قصد السبيل: هدى الإسلام في احترام المساجد

1 دقيقة قراءة
بواسطة Ahmed Eldeeb
قصد السبيل: هدى الإسلام في احترام المساجد
علماء ودارسون في صحن جامعة الأزهر — رسالة المسجد ومدارسة العلم — Wikimedia Commons

كانت الصلاة في بدء البعث المحمدي أهم العبادات التي تتجلى فيها مظاهر الإيمان، وتحتوي المسلم فتجعل ولاءه لله تعالى، وينعكس أداؤها على سلوكه وسائر تعاملاته مع الناس جميعاً، فيبدو بعد انشغاله بالصلاة كأنه قد خلق خَلْقاً جديداً، وكان الأداء قبل الهجرة في حدود السرية والكتمان؛ صيانة للدين، وحفاظاً على وجود الإنسان، ولما بدأ المسلمون في التنفس بأريج الحرية، وصاروا في وضع يمكنهم من الصلوات بلا خوف، كان الشروع في بناء المسجد.

ووصل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قُباء في طريق هجرته، فكان أول عمل شرع فيه هو إقامة المسجد على التقوى والإيمان، والذي نزل بحقه قول الله تعالى: [لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ][1] حيث تجلى في البيان القرآني التأسيس على التقوى بدءاً من اليوم الأول من خلال الصحابة الصادقين الراغبين في تطهير البدن والروح بأداء الصلاة بما فيها من السجود، وهو الركن الأقدس في هذه العبادة، التي ارتبطت بالمسجد، والذي أطلق عليه هذا باعتبار ذلك الركن فيها.

وقد حضّ الرسول صلى الله عليه وسلم على بناء المساجد، حفاظاً على الصلاة وأداء سائر ما يلزم لها، كحفظ القرآن الكريم، ودراسة السنة النبوية، ونشر العلم التنويري؛ لإضاءة القلوب المتعطشة للإيمان، فقال عليه الصلاة والسلام: "من بنى الله مسجداً، ولو كمَفْحَص قطاة، بنى الله له قصراً في الجنة"[2].

رسالة المسجد

لقد دعا الإسلام إلى إقامة المساجد لأهداف متعددة، تأتي في مقدمتها إقامة الصلوات المفروضة وغيرها، وهي كثيرة، قال تعالى: [إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ][3] وأن هذا الإعمار من المؤمنين الصادقين، وليس من المشركين أو المنافقين هؤلاء الذين انكشفت مساوئ طويتهم عندما أقاموا مسجد الضِّرار، الذي أسس على شفا جرف متساقط فهوى بأصحابه إلى نار جهنم.

ومن رسالة المسجد أن يكون مكاناً لتلاوة القرآن ومدارسة علومه، بتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده"[4].

وقد ذكر أبو هريرة رضي الله عنه: "أنه مرّ بسوق المدينة، فوقف عليها فقال: يا أهل السوق ما أعجزكم؟ قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: ذاك ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقَسّم، وأنتم هاهنا؟ ألا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه؟ فقالوا: وأين هو؟

قال: في المسجد، فخرجوا سراعاً، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا، فقال لهم: ما لكم؟ فقالوا: يا أبا هريرة قد أتينا المسجد فدخلنا فيه، فلم نر فيه شيئاً يقسَّم، فقال: لهم أبو هريرة، وما رأيتم في المسجد أحداً، قالوا: بلى، رأينا قوماً يصلون، وقوماً يقرؤون القرآن، وقوماً يتذاكرون الحلال والحرام، فقال لهم أبو هريرة: ويحكم! فذاك ميراث محمد صلى الله عليه وسلم"[5] تلك هي بعض مهام المسجد الذي تستمر بها رسالته، صغرت مساحته أو كبرت، كثر رواده أو قَلُّوا، وذلك ما ينبغي تحقيقه في المساجد بكل الأمكنة، وفي سائر الأزمنة بلا إعاقة أو انحراف بهذه الرسالة الخالدة.

منكرات المساجد

يجب الحرص والاهتمام بأداء المساجد لرسالتها المنوطة بها في ظل الاحترام والتقديس والصيانة لهذه الأماكن، التي هي بيوت الله تعالى في الأرض، وأكد الإسلام أهمية أن يدخل المسلم المسجد فينصرف بدنه وسائر حواسه وكل عواطفه إلى احترام المكان الذي توضع فيه الجباه على أرضه الطاهرة، ومن مظاهر ذلك ما نصَّ عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من الصلاة لركعتين تحية للمسجد، إشعاراً وتأكيداً بأن دخول المسجد كأنه صلاة، فكما أنها تفتح بالتكبير يكون دخول المسجد مرتبطاً بالتحية، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين"[6].

