التأمل فى أحوال البكاء وأسراره

1 دقيقة قراءة
بواسطة Ahmed Eldeeb
التأمل فى أحوال البكاء وأسراره
عين باكية — Mobentec / Wikimedia Commons

يتميز أصحاب القلوب الصادقة التقية بالخشوع والورع،والرغبة الحقيقية فى الاقتراب من الله ورسوله، فتصفو قلوبهم،وترقُّ عواطفهم، فيبكون بدموعهم؛ خشوعاً لله تعالى، أو حسرةً على ما لحق بهم من ابتلاءات تفوق طاقاتهم على الاحتمال، ويستدعى ذلك مراجعة المؤمن لأحوال نفسه، وتقويم أعماله؛ سعيا إلى الارتقاء بإيمانه، وزيادة الثقة فى الله رب العالمين.

1-البكاء خشوعاً لله تعالى.

لقد خلق الله تعالي الإنسان، وميزه على غيره من الكائنات بالضحك والبكاء وغيرهما، وذلك من عظيم قدرة الله تعالى، حيث خَلَق فى الإنسان- استعداده عند وجود الأسباب- إلى الضحك والبكاء،وأن عباد الله من المؤمنين عندما يزداد خشوعهم تتحرك قنواتهم الدمعية بما تسيل معه دموعهم، من غير أن يتحكموا فيها ابتداء وانتهاء، وزيادة ونقصا،خاصة فى حالات شدة إقبالهم على الله، وفى الركوع والسجود المرتهنين بالخشوع والاطمئنان، فالبكاء الصادق غير المفتعل سمة من سمات عباد الله المتقين، وصفة من صفات الخاشعين لله رب العالمين،

قال تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ۩﴾[1] وقوله:"وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا" أى إيمانا وتسليما، وخشية وأملا فى الفوز برضوان الله ومحبته.

وتتواصل الآيات القرآنية عن بيان أحوال البكاء، ومنها ما كان مرتبطا بتلاوة آيات الذكر الحكيم، حيث يخرُّ المؤمنون ساجدين وبكائين.

وصور القراّن هذا المشهد الإيمانى الذى يبعث الرقة والمحبة فى قلوب الصالحين،فقال تعالى:"إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ۩" [2] ولآيات القراَن التي فيها ذكر للعذاب تأثير فى القلوب سواء أكانت متضمنة الحديث عن توحيده، أم تلازَمَ الخرورُ مع تلاوتها وبدء السقوط للسجود والبكاء، إذ أن أفضل حالات الخشوع لله تعالى عندما يكون المؤمن ساجدا باكيا لله تعالى.

وعندما يصل المؤمن إلى هذا المستوى الإيمانى فإنه يكون قد استغنى عن البشر،وازداد احتياجه إلي الله، فيقبل عليه،ثقة فيه،واطمئنانا إلى عدالته، وأملاً فى رحمته، وذلك شأن المتقين من عباد الرحمن.

2-اتساع أحوال البكاء

لقد تحدث القران الكريم عن أحوال مختلفة لجماعات من البشر، كانوا يبكون فيها خداعا وزيفا، وتمويها وتضليلا،وذلك ما ورد فى شأن إخوة يوسف عليه السلام، حيث وصف القراَن أحوالهم عندما حضروا إلى أبيهم (يعقوب) يُعلمونه بأمر أخيهم الذى دبروه،واحتالوا له بالبكاء الخادع المزيف، قال تعالى:"وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ" [3].

وجاء الحديث عن البكاء، وصفا بلفظ الأمر لحاله المنافقين، وحتمية التحول إلى إصلاح شأنهم، وتبديل مواقفهم من الضحك استهزاء وسخرية إلى البكاء كثيرا على أحوالهم التى أحكم القراَن بيانها، وأجمل تصويرها، قال تعالى:"فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ" [4].

وتحدث القرآن فى موضع آخر عن فريق من المعاندين، واصفاَ أحوالهم عندما كانت الدعوة الإسلامية تخطو بانبهار مُعجب إلى الجهرية والتغير الاجتماعى والعقائدى، وكان المشركون يضحكون فى استماعهم للقراَن،وإعراضهم عنه؛ استهزاء وعناداًَ؛لأن الواجب عليهم الالتزام بمتطلبات الاستماع إلى القرآن،ومنها البكاء والخشوع لله رب العالمين فى ركوعهم وسجودهم وسائر عبادتهم، مع استحضار اليقظة الإيمانية التامة، ولكنهم لم يتحولوا عن عنادهم وكفرهم بالله الذى قال:"أَفَمِنْ هَٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ‎﴿٥٩﴾‏ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ" [5] وجاء الاستفهام فى الآية توبيخاً لهذا الفريق المعاند من البشر، الذين تحجرت قلوبهم، واشتملتهم الغفلة، وسخروا من القران وضحكوا عليه، ولم يبكوا انزجاراً وخوفاً من الوعيد الذى تم الإخبار عنه.

