تعود أصول التخليق الإلهي للبشر إلى أصل واحد، وهو الطين، الذي أنشأ الله تعالى منه آدم عليه السلام في بدء الإعمار الكوني بتفصيلات تغيب عنا، ولا يحيط ببدايتها إلا الله تعالى شأنه (لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) [1] ذلك أنه سبحانه حدد البدء البشري بما جاء في قوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ) [2] وانبثق من النفس الإنسانية زوجها؛ لتفعيل النشأة الأولى، فكانت حواء، وأن مفردات اللغة فيما يخص أصل الإبتداء تخدم قضية البدء بالطين، والذي تتشكل مكوناته من ألوان عديدة ممثلة لأشكال البشر كالأسود والأبيض والأحمر، وهي من بين الألوان الواردة في الوحي الكريم، وأن الهدي النبوي يقُّر ذلك بصياغة مباشرة في حديث رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله تعالى خلق آدم من قبضةٍ قبَضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم علي قدر الأرض، منهم الأحمر والأسود والأبيض والأصفر، وبين ذلك، والسهل والحَزْن والخبيث والطيب"[3]
1- عموم الإختلاف بين البشر:
بدأت عمارة الكون بالمخلوقات البشرية ذات الألوان المتعددة والمختلفة منذ بدء التكاثر من خلال آدم عليه السلام وحواء وأبنائهما، ولم يقتصر الاختلاف في المسيرة الإنسانية – علي لون الخلقة، وإنما امتد إلى جوانب متعددة، ولعلنا نلحظ أن الطبائع الآدمية قد تجلي الاختلاف فيها بصورة مباشرة بين اثنين من أبناء آدم كانا قاتلا ومقتولاً، وقيل إن اختلاف الناس في الألوان قد بدأ من عصر أبناء نوح، وهم سام وحام ويافث، وقد روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: "سام أبو العرب وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم"[4]
وأسفرت الكثرة في أعداد البشر عن توزع الناس، وانقسامهم إلى شعوب وقبائل، وتميز بعض الخلق علي الآخرين بالتقوى والقرب من الخالق، والتي صاروا بها كرماء مكرمين عنده سبحانه، وذلك بعض ما يهدي إليه مضمون قول الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). [5]
وجاء الخطاب القرآني في هذه الآية بالمدينة إلى سائر الخلق في مرحلة الرسالة الإسلامية، لكن الخطاب يعود في بعضه أو مجمله إلى بدء الاختلاف بين الناس من ناحية الجنس واللون، وبينت كتب التفسير لهذه الآية أن الغاية من جعل الناس شعوبا وقبائل ليست التناحر والخصام والنزاع والشقاق، وإنما هي التعارف والتوافق والوئام، وقال في ذلك صاحب الظلال: "فأما اختلاف الألسنة والألوان، واختلاف الطباع والأخلاق، واختلاف المواهب والاستعدادات لتنوع لا يقتضي النزاع والشقاق، بل يقتضي التعاون؛ للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات".[6]
وقوله تعالى (إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ) وهما آدم وحواء، أو خلق الله كل واحد من ذكر وأنثى، أي من أب وأم (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ) والمعنى من ذلك كما قال الزمخشري – قدس الله سره – "أن الحكمة التي من أجلها رتبكم علي شعوب وقبائل هي أن يعرف بعضكم نسب بعض، فلا يعتزي إلى غير أبائه، لا أن تتفاخروا بالآباء والأجداد، وتدعوا إلى التفاوت والتفاضل في الأنساب"[7]، وقدم القرآن الشعوب لأنها أعم من القبائل، والقبائل أعم من الفصائل، فَجْعلُ الناس شعوبا وقبائل لا ينبغي أن يكون سببا للتناحر والتفاخر بالأنساب، وإنما ليتحقق التعارف بينهم، وتستمر الحياة، وأفادت الآية أن الأكرم عند الله هو الأتقى، وليس للنسب – مهما كان قدره – أي اعتبار في التفاضل والاختلاف بين شخص وآخر.
وذكر القرآن أن الاختلاف متحقق وحادث بين البشر، كما تشهد نواتجه وآثاره بين الخلق، ولكن المرفوض في حدوثه أن تتحول آثاره إلى تمذهب بغيض، أو تفريق وتشتيت بسبب اللون أو اللغة أو النسب وما شابه ذلك.
