لقد دعا الإسلام إلى أن يكون المسلم على وعْىٍ وإدراك لكل ما يشهده ويصل إلى مسامعه، ذلك أن إعمال الفكر مدعاة إلى نظر الإنسان فى ملكوت الله بالأرض والسماء، حتى يتشكل كيانه، ويتسع إدراكه، وتصير له قدرة على قول الشيئ المفيد، وترك ما لا يفيد بإرادته الخاصة، وبلا فرض وإكراه من الآخرين، إذ أن هذه العطاءات الإلهية للإنسان حق مشروع يستفيد به لنفسه ولغيره، ما دامت لديه قدرات معرفية تؤهله إلى إعلان ما يراه ويعلمه بضوابط حاكمة لا تحيد عنها.
والاستقلال بالرأى أمر داعم لكيان المسلم وحرية رأيه، وقوة شخصيته، وعدم الخوف ما دام قوله حقا ولا يُعرّض فيه بالإساءة والتجريح لغيره، وما دامت الثقة فى الله قائمة ومفعلة ومصحوبة بالتوكل على الله تعالى الذى قال: (إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ) ([1])
إن إتاحة الفرصة لصاحب الرأى أن يعلنَه، ويستقلَ به، ويُنسب إليه إعلانٌ عن مبدأ الشورى، الذى أمر الله به كل تصاريف الحياة، وفى الفهم والإجابة عن أحوال الآخرة، قال تعالى: (وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ)([2])، وخوطب رسول الله ﷺ بمشاورة أصحابه، وتمكين كل صاحب رأى من أن يعلنه دون خوف قال تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ ۖ)([3])، وكانت حياة الرسول قدوة لأصحابه، ولمن جاء بعدهم فى الدعوة إلى الاستقلال بالرأى، فى كل الأمور التى يحق للإنسان أن يبدى رأيه فيها.
ونعرض فى هذا المقام لحديث نبوى ذائع مشهور، رواه حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يكن أحدكم أمّعة، يقول: أنا مع الناس، إن أحسنَ الناسُ أحسنتُ، وإن أساءوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم"([4])
والإمع: الذى يقول لكل أحد: أنا معك، ولا يثبت على شيئ لضعف رأيه، وهو المقلد فى الدين أى يبطل ويهمل فكره ورأيه، وهو المتردد الذى لا يثبت على صنعة أو فعل أو رأى، وتُزاد التاء فيه للمبالغة([5])
ومعنى: وطن نفسه على شيئ: أى مهدها لفعله وذللها وهيأها له.
والمعنى: أن هذا الحديث يدعو إلى محافظة الإنسان على ذاته، وأن يرقى بها، وأن يستثمر معارفه وإدراكاته لخدمة نفسه، وإعانة الآخرين بطرح ما لديه من رأى فيقولُه ويُعلنه؛ حتى تقوى الحجة المزمع الاهتداء بها، فبدلا من أن يكون الاختيار لرأى واحد فالأفضل أن يكون الانتقاء لرأى من مجموعة آراء، لكن الشيئ الذى لا يصح حدوثه أن يتبع الإنسان غيره بلا فكر وروية، فإذا أحسنوا كان تابعا لهم فى إحسانهم، وإن أساءوا تابعهم أيضا فى إساءتهم، وهذا ليس من منهج الإسلام فى تقدير الإنسان، ودعوته إلى إعمال الفكر، والتأمل فى نتائج الأفعال، وقال الرسول مستدركا فى الحديث: "وطنوا أنفسكم" بمعنى اعتمدوا على آرائكم بوعى وإدراك، واحملوها على فعل الصحيح، وعدم اتباع الآخرين فى سائر الأحوال، فإذا أحسنوا فعلى الإنسان أن يكون محسنا، وإن أساءوا فعليه أن يجتنب الإساءة، وإذا قدر على الانتقال بهذا الاجتناب خطوات إلى الأمام كان ذلك بكل تأكيد أفضل وأحسن، فينهى عن المنكر والسوء، وفق استطاعته، باليد، أو باللسان، أو بالقلب على أقل تقدير، وبحيث لا يعتنق رأيا أو مبدءا إلا إذا كان توجهه مبنيا على دليل صائب وحجة قوية.
