية لابن هشام" مجلد 1، ج2، ص37 ورجعنا إلى صور أخرى للوثيقة في البداية والنهاية لابن كثير ج3، ص224، كما اعتمدنا في تحليل نصوص المعاهدة على عدة كتب يأتي في مقدمتها: 1- مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول د/ أحمد إبراهيم الشريف من ص 403 إلى ص427، طبع دار الفكر العربي عام 1985م، 2- المدينة المنورة لمحمود الشرقاوي طبع دار الشعب من ص51 إلى ص65.
[2] الفقرة من نسخة البداية والنهاية ج3، ص225.
[3] راجع كتاب المدينة المنورة لمحمود الشرقاوي ص60.
[4] المفرح هو الشخص المثقل بالدين والعيال.
[5] عقل: تحمل الشخص في جناية ارتكبها أحد أهله "قريبة" بالميراث، والتحمل في الفداء أو العقل، تحقيقاً لمبدأ التكافل الاجتماعي.
[6] رواه البخاري 2486 ورواه مسلم 2500.
[7] اعتبط مؤمناً: قتله.
[8] القود: القصاص، أي أن القتل يوجب القصاص أو الدية بشرط رضا أولياء القتيل بها.
[9] المدينة المنورة ص64 وللنص زيادات بروايات أخرى.
[10] المحدث: هو كل من جنى أو أجرم فليس لأحد أن يمنع من إقامة الحد عليه.
[11] رواه أبو داود (3597).
[12] رواه البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم.
[13] المدينة المنورة ص62.
[14] بنو عوف من البطون الخمسة الكبرى للخزرج، والأربعة الأخرى هي: بنو ساعدة، بنو الحارث، بنو جشم، بنو النجار، ولم تذكر الصحيفة من بطون الأوس الكبرى إلا بطنين هما بنو عمرو وبنو عوف، بنو النبيت، ثم أدمجت باقي البطون الأوسية الكبرى تحت اسم واحد هو: بنو الأوس، وذْكرُ الأسماء مفصلة أو مجملة راجع في التقدير على من أسلم من هذه البطون، حيث ذكرت الصحيفة اليهود الموالين للبطون العربية وهذا يتفق مع ما كانت عليه الحالة السياسية في يثرب فإن البطون اليهودية الصغرى قد دخلت في خلاف مع الأوس والخزرج -يراجع في ذلك كتاب مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول، للدكتور/ أحمد الشريف.
[15] لمزيد من التوضيح يراجع: 1- المينة المنورة لمحمود الشرقاوي.، 2- حكومة الرسول في المدينة المنورة جمال الدين عياد.
[16] محدثاً: أحدث أمراً غير جائز.
[17] الكافرون 6.
[18] البقرة 256.
[19] يونس 99.
[20] آل عمران 64.
[21] ما ذعرتها: أي ما أخفتها ولا سببت لها ذعرا.
[22] المدينة المنورة ص65.
[23] المدينة المنورة ص61.
[24] رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم.
[25] رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، وبواتقه: غوائله وشروره.
[26] الذين تشملهم الصحيفة.
[27] اشتجار: عراك ومشاجرة.
[28] واستناداً إلى كتاب حكومة الرسول في المدينة لجمال الدين عياد.
[29] أي على النصرة والعون لقريش.
[30] المدينة المنورة ص65، نقلاً عن كتاب "حكومة الرسول في المدينة".
[31] محالفة اليهود "المصطلح": من كتاب المدينة المنورة ص63.
[32] دهم: اقتحم.
[33] رواه البخاري في الأدب المفرد، والترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني.
[34] السيرة النبوية لابن هشام ج2، ص318، مجلد 1.
[35] الأحزاب 40.
[36] الحجرات 13.
[37] قطوف من السيرة والدعوة ص134.