تكريم الله تعالى للإنسان

1 دقيقة قراءة
بواسطة Ahmed Eldeeb
تكريم الله تعالى للإنسان
Photo by Cleveland Museum of Art / Wikimedia Commons

لقد خلق الله تعالى الإنسان، وأتم له مكونات حياته منذ التنشئة الأولى، ومنحه التكريم والإرادة فى ضوء المعطيات المؤِّهلة لبدايات التكوين، وصار هذا الكائن الطينى فى مواجهة المَّلِك النوُرانى، تحت إدراكات الخالق الأعظم، وكانت الملائكة ترى أنها الأحق بالاقتراب، والتواصل مع الله تعالى، على خلاف الإنسان، الذى يمكن أن يتسلل إليه الشيطان فيخضع له وتتغير به مسيرة عبادته، لكن إرادة الله كانت حاسمةً فى بدء الخلق للكائن البشرى، وتواصل هذا التخليق بالاستخلاف، الذى يعمر به الكون، وتمتدُ معه الحياة، وتحدد ذلك ـ ابتداء ـ فى قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾(1)

وتلا ذلك التكريمَ تكريمٌ آخر تمثل فى الأمر إلى الملائكة بالسجود لآدم بما يدل على تكريمه، وتقدير الملائكة له، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾(2) بهيئة تعبر عن سجود المخلوق للمخلوق، بخلاف السجود التعبدى لله تعالى.

ومنح الله الإنسان منذ النشأة الأولى تشريفا وتكريما، وذلك بعض استحقاقاته من الإرادة والاختيار بمنظور افعل ولا تفعل، إذ خاطبَ الله تعالى آدمَ وزوجَه بقوله تعالى: ﴿فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ﴾(3)

وقال أكثر العلماء بتفضيل جنس البشر على الملائكة بظاهر المنطوق من القرآن الكريم، وحديث أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: "إن الملائكة قالوا: ربنا، خلقتنا، وخلقت بنى آدم، فجعلتَهم يأكلون الطعام، ويشربون الشراب، ويلبسون الثياب، ويتزوجون النساء، ويركبون الدواب، ينامون ويستريحون، ولم تجعل لنا من ذلك شيئا، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة. فقال الله عزّوجلّ: لا أجعل مَنْ خلقتهُ بيدى، ونفخت فيه من روحى، كمن قلت له: كن، فكان"(4)

وجاء بيان تكريم الله تعالى للإنسان ببعض مشتملاته فى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾(5) والكرم: وصف لله تعالى فى ذاته، ويتجلى فى إكرامه لغيره، وجاء ذلك فى قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾(6) وقوله: ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾(7)

ويكون الإكرام من الله تعالى للإنسان بإنعامات كثيرة جاء البيان الشمولى لها فى آية الإسراء السابقة التى تبدأ بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ وهذا التكريم لآدم وبنيه، وسائر الذين تناسلُوا منه إلى قيام الساعة، ويوجه إلى الإنسان على عمومه، ثم يتميز المؤمن المتبع للشريعة والمنضبط باتباع الأوامر، والالتزام بالنواهى بما يستحق به التكريم فى الدنيا والآخرة، خاصة فى وجود العقل والإحساس، إدراكا لقيمة الوجود فى ظلال بعث الرسل، واقتداء الناس بهم أمرًا ونهيا قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾(8)

وجاء قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ مؤكدا حيث جعل للإنسان شرفا وفضلا وعقلا يتميز به على سائر الكائنات، ويدخل فى التكرم ما جاء فى تفسير القرطبى وهو: "خلقهم على هذه الهيئة فى امتداد القامة، وحُسْن الصورة وتكريمهم بالنطق والتمييز، وأرسل محمدا ﷺ رسولا منهم، إضافة إلى التسخير المتبادل بين سائر الخلق.."

وقال القرطبى فى هذا الشأن: "والصحيح الذى يُعول عليه أن التفضيل إنما كان بالعقل الذى هو عمدة التكليف"(9) ولكن الإنسان لم يصل بإكرام الله له إلى درجة الكمال، فاحتاج إلى من يأخذ بيده إلى طرائق النور والإيمان، فكان البعث للرسل، والإنسان كائن مكرّم، وهو مفضل على سائر الكائنات، والكون مسخر له، كى ينتفع بسائر محتوياته، وأوضح القرآن ذلك فى قول الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾(10)

وتحقق التكريم للإنسان بالنطق، وتمكينه من السعى والحركة، وأنه يمشى قائما منتصبا على رجليه، ويأكل بيديه، وأنه مستخلف فى الأرض، ويأتى بعده من يواصل مسيرته، وابتدأ خلقه على الفطرة، واستعداده للعمل على بقاء حياته، وتسخير عطاءات الكون له على الأرض، دون أن يقتصر ذلك على جنس أو نوع أو زمن، أو مكان دون آخر، وأقام الله العدل لتستمر الحياة بين الناس بالقسط، فإذا سُلب الإنسان بعضا من معطيات هذا التكريم فإن التقهقر يصيب منظومة العلاقات الإنسانية بالتراجع والهموم الثقال.

وتقول الآية: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ والتكريم المذكور فى هذا الجزء من الآية خاص ببيان تمكين الله للإنسان من السعى والحركة، وتسخير الكون كله بَرِّه وبحره، وكذلك جوِّه لخدمة الإنسان؛ ليبقى بين المخلوقات عزيزا مكرما تعمل كلها لخدمته، وإعانته كالحمل على الدواب من الأنعام والخيل والبغال، وفى البحر على السفن الكبار والصغار، وكل ما يحقق للإنسان الرقى والإكرام.

وتقول الآية فى تعديد إكرامات الله تعالى لبنى آدم: ﴿وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ فهذا الرزق لا حدود له، ولا نهاية لحصره، قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(11)

والرزق عطاء إلهى يسوقه الله تعالى للبشر، ليس مطابقا لجهده، إذ أنه مدعوم بعطاء الله الذى يُعد أعظم الإكرام، وهو محدد فى الآية بالطيبات كالزروع والثمار واللحوم والألبان والملابس على اختلاف ألوانها وأشكالها وغير ذلك مما يغيب عن الإنسان شكر الله عليها، ولا يستشعر قيمتها إلا عند حرمانه منها.

وتقول خاتمة الآية المذكورة: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ فهذا التأكيد المنبعث من صياغات هذا الختام تأكيد لما جاء فى أول الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ والتفضيل فى عمومه يكون للإنسان على سائر الحيوانات، فقد منحه الله العقل، لتحريك الفكر، واكتشاف النعم، فبهذا العقل يتقدم بالتكريم والتشريف على الكثيرين كما فى الآية ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ ولعل هذه الصياغة تعطى قرينة لمن قال إن الإنسان ليس مفضلا على جميع المخلوقات، إذ أن الملائكة مفضلة عليه، ويبقى التأكيد على أن إكرام الله للإنسان نعمة عظمى، تستحق الشكر والثناء عليه.

د. السيد محمد الديب


(1) البقرة 30
(2) البقرة 34
(3) الأعراف 19
(4) تفسير ابن كثير (محقق) جـ5 صـ95
(5) الإسراء 70
(6) العلق 3
(7) الرحمن 27
(8) الأحزاب 21
(9) تفسير القرطبى جـ10 صـ294
(10) الجاثية 13
(11) النحل 18