3- البكاء حزناً على الموتى

لقد ذكر ابن القيم [6]- رحمه الله- أنواعاً أو أحوالا للبكاء منها: بكاء الفرح والسرور، وبكاء الزيف والنفاق، والبكاء المستاجر عليه، والبكاء الذى يتم توافقا مع البكائين، وبكاء المحبة والشوق، والبكاء من الألم،وبكاء الخَور والضعف، وقد أشرنا إلى بعض هذه الأحوال، والتى بقيت من عصر ابن القيم إلى عصرنا الحاضر لم يمحها الزمن.

أما البكاء على الموتى فيأتى مرتبطا فى كثير من الأحوال بالحزن الطاغى والاطمئنان الواثق إلى عدالة الله تعالى،ويتواصل ذلك كثرة وقلة عند الموت والفراق الطويل،الذى ربما لا يكون بعده أمل فى اللقاء، كما يكون عند تشييع الجنائز، ودَفْن مَنْ مات من الأهل والأصدقاء والأحباب، لكن أحوال الواقع تشهد كثيرا من الخروجات على المعيار الشرعى للسلوك الإيمانى، فتنفلت القلوب المهتزة، ويغيب عنها وعيها الإيمانى،فتبكى بصراخ وعويل وشق للملابس وتهديد بالانتحار، وهذا كله منهى عنه فى الشرع الحنيف، وليس فيه ما يسهم في تقوية الشعور الدينى،وإنما هى سلوكيات وعادات اجتماعية تُدار بشكل تتدخل فيه المجاملة الزائفة بالنواح على الميت، وفعل ما هو أكثر من ذلك، وهذا مما يؤسى له من أحوال بعض المسلمين، وكان بعض الأعراب فى الجاهلية القديمة يوصون الأهل عند الإحساس باقتراب الموت بالبكاء عليهم كشأن الشاعر الذى قال:

إذا مِتُّ فانعينى بما أنا أهلُه *** وشُقِّى علي الجَيبَ ياابنةَ مَعْبد

وقد حسم الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الأمر فى أحاديث صحيحة منها قوله:"إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه"[7] وللحديث روايات أخرى لا يختلف مضمونها عن هذه الرواية، التى يجب أن يكون المعنى فيها منصرفا إلى عذاب الميت إذا كان قد أوصى بالبكاء عليه بعد موته، وما يلازمه أحيانا من نواح وشقِّّ للملابس ولطم للخدود؛لأن ما حدث كان بسببه فيتحمل تبعته واستحقاق الوزر عليه.

أما البكاء على الميت إذا كان مجردا من الأصوات العالية، وخاليا من الندب والنياحة فلا شىء فيه، وقد فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك،فعن أنس رضى الله عنه أن رسول الله دخل على ابنه إبراهيم،وهويجود بنَفَسه، فجعلت عينا رسول الله تذرفان، فقال عبد الرحمن بن عوف:وأنت يا رسول الله؟ فقال: يا بن عوف: إنها رحمة، وقال:"إن العين لتدمع والقلب ليحزن،ولا نقول إلا ما يرضى ربنا،وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزنون" [8].

وقد تعددت الأحوال التى كان الرسول وأصحابه، يبكون فيها، ومنها الاستماع إلى آيات الوحى الكريم، والوقوف على المقابر، والبكاء على الموتى، والخوف من لقاء الله وعذاب الآخرة.

4-فلسفة البكاء عند الشعراء

نظر الشعراء -خاصة القدماء- إلى الأطلال نظرة مليئة بالحسرة واليأس والبحث عن المجهول،فكانوا يقفون عليها حيث يتأملون تاريخ من غاب عن الأنظار، أو دفن تحت الثرى، ويعتبرون بأحداث الزمان والمكان التى فرقت بين الأحباب، فكانوا يقفون على إطلال المحبوبة يبكون عليها، ويتحسرون على الأيام الخوالى التى طواها النسيان، ومن الأبيات الشعرية التى حفظها التاريخ قول امريء القيس:

قِفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ *** بسَقْط اللِّوى بين الدخُول فحَوملِ [9]

ولم يكن البكاء قاصرا فى بعض أحواله على الشاعر الذى أحب وعشق،وإنما كانت تأخذه الجرأة، فيطلب من رفيقه فى غرابة وشعور بالضعف وعجز عن مواجهة الموقف- أن يبكى معه على طلل الأحباب،مع أن هذا الاَخر لاعلاقة له بمن ارتحل وغاب عن مشاهد الوجود.

وارتبط هذا البكاء- خاصة-بكثير من الرموز والإيحاءات التى لم يهتد إليها القدماء بصورة حاسمة، وإن ارتبط البكاء على الأطلال بقضية الموت والحياة،وبالزمان والمكان،وما يتصل بهما من الحسرة والألم، والحيرة والمعاناة،وقد استوقف أمير الشعر فى الجاهلية من يبكى معه على ذكرى الحبيب،وإن كانت ذكراه لا تقتضى بشكل مقنع بكاء الصديق، فالمتوقع فى هذا الموقف المتخيل أن يطلب من يعينه على الإسعاد والصبر والاحتمال.

