يخضع الإنسان فى حياته العامة وعباداته الخاصة إلى درجات من روعة التذكر ، وما له من فضائل ، وقيمة النسيان وما له من فوائد .
وتتجلى صفات عباد الرحمن – فى ظلال الخطاب الإسلامى – صعوداً إلى إكرام الله وإحسانه ، وابتلاءً وامتحانا بالنسيان وآثاره ، هذه التى يكرمهم الله بها فلا يؤاخذهم عليها، ما دام سلوكهم غير مرتبط بغفلة أثارها الشيطان الرجيم، الذى ينبغى مقاومته ، والتصدى له بكل الوسائل الإيمانية المتاحة .
1- معنى النسيان ، وأهميته ، وأثره فى تكوين شخصية المؤمن .
النسيان صفة من الصفات التى تدخل فى التكوين الخلقى للإنسان حسب الاستعداد الفكرى ، الذى يختلف من شخص لآخر، ويتجلى فى عدم القدرة على استرجاع المعلومة المطلوبة فى الوقت المناسب ؛ لعدم قدرة الإنسان على ضبط ما أودع فى ذاكرته ، وذلك راجع إما لضعفها، وإما لكثرة الشواغل التى تحيط بالإنسان، وإما لإهمال وتقصير فى تنمية الذاكرة وتنشيطها، وذلك من طبائع البشر فلم يسم الإنسان إنسانا إلا لكونه قابلا للنسيان، وضعف الذاكرة لأسباب متعددة. ويكاد النسيان يتلاشى ويضعف فى زمن القوة والنشاط عند المرء، فتقوى فيه صفة التذكر، وشدة الوعى، وكثرة المخزون من المعارف المكتسبة على مر السنين، ذلك أن معنى النسيان هو فقد التذكر وعدم إمكانية استرجاع المعلومة عند الحاجة إليها، وقد يكون النسيان مرضا عضويا أو نفسيا يأخذ اسم مصطلح علمى كالزهايمر، هذا الذى ينبغى علاجه علاجاً طبياً مناسباً ، ولا عذر للإنسان فيما يترتب على هذا المرض من آثار .
والتذكر – ابتداء – فضيلة ينبغى للإنسان أن يشكر الله عليها، إذ يسترجع سجل حياته ودفاتر أحواله فيبحث عما فيها من هموم فيصلحها أو جراحات فيداويها، أو حسنات فيزيد منها ، أو سيئات فيندم عليها ، ويواصل مسيرة حياته مع عبادته لربه ، فينمو إيمانه ويزداد وعيه ، وينتقل بهذه الفضيلة من نطاق توجيه العبادة لله إلى خير التعامل بها مع البشر.
ويأتى النسيان قيمة ونعمة ، ينتصر فيها المؤمن على أحزانه، التى تولد لديه كبيرة ثم تصغر، وتتضاءل مع مرور الأيام والليالى ، ولذلك فإن النسيان من الفضائل التى أنعم الله بها على الإنسان، الذى يجب عليه أن يدرك أن النسيان فى كل أحواله لا يليق بالله، وليس من صفاته قال تعالى : "وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا" [1] وللنسيان أسباب كثيرة يرجع بعضها إلى تزاحم المعلومات فى ذاكرة الإنسان ، وعدم ترتيبها ، فضلاً عن الإرهاق الذى يلحق بالجسم، وكثرة المسئوليات، وعدم ربط المعلومات بقرائنها ، مما يجعل المعلومة ضعيفة وهشة فى أذهان الناس ، وعدم الاستعانة بالكتابة، التى تسهم فى ترسيخ المعلومة فى ذهن كاتبها ، كما تعد مقاومة النسيان مطلبا مهما فى حياة المؤمن، ذلك أن التحصن بالتقوى والابتعاد عن المعاصى، والحياة فى ظلال الإيمان تحمى ذاكرة الإنسان .