ومن الخطأ البين فى خلق الاستقلال بالرأى أن يتمسك به صاحبه إذا وجه بضعفه وفساده، وعند ذلك يمكن أن يتحول إبداء الرأى من صاحبه إلى جدل عقيم، وقيل فى هذا الأمر ما يلى: "وليس معنى الاستقلال بالرأى أن تحتفظ برأيك وتستبد به، ولو ظهر وجه الخطأ فيه، بل المقصود أن تتمسك برأيك، متى كان صحيحا، ومادام الخير فيه لك ولأمتك، أما إن ظهر خطؤه، وبان شره، فعليك أن تعدل عنه إلى الرأى الصائب، المبنى على الحجة الصادقة، والذى لا يتكون عادة إلا بعد التفكير والروية، واستعراض جميع الاحتمالات"([6])
وينبغى لصاحب الرأى أن يعلن رأيه فإذا لم يتيسر له ذلك فعليه أن يلتزم الصمت ويلوذَ بالسكوت، فبعض من ليس لهم رأى واضح يرون أن الصمت منقصة لهم فيلجؤون إلى الكلام الأجوف، ويهرفون بما لا يعرفون، فيسيئون ـ صراحة أو تعريضا ـ إلى الآخرين، مع أنهم فى الحقيقة يسيئون إلى أنفسهم أولاً، قال رسول الله ﷺ: "رحم الله عبدا تكلم فغنم أو سكت فسلم"([7]) وربما يتاح للإنسان رأى صائب، لكنه يلوذ بالصمت لمجرد أن رأيه لا يُرضى أحدًا، مصداقا لقول الرسول ﷺ: "لا يمنعن أحدكم مخافةُ الناس أن يتكلم بحق إذا رآه أو عرفه"([8])
ولا يصح بأى حال من الأحوال أن يحتقر الإنسان نفسه فلا يتشجع على إبداء رأيه، لأى أمر راجع إليه أو لغيره، أو لتخوف مبالغ فيه يظن استحالة السلامة منه، وجاء بيان ذلك فى الحديث الذى رواه أبوسعيد الخدرى قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يحقرن أحُدكم نفَسه، قالوا: يا رسول الله: كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: يرى أمر الله فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول اللهُ يومَ القيامة: ما منعك أن تقول يوم كذا وكذا، فيقول: يا ربى، خَشْية الناس، فيقول: فإياى كنتَ أحقّ أن تخشى"([9])
ويوجب الإسلام خلق الاستقلال بالرأى، ويرفض تقليد الآخرين، ويحض على السير مع الناس، إذا كان السبيل منفذا إلى الخير والإحسان، فالدال على الخير كفاعله، مع حتمية أن يتحمل صاحب الرأى نواتج رأيه؛ تأكيدا لمسئوليته الذاتية، فلا يسفه آراء الآخرين، ولا يسكت عند العلم والمعرفة، ولا يجامل أو يصانع أو يتخلى عن عزته وكرامته.
دكتور/ السيد محمد الديب
([1]) آل عمران 160
([2]) الشورى 38
([3]) آل عمران 159
([4]) رواه الترمذى
([5]) المعجم الوسيط مادة إمع
([6]) الأحاديث النبوية للدكتور أحمد الحوفى وآخرين صـ87 ـ المطابع الأميرية عام 1957م
([7]) رواه البيهقى
([8]) ذكره الألبانى فى السلسلة الصحيحة
([9]) حديث حسن أخرجه أحمد عن عبدالله بن نمير عن الأعمش وأخرجه ابن ماجه، ورجاله رجال الصحيح 400، وأثبته الحافظ المنذرى وقال: وأثبته الألبانى فى السلسلة الضعيفة برقم (8672)