يعيش المسلم حياته بكامل مشتملاتها بين الكثيرين، فيؤثر فيهم، ويتأثر بهم، ويستتبعُ ذلك أن تكون نظرته إليهم نظرة فاحصة مدققة، وصولا إلى انتقاء الأصدقاء الذين يَصلحُون للتأثر بهم، والسير على منهاجهم، ما داموا أتقياء مخلصين، يتقون الله فى عباداتهم وعاداتهم، وتُؤْمن جوانبهُم، فلا يأتى الشرُّ منهم، وينزعون إلى الخير، ويقبلون النصح، ولا تتناقض أفعالهم مع أقوالهم.
والأسوة الحسنة: هى القدوة الطيبة، والسبيل إلى الإصلاح الاجتماعى، وتحاشى الفساد الخلقى، وتتجلى فى الإقبال على عبادة الله بصدق وإخلاص، والعمل بأخلاق القرآن الكريم والسنة النبوية، والاقتداء بالرسول ﷺ، وبكل الأتقياء الصادقين، الذين ينيرون مسالك الخير لكل الراغبين فيه.
وقد دعا القرآن الكريم ـ فى سورة الأحزاب ـ إلى أخذ الأسوة الحسنة من الرسول ﷺ، فأقواله وأفعاله منهاج لكل الراغبين والراجين للعافية فى الدنيا، والعفو الكريم فى الآخرة، تحت ظلال التواصل مع الله بالدعاء والذكر الحسن الكثير.
قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)([1])
وجاء نزول هذه الآية مرتبطا بغزوة الأحزاب، إذ تخلف بعضُ من يجبُ عليهم الخروجُ إلى حفر الخندق مع رسول الله؛ لحماية دين الله تعالى، وتأمينِ المدينةِ من الأعداء، الذين جاؤوا بالشرّ والرغبةِ فى الانتقام، وإزالة الدين الإسلامى الجديد من الأرض، وكان الرسول قدوةً لأصحابه فى الحفر ورفع التراب، وترديد الأناشيد الحماسية؛ حضّا على العمل والنشاط، وتحقيق الأمن والسلام، بالدفاع عن الديار والمقدسات.
وقد عظم الخطب، واشتد الخوف، ثم فرّج الله الكرب، حيث تدخلت العناية الإلهية فبعث الله إلى المشركين ريحا فى ليلة شاتية باردة، اقتلعت الخيام، وفرّجت الجموع وانسحب الأحزاب مهزومين مكروبين؛ إذ كان الاقتداء بالرسول من أبرز الأسباب للصمود، وإقامة الحزام الخندقى، الذى أوقف الأعداء عن الهجوم والاختراق قبل أن تنسفهم الريح السموم.
وتجلى تأكيدُ الدعوة إلى الأسوة الحسنة فى سورة الممتحنة، التى نزلت بعد سورة الأحزاب من خلال اتساع مجالات الأسوة الحسنة؛ لتكون ممثلة فى إبراهيم، والذين معه من خلال الإيمان بالله تعالى، الذى قال: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ)([2])
ويتحقق اقتداء المسلم بغيره من البشر فى شؤون الدين والدنيا، ويكون ذلك فى عبادة غَفِل الناس عنها، أو فى عادة حميدة تقربهم من بعضهم، وتزيل الشقاق الكلى فى صدورهم، قال ﷺ: "بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء"([3])
وأن الاقتداء بالرسول على سبيل الوجوب فى أمور الدين، وعلى سبيل الاستحباب فى أمور الدنيا([4])
وتعد الأسوة الحسنة سبيلا إلى الرقى بالمجتمع، إذ ينبغى أن يحدثَ ـ من خلال هذا الاقتداء ـ نبذُ السوء، وتحاشى المنكر، والسعى إلى الكمال الخُلقَى، تأسيا بالرسول وبكل من يصلح أن يكون إمامًا ورائدا للآخرين بأقواله وأفعاله.
وينبغى أن يكون العلماء فى الدين قدوة لغيرهم؛ حتى يستفيد الناس بهم، فالكلمة تفقد تأثيرها إذا لم تكن مطابقة لحال قائلها، وقد أكد العلماء([5]) أن أندونيسيا وهى أكبر دولة إسلامية قد دخلها الإسلام عن طريق القدوة الممثلة فى التجار، الذين كانوا يفدون إليها، إذ لم تفتح بغزو أو قهر أو سلاح، وإنما بالقدوة الطيبة.
وقال الرسول ﷺ فى نهاية حديث طويل هادف: "من سنّ فى الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجرُ من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيئ، ومن سنّ فى الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزرُ من عمل بها بَعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئ"([6])
فالأسوة الحسنة خلق قرآنى، ومنهج إسلامى يتحقق به التغيير إلى الأفضل فى العبادات والمعاملات وسائر العادات فى ضوء المعرفة الكاملة لأحاديث الرسول ﷺ وسيرته العطرة.
د. السيد محمد الديب
([1]) الأحزاب 21
([2]) الممتحنة 4
([3]) زاد الترمذى فى تفسير الغرباء: أنهم هم: "الذين يصلحون ما أُفسد بعدى من سنتى" (دعوة الإسلام لسيد سابق صـ64)
([4]) انظر تفسير القرطبى جـ14 صـ156
([5]) منهم الدكتور/ محمد راتب النابلسى (من خلال موقعه فى الإنترنت)
([6]) رواه مسلم فى كتاب الزكاة والعلم، وذُكر فى كتاب (رياض الصالحين) صـ91