وقد أقر ذلك الإمام الشافعى رضى الله عنه، وذلك من خلال نصيحة أستاذه وكيع ابن الجراح له :
كما أن من صفات رسول الله - ﷺ - الفطانة والبلاغة والفهم والإدراك، إذ أنه لا ينسى ، وإذا تناسى فيكون لحكمة تشريعية تتناسب مع طبائع الدعوة والتبليغ، وقد قال الله سبحانه وتعالى فى مخاطبته "سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ" [2] ، أما النسيان فى حق البشر فأمر مختلف وذو أثر متغير فى الحياة .
2- التسامح ، وعدم المؤاخذة على النسيان .
النسيان طيبعة إنسانية ، لا يلام المرؤ عليها ، ما دامت غير خاضعة للتعمد والغفلة والتكاسل ، إذا لم ينتقل إلى حالة من التطبع فيصير ذنباً وإثماً، تختلف درجاته ، حسب مستوى التصور الحاصل من شخص لآخر .
وقد تجلى إنعام الله على عباده ، وذلك بعدم مؤاخذتهم على النسيان ، الحاصل منهم بلا قصد فى العبادات ، التى يستلزم الوعى والإدراك فيها، حيث يتجلى فضل الله وكرمه فى التسامح مع الناسى فى أداء صلاته ، ووجب عليه - جبراً لذلك – أن يجتهد فى استكمال ما تحقق غير تام ، ثم يسجد فى نهاية الصلاة سجدتين للسهو ، فعن أبى هريرة رضى الله عنه ، أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن أحدكم إذا قام يصلى ، جاءه الشيطان فلبس عليه ؛ حتى لا يدرى كم صلى ، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين ، وهو جالس" [3] .
وفى حق الصيام ، قال - ﷺ - : "إذا كان أحدكم صائما ، فنسى فأكل وشرب ، فليتم صومه" [4] .
ومن أدعية القرآن فى عدم المؤاخذة على الخطأ والنسيان ، قول الله تعالى : "رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا" [5] .
ويأتى البيان النبوى متواكباً مع القرآن الكريم فى تأكيد التسامح الإلهى مع أمة الإسلام ، ذلك ما ذكره الرسول - ﷺ - فى قوله : "إن الله تجاوز عن أمتى الخطأ والنسيان" [6] .
وذكر القرآن الكريم فى عرض قصة سيدنا موسى دعاءه بالرغبة فى التجاوز عن النسيان قال تعالى : "قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا" [7] كما ينبغى العلم بأن النسيان له فوائد وإيجابيات ينبغى للمسلم أن يكون على بصيرة منها، وذلك كالأحقاد والضغائن وبعض أخطاء الآخرين فى حق الإنسان الذى يجب عليه أن يتحلى بالعفو والتسامح والتناسى ، حتى تستقيم أمور الحياة.
3- مضار النسيان فى حياة الإنسان .
إن أخطر ما يكون عليه النسيان هو حدوثه ، من خلال سيطرة الشيطان على الإنسان ، فيغيب ذهنه ويتشتت فكره ، ويغفل عن ذكر الله بدرجات مختلفة، وأخف ما يكون ذلك فى حق الأنبياء ، كسيدنا آدم إذ قال الله تعالى فى شأنه: "وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا" [8] وكان موسى وفتاه قد نسيا الحوت ، وهو الطعام اللازم لهما ، وجاء أوانه فتنبه الفتى حسبما ذكره القرآن الكريم على لسانه: "قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ۚ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا" [9]
ويسيطر الشيطان على الإنسان فينسى ما يجب عليه أن يتنبه له ، وهو ذكر الله تعالى قال : "اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ" [10] .
وعندما تغيب المعالم البارزة فى حياة المرء، ويمعن فى تخبطه ويضل عن سبيله فإن سفينة إبحاره تحتاج إلى رفع شراع الإيمان، الذى يتمثل فى ذكر الله تعالى ، حيث يعد الغياب عنه ضلالا مبينا وإثما كبيراً، ولا علاج له إلا بذكر الله، الذى أكده القرآن فى الكثير من الآيات منها قوله تعالى: "إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا" [11] .