وتحدث الشعراء عن الراحلِين من البشر من خلال ما عُرف بشعر الرثاء، وهو مدح مَنْ مات والبكاء عليه، وذكر مآثره، كما امتد هذا الغرض الشعرى إلى غير البشر مثل بعض الحيوانات والديار والمماليك الزائلة.

واختلف صدق الرثاء وقدره بين شاعر وآخر،ومن الشعر الصادق الذى نُسب إلى حسان بن ثابت [10] يرثى فيه حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء، قوله:

بكتْ عينى وحُق لها بكاها *** وما يُغنى البكاءُ ولا العويلُ
على أسَد الإله غداةَ قالوا *** أحمزةُ ذاكمُ الرجلُ القتيل
أصيب المسلمون به جميعا *** هناك وقد أصيب به الرسولُ [11]

وتعد الخنساء أميرة لشعر الحزن والبكاء، خاصة ما قالته عن أخيها(صخر)، حيث لم تحزن امرأة على أخيها، وتقول فيه بمثل ما قالت تماضر بنت عمرو الملقبة بالخنساء التى قالت:

أعينىًّ جُودا ولا تجمُدا *** ألا تبكيانِ على صخرِ الندى
ألا تبكيان الجريَء الجميلَ *** ألا تبكيان الفتى السيَّدا [12]

ومن أحزان الشاعر محمود درويش على وطنه قوله فى قصيدة بعنوان (البكاء):

ليس من شوقٍ إلى حُضن فقدتُه
ليس من ذكري لتمثالٍ كسرتُه
ليس من حزن على طفلٍ دفنتُه
أنا أبكى [13]

5- قيمة البكاء.

إن البكاء تعبير يطرأ على الإنسان فى ظل الأحوال المتعددة التى تؤثر فيه، وتعد المرأة أكثر استجابة للبكاء من الرجل،وذلك لطبيعتها الخِلْقية،ورقتها الفطرية.

ويقول أحد العلماء:"والبكاء بالنسبة للرجل والمرأة أسلم طريقة لتحسين الحالة الصحية،وليس دليلا على الضعف،أو عدم النضج،وهو أسلوب طبيعى لإزالة المواد الضارة من الجسم التى يفرزها عندما يكون الإنسان تعسا أو قلقا،أو فى حالة نفسية سيئة، والدموع تساعد على التخلص منها،[14] ونشهد كثيراً من الرجال الأقوياء، وقد انتابت الواحد منهم حالةُ انهار فيها،ولم يستطع معها أن يسيطر على دموعه، التى ربما وجد فيها الراحة والهدوء والسكينة والاطمئنان.

وذكر العلماء المتخصصون أن دموع البكاء تختلف عن الدموع التى تسقط من العين لأسباب أخرى، وأن الدموع التى

تفرزها الغدد الدمعية للعين من أهم الوسائل الطبيعية لحمايتها، وربما امتدت الحماية إلى الجسم كله، إلى غير ذلك من الفوائد التى أقرها العلماء المتخصصون. وصفوة القول: إن البكاء ينصرف فى حق المؤمنين الصادقين إلى الخضوع والخشوع لله تعالى،ويتحقق ذلك عند قراءة القراَن، والاستماع إليه، وفى الركوع والسجود، وعند الحزن على منْ استحق أن تُذرف الدموع عليه، كما يأتى فى أحوال أخرى يبكى الشعراء على الكثير منها، ولا يصح أن يتحقق البكاء نفاقاً أو مجاملة، أو بأجر محدد.

وإذا كان البكاء تنفيسا عن حالات حزن وغضب،وخرجت الدموع بدون افتعال مصطنع فإن قيمته ستكون عظيمة،وهى من نعم الله تعالى.

الدكتور/السيد محمد الديب


[1] سورة الإسراء (109).
[2] سورة مريم (58).
[3] سورة يوسف (16)
[4] سورة التوبة (82)
[5] سورة النجم (60.59)
[6] فى كتابة (زاد المعاد)
[7] رواه مسلم.
[8] رواه البخارى، ورواه مسلم بعضه.
[9] ديوان امريء القيس ص8 طبع دار المعارف
[10] كما نسب هذا الرثاء إلى عبد الله بن رواحة وكعب بن مالك.
[11] لسان العرب لابن منظور جزء 1 ص337 و ديوان بن رواحه ص98 طبع دار التراث بالقاهرة.
[12] ديوان الخنساء ص30 دار طبع دار صادر بيروت.
[13] جزء من قصيدة بموقع الشرق الأوسط على شبكة الانترنت.
[14] من موقع الموسوعة الحرة (Mht)