ونعرض لآية ثانية تتحدث عن الاختلاف الحاصل والمستمر بين الناس في سائر الأزمنة حسب تقرير القرآن لذلك يقول الله تعالى (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ {118} إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ...) [8]
فهذه الآية واحدة من الآيات الداعية بصورة غير مباشرة إلى التأمل في قدرة الله بصياغة قرآنية مرتبة، حيث يقول المشهد الأول: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً) فهذه الأمة تكون في مرحلة متأخرة من عمر البشر، وهي أمة الإسلام، التي نصت آيات أخرى علي وحدتها، أو ينبغي أن تكون واحدة متحدة، قال تعالى (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) [9]، وأن ينصرف المعنى في قول الله تعالى: (وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) بحق آية (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ) إلى التوجه في اختلاف الأمم السابقة عند استقبالها لرسولها بين أمة وأخرى، فيكون منهم المؤمن ومنهم الكافر، بمعنى أن هذا الاختلاف حاصل في الشأن المذكور جملة وتفصيلاً، وتاريخ الرسل مع أقوامهم عامر بالأدلة الداعمة لهذا الموضوع، وصولاً إلى أمة الإسلام فالاختلاف في قوله: (وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) في العقيدة أو في الرزق، وعلي هذا الشان خلقهم، أو أنهم صاروا إلى ذلك باستثناء من اشتملته رحمة الله تعالى، وهذا ما تواصل بيانه في قوله (إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) وهي الحُكْم الفاصل أو النتيجة الحاسمة، لكينونة فريق في الجنة وفريق في السعير.
فأمة الإسلام واحدة، وينبغي أن تكون متحدة، وجعل الله الأمم متعددة من حيث العقيدة ومختلفة في مستويات الرزق، وأن النتائج السالبة للاختلاف مترتبة ومتعانقة مع رحمة الله وتقديره، وقضائه للمصير الأخير لاستحقاقات الناس.
اختلاف لغات البشر:
جاء في سورة الروم قول الله تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ) [10]
وتفيد الآية أن اختلاف الألسنة من دلالات قدرة الله تعالى، والقصد من اللسان هو الكلام بلغة للتخاطب وإكمال التعامل بين البشر، ولكل فصيل حي لغة أو إشارة يتعامل بها، مثل الصم والبكم والطير، ومثل الملائكة الذين لهم تسبيحات بين أهل السماء تختلف عن غيرهم.
وقد بدأ الإنسان في التعلم للأسماء والتعرف علي آلية الخطاب، وكان ذلك منذ آدم عليه السلام، قال تعالى (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا) [11] وكثرت أعداد البشر، وانقسموا إلى شعوب وقبائل ومع كل فصيل منهم لغته، التي يتعامل بها مع غيره، وصارت الألسنة مختلفة، وتنوعت اللغات كالأعجمية والعربية، وجاء بعث الرسل بألسنة أقوامهم، ليكتمل التواصل باللغة المتعامل بها، قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ). [12]
وتوسع العلماء في بيان نشأة اللغات وإرتباطها بالشعوب، وذهب السيوطي إلى "أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات، كدويّ الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيج الحمار، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونزيب[13] الظبي ونحو ذلك، ثم وُلِّدت اللغات عن ذلك فيما بعد، وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبَّل"[14].
والكائن من خلال مسيرة البشر، سواء أكان ذلك قبل زمن الطوفان، في عهد نوح عليه السلام، أو بعده حدوث الخلاف بين لغة وأخرى، وأن تاريخ اللغات قد جرى دون تحديد كامل لمعالمه وذلك أيضا -عند تتبعه- تلمس فيه جوانب من القدرة الإلهية علي تحققه – كما ذكر الزمخشري – حيث قال: "الألسنة: اللغات أو أجناس النطق وأشغاله، خالف عزَّ وعَلاَ بين هذه الأشياء، حتى لا تكاد تسمع منطقين متفقين في همس واحد ولا جهارة ولا حدة ولا رخاوة ولا فصاحة، ولا لَكْنة، ولا نظم، ولا أسلوب، ولا غير ذلك من صفات النطق وأحواله".[15]
وكان تعدد اللغات دلالة أيضا علي القدرة الإلهية، إذ يستحيل أن يسمع الإنسان منطقين متساويين في الكيفية والمخارج والنبرة وأشياء أخرى تتميز بها لغة عن لغة، ولهجة عن لهجة.
فاختلاف اللغات في طريقه للتقارب في ظل التواصل الحادث بين جماعات من البشر خلال تطور وسائل الاتصال، وأن ترجمة آية لغة إلى أخرى إحدى وسائل التقارب وإمكان التواصل بين سائر الخلق، فإذا ما تحقق الاختلاف في اللغات بالصورة الحادثة، وأمكن التعامل والتفهم والتحاور – بتذليل الله لعقبات التقارب مع عدم التنافر بين الناس فيكون هذا في مجموعه بعض دلالات القدرة الإلهية علي تسيير الله لحركة الحياة، مع الاختلاف في الألسنة، والاختلاف في أشياء أخرى كثيرة، أمكن تذليلها للتعايش بين الشعوب والقبائل.