وإذا أقام المسلم بمفرده، أو معه غيره المسجد، وبدأت الصلاة فيه، فعند ذلك يصير الولاء به لله تعالى، بحيث لا يديره من أقامه، لتحقيق أغراض ليست من حميم رسالته حتى لو كانت أشياء غير محسوسة، وهذا أقرب ما يمكن فهمه من قول الله تعالى: [وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا][7] ولا يحق لأحد أن يمنع أحداً عن ارتياد المسجد والصلاة فيه وقراءة القرآن، وذكر الله تعالى، ولو وصل الحال إلى ذلك المنع لكان فساداً كبيراً، وضلالاً يتحقق به غضب الله تعالى من وقوع هذا الظلم والطغيان الكبير، قال تعالى: [وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا][8]، إذ أن إهمال المسجد، وعدم احترامه، وتحويله، إلى دار للإعلانات أو دكان لبيع السلع التجارية بمثابة لتخريب للمسجد.

ولا يصح بأي حال من الأحوال أن تلتقي الثُّلل في المسجد فيعقدون حِِلقاً، ويتسامرون، ويذكرون الشاردة والواردة بما يتعارض مع حتمية التقدير والاحترام لبيت الله، وللمصلين والذاكرين الله تعالى فيه، وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من وقوع هذا فيما أسماه آخر الزمان، فقال: "يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد، فيقعدون فيها حِلَقاً حِلَقاً ذكرهم الدنيا وحب الدنيا لا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة"[9].

وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من مخاطر المناداة على الأشياء الضائعة في المسجد؛ حتى لا يحدث الضجيج والتشويش على المصلين، إذ ربما يجد إنسان الضالة المفقودة فيأتي بها إلى المسجد، وقد تكون ذات صياح فيحدث مالا يليق، ووجه الرسول الحاضرين الشهود على هذا المنكر كيف يتصرفون، فقال عليه الصلاة والسلام: "من سمع رجلاً ينشدُ ضالةً في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا"[10]، وعندما يذهب المسلم إلى بيت الله فعليه أن يكون ملبسه نظيفاً، وهيئته حسنة، ورائحته طيبة؛ لأنه في زيارته لبيت الله يجب عليه أن يكون في أفضل صورة وأحسن زينة قال تعالى: [يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ][11] ولذلك يحظر الحضور إلى بيت الله بعد أكل الثوم والبصل وسائر البقول ذات الروائح الكريهة بما ينفر المصلين من المكان وممن فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أكل بصلاً أو ثوماً فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته"[12].

ولا يصح بأي حال من الأحوال أن تتخذ المساجد ميداناً للشحاذة وطلب المساعدات، وأن أي رفع للأصوات بما يؤدي إلى التشويش على المصلين انحراف عن منهج الإسلام وإساءة لرسالة المسجد، وكلُّ ما كان على غرار ذلك فهو باطل، كالذين يقطعون الصفوف ذهاباً وجيئة لطلب مساعدات، أو بيع للكتب والمجلات، إذ لا يجوز اتخاذ المساجد موضعاً للبيع والشراء على أية صورة، كما لا يصح اصطحاب الأطفال الصغار الذين لم يصلوا إلى درجة من الوعي والإدراك يراعون فيها آداب المسجد، فيصيحون بالأصوات العالية، أو يتحركون بين الصفوف فيُشغلون المصلين، أو يلوثون المكان بما لا يليق، ولا يصح بأي حال من الأحوال أن تكون المساجد أمكنة للدعاية السياسية أو لإرشاد الناخبين، وتوجيهم إلى شيء ما فإن ذلك يحدث كثيراً وهو باطل ومنكر، ينبغي منعه وعدم التهاون فيه والله الهادي إلى سواء سبيل.

دكتور/ السيد محمد الديب


[1] التوبة 108.
[2] من حديث جابر بسند صحيح وابن حبَان من حديث أبي ذر، وهو متفق عليه.
[3] التوبة 18.
[4] مسلم (38)، (2699)، ابن ماجه 225، أبو داود 1455. والجامع الصحيح للسن والمسانيد "باب فضل مجالس العلم".
[5] أخرجه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن.
[6] الفتاوى الإسلامية "وزارة الأوقاف" ج6، ص2159.
[7] الجن 18.
[8] البقرة 114.
[9] رواه ابن حيان وهو صحيح الإسناد.
[10] رواه مسلم وابن ماجة.
[11] الأعراف 31.
[12] البخاري ومسلم وآخرون.