ومن مخاطر هذه الغفلة نسيان القرآن الكريم دستور الإسلام، وأعظم المعجزات، وأخلد المقدسات ، الذى يجب على المؤمن أن يتعهده بالتلاوة والفهم، فعن أنس رضى الله عنه عن النبى - ﷺ - قال : "عرضت على ذنوب أمتى فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن ، أو آية أوتيها رجل ثم نسيها" [12] .
ومن دعاء ختم القرآن هذه العبارة القيمة : "اللهم ذكرنى منه ما نسيت" وقد يكون النسيان سببا دافعا للإنسان؛ لكى يحرص على الإكثار من تلاوة القرآن الكريم؛ خوفا من تفلته منه، وعدم السيطرة عليه ؛ لأن النسيان صفة من صفات الإنسان التى تقوى وتضعف؛ خضوعاً لاعتبارات متعددة .
وأما النسيان فى حق النبى - ﷺ - فهو جائز فى الأمور العادية والحياتية كما يمكن وقوعه منه - ﷺ - فى الأمور المأمور بتبليغها بعد أن يكون قد تم الإبلاغ عنها .
ويجب على الإنسان أن يكون حريصاً على إصلاح بدنه ومعالجة أدوائه وتنمية ذاكرته بالنوم المستحق للجسم والتغذية المناسبة، وممارسة الرياضة البدنية والذهنية - إن تيسر ذلك - فى حدود استطاعته ، والاستشفاء من الأمراض التى تؤثر فى درجة تركيزه وانتباهه .
ولا تتوقف خطورة النسيان على العبادات الواجبة وإنما تمتد إلى مجال العلاقات الإنسانية التى يجب صيانتها ورعايتها فيتذكر المؤمن ما عليه من واجبات تجاه الآخرين بما فيها من كرم ومودة وفضل وإحسان قال تعالى: "وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" [13] .
ويتجسد التناقض السلوكى مع بعض الناس ، الذين يأمرون الآخرين بالبر، ويحضونهم عليه ثم ينسون أنفسهم ، ويغفلون عما يجب عليهم بصورة تكشف عن كسل فى صيانة إيمانهم، وذلك ما جاء فى قوله تعالى : "أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ" [14] فالاستفهام فى الآية معناه النفى والإنكار لما يمكن أن يقع من هذا الصنف من الناس .
فالنسيان نعمة ترتبط بحياة الإنسان، حيث تتلاشى به الأحزان والهموم والمشكلات، فى ظل العلاقات الإنسانية، التى لو بقى المؤمن واعياً ومتذكراً لكل ما لحق به لعاش فى عداوات وهموم ، لا أول لها ولا آخر .
ويأتى النسيان إهمالاً وتغافلاً لا يليق بالمؤمن، التى يتحتم عليه التذكر الفاعل للعبادة ، ولسائر المتطلبات المنوطة به فى الدين والحياة .
الدكتور/السيد محمد الديب
[1] سورة : مريم ( 64 )
[2] سورة : الأعلى ( 6 ) .
[3] رواه البخارى – فتح البارى جـ3 ص125 "حديث 1232"
[4] رواه ابن حنبل .
[5] سورة : البقرة (286) .
[6] رواه ابن ماجة .
[7] سورة : الكهف ( 73 )
[8] سورة : طه ( 115) .
[9] سورة : الكهف ( 63 ) .
[10] سورة : المجادلة ( 19) .
[11] سورة : الكهف (24) .
[12] رواه الترمذى وأبو داود – وقد ورد فى هامش التاج الجامع للأصول جـ4 ص8 قوله : "لا يليق من نسى شيئاً من القرآن أن يقول "نسيت كذا وكذا" ؛ لأن النسيان هو الترك " ولا يليق هذا بالقرآن " ، بل الأدب أن يقول : أنسيت كذا وكذا .
[13] سورة : البقرة (237) .
[14] سورة : البقرة ( 44 ) .