3- الاختلاف في ألوان البشر:
يعود الاختلاف في ألوان البشر إلى آدم عليه السلام، فقيل إنه كان أبيض مع حُمرة، وأن الألوان المختلفة بوضوحها المعتاد قد تحققت في ذريته، وأن الاختلاف مع كثرته من دلالات القدرة علي عظمة الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يقتصر علي الإنسان، وإنما يشمل سائر المكونات لكل ما في الأرض والسماء كالجبال والدواب والثمرات وغيرها.
وأثبت القرآن الكريم كلمة اللون ومشتقاتها في تسعة مواضع حسب متطلبات الموقف في النص الكريم، واشتملت عليها سبع آيات تحديداً، وجاء ورودها في خمس سور، هي: [البقرة ، والروم، والنحل، وفاطر، والزمر] وأن هذا التناول العام لبيان الألوان قد جاءت تفصيلاته في القرآن الكريم، مع عدم اقتصاره علي الإنسان وهو موضع العناية والتتبع في هذه السطور، حيث ذكر القرآن الكريم ستة ألوان محددة، كان اللون الأبيض أكثرها ورودا، إذ ذُكر إحدى عشرة مرة، وهو لون مريح، ويبعث علي التفاؤل، ويحسن استعماله في أمكنة وأزمنة متعددة، أما اللون الأخضر فقد جاء في ثمانية مواضع بالقرآن الكريم بعدد أبواب الجنة، وجاء اللون الأسود في سبعة مواضع، بعدد أبواب جهنم، وكثيرا ما جاء التقابل بين الأسود والأبيض خاصة أن السواد مرتبط في كثير من الأعراف الاجتماعية بالحزن والأسى والحسرة، بينما جاء الأصفر في خمسة مواضع وكل من الأحمر والأزرق في موضع واحد.
وعرض المفسرون لآية الروم وما فيها من دلالات للقدرة والوصول إلى أن الاختلاف بين البشر تتحقق به مصالح كثيرة، خاصة في ظل الاختلاف في الألسنة والألوان.
وذكر الزمخشري – رحمه الله – أن الاختلاف في اللون يتحقق به التعارف بين الصور للبشر وغيرها، وقال فيما يخص الألوان بين الناس: "وإلا فلو اتفقت وتشاكلت، وكانت ضربا واحدا لوقع التجاهل والالتباس، ولتعطلت مصالح كثيرة، وربما رأيت توأمين يشتبهان في الحلية فيعروك الخطأ في التمييز بينهما، وتعرف حكمة الله في المخالفة بين الحُلي، وفي ذلك آية بنية، حيث ولدوا من أب واحد وفُرِّعوا من أصل فذ، وهم علي الكثرة التي لا يعلمها إلا الله مختلفون متفاوتون"[16]
وقد أورد بعض العلماء قضية اختلاف الألسنة والألوان فقال: قد أوضح تعالى في غير هذا الموضع[17]، أن اختلاف ألوان الأدميين واختلاف ألوان الجبال والثمار والدواب والأنعام، كل ذلك من آياته الدالة علي كمال قدرته، واستحقاقه للعبادة وحده، واختلاف الألوان المذكورة من غرائب صنعه تعالى وعجائبه، ومن البراهين القاطعة علي أنه هو المؤثر جل وعلا، وأن إسناد التأثير للطبيعة من أعظم الكفر والضلال. [18]
وأوضح الرسول صلى الله عليه وسلم أن ألوان البشر لا ينبغي أن تكون مثارا لهجوم أفراد أو جماعات علي الآخرين، مما يعني في الإطلاق العام أن الإسلام قرآنا وسنة يرفض أي تفرقة عنصرية للبشر، يكون اللون فيها سببا للرفع والخفض في المنزلة، أو إزدراء إنسان لآخر، أوتميز إنسان علي آخر، لأن الأصل في اللون راجع إلى آدم عليه السلام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"[19]، وأن المقصود بما في القلوب هو التقوى المستندة إلى الأعمال الصالحة، دون تدخل للون أوهيئة أو سلطة، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال له "انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى الله"[20]، وتعددت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر، بصياغات مختلفة وروايات متعددة، وكلها يثبت أهمية الإيمان بالمساواة بين الناس، وأن الاختلاف في اللون لا ينبغي أن يكون دافعاً يتميز صاحب لون، علي آخر فقال عليه الصلاة والسلام: "لا فضل لعربي علي أعجمي، ولا لعجمي علي عربي، ولا لأحمر علي أسود، ولا أسود علي أحمر إلا بالتقوى"[21]، وتجلت المساواة وعدم التفريق بين البشر بسبب اللون في صورة واقعية فقد قال أحد الصحابة[22] رضي الله عنه لسيدنا بلال يُعيرُه بسواده: يا ابن السوداء"، فغضب الرسول عليه الصلاة والسلام، وقال لمن عير بلالاً بسواده: "إنك امرؤ فيك جاهلية"[23]
ولم يرض هذا الصحابي الجليل إلا أن يضع خده علي الأرض، ليطأه بلال بقدمه، اعتذارا عن كلمته المرفوضة، التي ربما قالها من غير روية وتبصر بمردودها علي نفسية مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا موقف آخر بحق بلال رضي الله عنه، يعود إلى زمن انتقاله من ملك صفوان بن أميه إلى معية أبي بكر رضي الله عنه، فقد قال صفوان لأبي بكر عندما شرع في شراء بلال: "والله لو دفعت به درهما واحداً لبعتكه" فقال أبو بكر: "والله لو طلبت مائة ألف درهم لأعطيتكها" فلما أخذه وضع يده تحت إبطه، وقال هذا أخي حقاً، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذكروا أبا بكر الصديق قالوا هو سيدنا وأعتق سيدنا، يعنون بلالاً.
