لقد خلق الله الإنسان، وميزّه بالعقل، تكريما وتقديرًا ليرقى عن سائر الكائنات، وأرسلَ إليه الأنبياءَ والرسل؛ لتأخذ به إلى الإيمان واليقين، ومنحه الحرية فى أن يعبد الله سبحانه وتعالى بلا إكراهٍ، وقد سجلَ القرآن الكريم معالم ذلك فى آيات كريمات منها قول الله تعالى: (فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ)([1])، وأرسل سبحانه وتعالى محمدًا ﷺ إلى سائر البشر فى وقت كانت الإنسانية فيه شديدة الاحتياج إلى رسول خاتم يكشف غمامات الكفر وظلامات الجهل وقسوة الإنسان، على الإنسان فإذا ما تسلّط صاحب نفوذ مثلا على آخر، وأرغمه على فعلٍ أو قولٍ فإن هذا المتسلط يكون قد اعتدى على حق الله تعالى فى نشر سماحته ورحمته على سائر المؤمنين، وقد خاطب رب العزة سبحانه نبيه محمدا فى أمر العقيدة فقال تعالى: (أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ)([2])، وتأكدت عناية الرسول ﷺ بحرية الرأى بمعنى أن يكون للإنسان رأى فى أمر يعلمه فيظهره ويبديه، بما يحقق النفع له ولغيره، وبلا عدوان على حقوق الآخرين، وتجلى ذلك فى البيان النبوى الكريم فقال ﷺ: "لا يكن أحدُكم إمعة"([3])، يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، ولكن وطنوا([4]) أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم"([5])، بمعنى أن يكون للإنسان رأى فيما يحدث أمامه وعليه أن يُعلن رأيه ما دام فى هذا الإعلان حق لنفسه، أو واجبٌ لغيره، لكنْ أن يكتفى بالصمت، ولا ينطق بالحق فليس هذا من مبادئ الإسلام.
ومن دلالات حرية الرأى أنها تعنى قدرة الإنسان على قول شيئ أو تركه بإرادته الخاصة دون قسْر وإملاء، وهى بهذا المعنى حق يتمتع به كل إنسان ذى قدرات معرفية تؤهلُه إلى إعلان ما يراه بضوابط حاكمة، بحيث لا يكون فى هذا البوح بالرأى طغيانا على أحد، أو رياء لذى نفوذ، أو بخس الناس حقوقهم، أو لتعظيم سيئات الآخرين، أو إلباس الحق بالباطل، فهذه الإعلانات عن الرأى ينبغى التحذيرُ منها لمخاطرها على السلوك الإنسانى، وبحيث يكون إبداءُ الرأى مفعلا بكل نافع مفيد، وينبغى للمسلم عند إبداء رأيه أن يصدق القول فيما يراه حقا، وأن يبدى الرأى بلا تمويه وإخفاء للحقيقة، وتمكين الآخر من أن يأخذ ما ليس له.
ويجب ألا يسكت الإنسان عن حق يراه، وربما أنتج كتمانُ الرأى فسادًا كبيرا وذلك فى حديث تشبيهى أفاد بأن عدم البوح بالرأى قد يتمخض عنه ما لا يحسن، وذلك ما أفاده قول الرسول ﷺ: "مثلْ القائمِ على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا([6]) على سفينة فأصاب بعضُهم أعلاها وبعضهم أسفلَها، فكان الذين فى أسفلها إذا استقوْا من الماء مروا على مَنْ فوقهم، فقالوا: لو أنا خرْقنا فى نصيبنا خرْقا ولم نؤذ مَنْ فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادُوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا"([7])، وذلك أن التحرك لردع المنكر فى حالة الاستطاعة تفعيل واجب فى ضوء الضوابط الحاكمة؛ للتعبير عن الرأى وما يترتب عليه من نتائج، ولذا ينبغى أن يكون إعلان الرأى خاضعا للمصلحة، وتحقيق الكسب المادى أو المعنوى، بلا ضرر يلحق بالآخرين، وإلا فالسكوت عند ذلك واجب لا شك فيه، فقد قال الرسول ﷺ: "رحم الله عبدا تكلم فغنم، أو سكت فسلم"([8])
إن مجالات الحرية كثيرة، وهى مطلب رصين وحق أصيل، بدءا من حرية الاعتقاد التى خوطب بها رسول الله ﷺ بآيات مباركات منها قول الله تعالى: (أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ)([9]) وجاء الخطاب شموليا فى قوله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)([10]) وليس معنى ذلك أن يُدلس الإنسان برأيه فى موضوعات لا تخصُّه، أو يتجاوز برأيه مظلة الدين، أو أن يتطاول بكلام على المقدسات الإسلامية، ولا حرج فى الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى حدود الاستطاعة، كما أن حرية التعبير وإبداء الرأى، تكون بالقول أو بالفعل دون بوح، أو بالكتابة للناس فى صحيفة أو مجلة، أو بالحديث فى إذاعة أو تلفاز، أو يكون الحديث مباشرا فى مسجد أو جامعة، أو فى أية لقاءات أخرى بالضوابط المقررة.
د. السيد محمد الديب
([1]) الكهف 29
([2]) يونس 99
([3]) الإمعة: الرجل يتابع كل أحد على رأيه ولا يثبت على شيئ
([4]) وطنوا أنفسكم: وطن نفسه على أمر أى مهدها لفعله، وذللها وهيأها له
([5]) رواه الترمذى بسنده عن حذيفة
([6]) استهموا: اقترعوا
([7]) رواه البخارى فى كتاب الشركة (2493) رواه الترمذى وأحمد
([8]) رواه البيهقى فى شعب الإيمان، وورد فى السلسلة الصحيحة للألبانى، وقال عنه: صحيح بمجموع طرقه
([9]) يونس 99
([10]) البقرة 256