لم تنصرف عزيمة الرسول (ﷺ) من خلال الدعوة الإسلامية عن هموم المجتمع وسوالبه، التى تنعكس على أفراده مهما اختلفت هويةُ كل واحدٍ منهم من حيث إقباله على الالتزام بما شَرَعه الله تعالى، ودعا إليه رسول الله (ﷺ) أو الانصراف عن ذلك واللجوء إلى العناد والشقاق والخروج عما جاء الأمر به أو النهى عنه فى القرآن الكريم والسنة النبوية، ذلك الخروج الآثم الذى يمكن أن ينطبق عليه مصطلح الفتنة التى تكرر ذكرها فى القرآن الكريم بالعديد من المواقف، التى يجب التعامل معها بما تتطلبه أحوال المسلمين جميعا، كما أن التعامل المقصود يخضع لقدرات الفرد ومدى استطاعته لمقاومة الفساد والتصدى للظلم ، ونعرض فى هذا الشأن لقول الله تعالى: "وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ؆ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ" [1]، فالآية بما جاء فى أولها وآخرها من أمر إلهى مباشر تَعْرض لقضيةٍ فى غاية الأهمية، وهى مقاومة الظلم والتصدى للمنكر، وعدم السكوت على الباطل، ذلك أن الفتنة هى الذنب، وهى شيوع المنكر بين الناس وافتراق الكلم، وتمزق الكيان الاجتماعى بصورة قد تصل إلى اهتمام الإنسان بذاته، وأهله، دون أن يفكر فى الآخرين، حتى لو لحق بهم فسادٌ طاغٍ ومنكر بغيض وما يقتربُ من ذلك مما يلحق بالإنسان حيثما كان
وندعو فى ضوء ـ هذه الآية ـ إلى حتمية التحرك الإيجابى لخدمة الحياة، وعدم الوقوع فى دوائر الصمت البغيض، الذى يبدو فى مواقف الراصدين لمسيرة الحياة، دون أن يُحسنوا التعامل معها بالصورة الإيجابية الفاعلة، وقيل إن هذه الآية قد نزلت فى أهل غزوة بدر، وأصحاب رسول الله ﷺ ، تحذيرًا لهم مما سيلحق بهم فى قابل الأيام الخاضعة لعلم الله، والذى أصابهم فى بداية حكم "على بن ابى طالب" ـ ـ وكرم الله وجهه، عندما لحقت الفتنةُ بالمسلمين فيما عُرف بيوم الجمل، حيث اقتتلوا فيما بينهم
على أن مضمون الآية يكشف عن توجيه الله وأمره للمؤمنين عامة بألا يقرُّوا المنكر فيما بينهم، فيعمهم الله بالعذاب ، وعليهم أن يلتزموا بالتقوى، لأن التخلى عنها يُسهم فى زيادة الفتنة واشتعالها، وعند ذلك لا يصيب الأذى فريقا دون آخر، وحدوث الفتنة ابتلاء دون اعتبار لمظاهره بين كونه شرًا أو خيرًا فالابتلاء بالشر فتنة تتمخضُّ بها عزيمة المؤمن فيتجلى إيمانه ومظهر تعامله مع الابتلاء بالشر. إذ يتحتم عليه ابتداء الخضوع للصبر وسائر متطلباته . كما يأتى الابتلاء بالخير أيضا، فهل سيُقدِّر المسلم قيمة عطاء الله وثمار مَنحهِ الخير؟ أو أنه سيتجاوز ذلك ويقلب الخير شرًا والإنعام خُبثًا ومكرًا، وقد جاء التعبير عن ذلك بقول الله تعالى: "وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ؆ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ" [2] وتتعدد بواعث الفتنة حيث جاء التحديد لأمرين مذكورين فى القرآن الكريم وهما الأموال والأولاد، إذ اعتبر تحقيقُهما فتنة وذلك فى آيتين متقاربتين فى الصياغة، وهما قول الله تعالى: "وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ" [3] وقوله تعالى: "إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ٔ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ" [4]
ففى ظلال الفتنة بالأموال والأولاد ينبغى على المسلم أن يتحرك بغريزته المؤمنة نحو مقاومة الفتنة فى حدود الاستطاعة المتحققة لديه، أما إذا كثر الفسادُ والتزم الناسُ الصمت، ولم يظهروا للظالم أى نوع من الرفض، فإنهم هالكون لا محالة ونذكر فى ذلك ما روته السيدة زينب بنت جحش أنها سألت رسول الله (ﷺ) فقالت له "يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون"؟ قال: "نعم، إذا كثُر الخَبَث" [5]
ورُوى عن رسول الله (ﷺ) أن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده"[6] تلك هى متطلبات المقاومة والتصدى للفتنة لأن انتشارها فى المجتمع وسكوت الناس عن حتمية التصدى لها يجعل الفساد يَسْرى بين سائر الخلق على اختلاف قدراتهم ودرجات إيمانهم، فالمسلم ينبغى أن يكون إيجابيًا فى تعامله مع المنكر فلا يرضى بانتشاره بين الناس ، ولديه من القدرة ما يستطيع بها أن يحاصر الفتنة على اختلاف صورها. وقد عرض الرسول (ﷺ) فى موقف تشبيهى يقرب به المعنى إلى ذهن المتلقى للبيان النبوى الهادف فقد روى عن النعمان بن بشير رضى الله عنهما قال: قال الرسول ﷺ : "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين فى أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على مَنْ فوقهم، فقالوا: "لو أنا خرقنا فى نصيبنا خرقًا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا" [7] ، وذلك أن الفتنة عندما تنزل بقوم لا تقتصر آثارها على الظالمين خاصة، وإنما تشمل جميع الناس الصالح منهم والطالح، وإذا شَرَعَ بعضُ الناس فى الظلم فى ظل فتنة محددة، والتزم الباقون الصمت فإن عقاب الله الشديد سوف يعم الجميع
إن المعانى والإطلاقات التى تندرج تحت الفتنة كثيرة ومتنوعة وأن مقاومتها لا تقتصر على فرد دون آخر، فالسكوت عليها تصرف سلبى مقيت، وأن الرسالة ـ رسالة محمد (ﷺ) تدعو إلى التمسك والوحدة، وتُحذر من الانقسام والفُرقة، بحيث يبقى المسلمُ قويًا بنفسهِ، كثيرًا بإخوانه، داعيًا إلى الخير، ناهيًا عن الشرِّ والله أعلم
دكتور/ السيد محمد الديب
[1] الأنفال (25)
[2] الأنبياء 35
[3] الأنفال 28
[4] التغابن 15
[5] رواه مسلم فى صحيحه، والخبث هو الفساد
[6] رواه الترمذى فى صحيحه
[7] رواه البخارى واللفظ له كما رواه الترمذى وابن حنبل . ومعنى استهموا أى اقترعوا