وهكذا أوضحت أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام أهمية تفعيل المساواة بين البشر، وأن الفروق الشكلية واللونية بين الناس لا ينبغي أن تكون طاعنة للمساواة العادلة، ذلك أن لون الجسم يكون من ظاهره، إذ لا يمثل إلا قشرة رقيقة، تتحد تحتها الألوان بين الناس مما يؤكد أصالة المساواة وعَرَضَية اللون الظاهري.
4- الاختلاف تحت ظلال التقوى:
إن الاختلاف بين البشر حادث لكل ذي عينين، من حيث التكوينات الخِلْقية والتشكيلات الإجتماعية كانقسام الناس إلى شعوب وقبائل، وما تناسل منها، والاختلاف في وسائل التواصل كاللغة وغيرها، والاختلاف في الألوان كالأبيض والأسود وما بينهما، وما أضيف إليهما، وأن هذه الاختلافات علي عمومها ينبغي أن تؤخذ بعين الإعتبار من الصفوات الرشيدة العالمة، التي تستند علي قواعد ثابتة، وأرضية صلبة، تتجلى في عموم مكونات التقوى المنصوص عليها في آية الحجرات المؤكدة، وذلك قوله تعالى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ذلك أن هذه الاختلافات المذكورة تفقد مضارها ومساوئها الذميمة، إذا تظللت العلائق الإنسانية بغطاء التقوى، الذي يحتمي به الأتقياء، وهو كما ذكر تفسير الظلال: "اللواء الذي رفعه الإسلام؛ لينقذ البشرية من عقابيل العصبية"[24] للجنس، والعصبية للأرض، والعصبية للقبيلة، والعصبية للبيت". [25]
وتنتهي الآية بقول الله تعالى (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، أي عليم بما كان وبما يكون، ويتواكب مع ذلك بصورة شاملة ما جاء عن خَلْق الإنسان، واختلاف لغته ولونه في آية الروم، التي ختمت بقول الله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ) فخلق الإنسان وبقائه علي الأرض حاصل باختلافات تزيد وتنقص، كما يتجلى هذا الاختلاف بتشكيلات متسعة في اللغات المعبر عنها في المصطلح القرآني بالألسنة، وكذلك الاختلاف في الألوان، فهذه المعطيات مع وجودها في أرض الواقع، فإنها مشروطة بأن تكون أسباباً ومعطيات، لتحقيق التقارب بين الناس، وعدم التنافر والتباعد في ظلال التأمل والتدبر في سائر خلق الله تعالى.
الدكتور/السيد محمد الديب
[1] سورة الأنعام الآية 2
[2] سورة الأنعام الآية 2
[3] أخرجه الترمذي 2955 وابن حبان 6160، وصححه الألباني في صحيحه 1630.
[4] رواه أحمد والترمذي، وإسناده ضعيف.
[5] سورة الحجرات الآية 13.
[6] في ظلال القرآن، ج6، ص3348.
[7] تفسير الكشاف، ج3، ص569.
[8] سورة هود الآية 118 ، 119.
[9] سورة الأنبياء الآية 92.
[10] سورة الروم الآية 22.
[11] سورة البقرة الآية 31.
[12] سورة إبراهيم الآية 4.
[13] النزيب: صوت تيس الظباء عند السفاد.
[14] المزهر، ج1، ص14.
[15] تفسير الكشاف، ج3، ص218.
[16] تفسير الكشاف جـ3، ص218.
[17] يقصد آية الروم.
[18] القول للشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله – (في أضواء البيان، ج6، ص173).
[19] رواه مسلم في كتاب البر.
[20] رواه أحمد.
[21] أخرجه أحمد في سننه.
[22] هو أبو ذر الغفاري رضي الله عنه.
[23] أخرجه مسلم في صحيحه.
[24] العقابيل: الدواهي والعقبات، ومفردها: العقبول، وهو الشديد من الأمور، وبقية العلة والعداوة.
[25] في ظلال القرآن ج6، ص3348.