مخاطر الرياء في حياة الإنسان

1 دقيقة قراءة
بواسطة Ahmed Eldeeb
مخاطر الرياء في حياة الإنسان
السجود فى الصلاة الإسلامية — Photo by Muhamad Izzul Fiqih / Wikimedia Commons

ما أقسي أن تتجلي صورة الإنسان أمام الآخرين، مرائيا متجملا فيظهر غير ما يخفي، أو بائسا ضئيلا وفقيرا معدما يستدر عطف القادرين علي العطاء، فيأخذ ما لا يستحق، أو يمارس الرياء بعبادته فعلا وقولا، ليمدحه الناس دون أن يبتغي بسلوكه وجه الله تعالي، وذلك ما عُبّر عنه بالشرك الخفي، فهذه الصور المتناقضة تكشف عن وضع سلوكي مترد وخادع، ومنفلت من القيم الأصيلة والأخلاق الفاضلة، ولا شك في أن هذه الممارسة علي عمومها مرفوضة ومسيئة للدين الإسلامي، الذي جاء للارتقاء بالبشرية، وتجاوز التصرفات الجاهلة المنكرة، ولا يخفي أن المراءاة قريبة أو لصيقة بالنفاق الموسوم بالكذب والخيانة، وخلف الوعد ونقض العهد، فالمراءاة ممارسة فعل أو قول يختلفان عن الحقيقة والواقع، لأغراض متعددة هي بكل تأكيد علي عمومها ليست خيرا للمجتمع، ولا تحقق نفعا لأي كيان فردي أو جماعي، فإذا كان الظهور أمام الناس بصورة خادعة كاذبة، حتى يذكروه بالخير، ويثنوا عليه فإن نواتج عبادته ليست خيرا له ولا تحقق ثوابا عند الله تعالي، وبذلك تكمن الخطورة في المراءاة خاصة إذا وُجِّهت إلي عبادة مفروضة كالصلاة، فإذا حدثت المراءاة فيها فإن ذلك طغيان وعصيان لمأمورات رب العالمين، وللمرائي بها الويل والثبور والعذاب المهين قال تعالي: "فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُون"([1])

فالعذاب الشديد استحقاق لمن يهملون الصلاة ويغفلون عن تمام أدائها، أو يقيمونها مراءاة للناس لدوافع خاصة بهم وعائدة إليهم، وبذلك يفرِّغون هذه العبادة من تاثيرها ورسالتها، والاستجابة بها لأمر الله تعالي، قال تعالي في مقام الحديث عن المنافقين: "إنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً"([2])

فالقيام للصلاة بكسل وتراخ في أدائها بسب أن الدوافع إليها ليست لنيل ثواب الله وعفوه، وإنما لاكتساب ثناء الناس وامتداحهم لهؤلاء المصلين المتظاهرين بصلاتهم، فهم كسالي عند بدء الحركة، ومراءون منذ الشروع في الفعل، وذلك لنيل المدح والثناء من الناس، بغرض تحقيق مكاسب اجتماعية محدودة، فهم يتخلفون عن أدائها، ولا يصلونها في الليل، ويحرصون علي أن يكون الأداء جهارا لمزيد من المشاهدة المستهدفة.

وفي مقام الإنفاق للزكاة والصدقة لا يجوز أن يتبعه الإيذاء بالقول أو الفعل، لأن ذلك يقترب من صنيع المنافق أو المشرك، الذي يراءي الناس بإنفاقه، حتى يكتسب الحمد والثناء، قال تعالي: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ"([3])، وقال في هذا الشأن: "وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا"([4]) وأورد ابن كثير في تفسيره الحديث الذي فيه الثلاثة، الذين أول من تُسجِّر بهم([5]) النار، وهم العالم، والغازي، والمنفق: المراءون بأعمالهم([6]).

وحذر القرآن الكريم المجاهدين من أن يكون خروجهم غير شبيه بخروج الكافرين، هؤلاء الذين يخرجون من ديارهم لمقاومة الحق، ومراءاة الناس، والتعالي عليهم، فالمراءاة ادعاء كاذب بفعل دنيوي وعمل أخروي، ولا قيمة له عند الله تعالي وما يتحقق به من نواتج عند الناس لا تلبث أن تنمحي وتتواري لمخالفتها للحقيقة وبنائها علي الجهل، وحب الجاه، والطمع فيما عند الناس، والخوف من مذمتهم، ولا علاج لذلك إلا بمجاهدة النفس، والثقة في الله تعالي، ومراعاة كتمان الأعمال، إذا كان ذلك خيرا، بلا مبالغة وادعاء، ووجوب استحضار مراقبة الله تعالي لسائر البشر.

دكتور/ السيد محمد الديب


([1]) الماعون 4، 5، 6
([2]) النساء 142
([3]) البقرة 264
([4]) النساء 38
([5]) تسجر بهم: تحمي بهم
([6]) مسلم (الإمارة)