تُعدُّ الكرامة إحدى الصفات الحميدة التي تكون منظومة مكارم الأخلاق، والتي جاءت رسالة الإسلام، للدعوة إليها، وتثبيتها في سلوكيات البشر، لما يبني عليها من ارتقاء في العلاقات الإنسانية، التي تحكم خيوط التواصل بين المسلم وغيره.
وكان هذا المنظور الأخلاقي محل العناية من الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال: "بُعثت لأتمم حسن الأخلاق"([1]) أي أن بعثته كانت مرتهنة بالوصول مع الأخلاق الإسلامية إلى درجة التمام والكمال، وذلك هو الباعث على الانتقال الجماعي إلى السمو والتحضر، وتهدئة الأجواء الساخنة التي تلتهب أحيانا بين المسلمين، أو بينهم وبين غيرهم على العموم، وذلك بعض متطلبات الكرامة الإنسانية، التي يسمو بها الإنسان عن الدنايا وإذلال النفس، وازدراء الذات في سبيل الفوز بأهداف راقية ومتحضرة.
دلالات الكرامة الإنسانية
الكرامة صفة أخلاقية ترتقي بالإنسان فيشعر معها بآدميته، ويترفع بها عن الضغائن والصغائر، وهي تقترب بهذه المعايير من خُلق العزة التي أقرها الله تعالى لنفسه، ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولسائر المؤمنين فقال: "وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ"([2]) ومن متطلبات الكرامة أن يبتعد المسلم عن الهوان والضيم، ويأبى الخنوع والذل، فإن كبرياءه إذا خُدش أو جُرح، وتعمق الأثر في كيانه، وتمادى في إهدار كرامته فإن نفسه سوف تستعذب الهوان وتعتاده، ولا تجد حرجا فيه، وكأنه ميت لا يشعر بألم الجراح في ضوء قول الشاعر:
من يهُن يسهل الهوانُ عليه ما لجُرحٍ بميت إيلامُ
ومن نواقص الكرامة في نفس الإنسان أن يغيب وعيه وإدراكه، وتذوب إرادته، ويُمحى كيانه، ويصير تائها ضالا غير مدرك للعطاءات الله له، وذلك ما حذر الرسول صلى الله عليه وسلم منه، إذ قال: "لا يكن أحدكم إمعة يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءاتهم"([3]) والكرامة: من الكرم بمعنى السخاء والعطاء، وهو ضد اللؤم والذل والهوان، والكريم: اسم جامع لكل ما يحمد، وهو من صفات الله تعالى وأسمائه، وهو الكثير الخير والجواد، والمعطي الذي لا ينفذ عطاؤه.
والكرامة بالمعنى الأخلاقي – كما قال أستاذنا الدكتور/ أحمد الشرباصي – رحمه الله – "هي أن يحسن المرء الإحساس بآدميته وإنسانيته، وبأنه صنْع الله ومخلوقه، وأن الله تبارك وتعالى وهب الإنسان تكريما وتمجيدا، فيلزم هذا الإنسان أن يكون مقدرا هذه الهبة، صائنا هذا التكريم، مرتفعا بخلقه وقوله وعمله وسلوكه إلى مستوى هذا التمجيد، فلا يصدر منه قول أو فعل أو سلوك يشين هذه الإنسانية، التي كرمها الله جل جلاله، وزكّى شأنها، وأراد لها أن تكون تأهيلا لخلافة الإنسان في الأرض، وسيادته على غيره من المخلوقات فيها"([4])
ومن معاني الكرامة في غير ما نحن بصدده "هي أمر خارق للعادة، يظهره الله على يد عبد صالح غير مدعي النبوة"، وقيل غير ذلك.
وأن مقصدنا هنا – بيان الكرامة بالمعنى الأخلاقي التي يحرص المسلم بها على عزته ومروءته فلا يهوى بها إلى الذل والمهانة.
تكريم الله للإنسان
الكرامة: عطاء إلهي أخلاقي لسائر البشر، وذلك ما جاء تأكيده في كلام الله تعالى، مقرونا ببيان الاستحقاق الإنساني للكرامة والتشريف، والتفضيل على كل المخلوقات، التي أوجدها الله تعالى في سائر الكون المعمور، المرئي وغير المرئي، وجاء هذا مقرونا بإنعامات أخرى ذكرها الله تعالى في قوله: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً"([5]) وتفيد هذه الآية أن الكرامة ثابتة لكل البشر دون نظر إلى الفوارق في اللون أو النوع أو الدين أو اللغة.
وذكر المفسرون – في ضوء هذه الآية – كثيرا من الجوانب التي يظهر فيها تكريم الله للإنسان منها: التكريم بالنطق والفهم والتمييز، والخلق على الهيئة التي بها امتداد القامة وحسن الصورة، وتسخير سائر المخلوقات له، وذكر القرطبي – قدس الله سره – أن التفضيل والتكريم بالعقل، قال: "والصحيح الذي يُعوّل عليه أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف، وبه يُعرف الله ويفهم كلامه، ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله، إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد بعثت الرسل وأنزلت الكتب"([6])
وذكر الدكتور مصطفى السباعي أن الكرامة حق للإنسان، ونظر للآية المذكورة بقوله: "هذه الآية نص صريح في أن الإنسان أكرم من كل شيئ على ظهر الأرض، وأن الكرامة حق لكل إنسان، وأن كرامته ملازمة لإنسانيته، فإذا حُرم من هذه الكرامة لم يكن المجتمع الذي يعيش فيه مجتمعا متماسكا سعيدا"([7]) وذكر أهم المظاهر التي تتجلى فيها الكرامة الإنسانية، ومنها كرامة الإخاء الإنساني، وكرامة المنزلة الاجتماعية.
وقال الألوسي في ذات الآية: "جعلناهم قاطبة برهم وفاجرهم ذوي كرم أي شرف ومحاسن."([8])
وجاء الخطاب الإلهي بتكريم الله للإنسان في قوله تعالى: "فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ"([9])، وهذا التكريم هو لب المنهج الإلهي للإنسان في عمومية خلقه وكيانه ووجوده، وأن هذا العموم يتخصص لجمع يتأكد تكريمه عند الله تعالى بممارسته لمتطلبات التقوى، وفق خطاب قرآني مؤكد قال الله تعالى فيه: "إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ"([10]) وقد تعانقت السنة النبوية مع هذه الآية في تحديد الأكرم عند الله تعالى: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قيل يا رسول الله، أي الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم" قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: "فعن معادن العرب تسألونني؟" قالوا: نعم قال: "تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية، خيارهم في الإسلام إذا فقهوا".([11])
وإذا ما تأكد حق الإنسان في الكرامة بمَنْح الهي فلا يليق به أن يقصر في هذا الحق، وعليه أن ينتقل إلى نطاق السلوك الايجابي المفعل مع الآخرين.
حفاظ المسلم على كرامته
إن الكرامة خُلق إسلامي، وحق إنساني، وعلى المسلم أن يحرص عليها، ويلتزم بمتطلباتها، وبحيث يحيا كريما، عزيزا، رافضا للضيم، وتجاوزات الآخرين للحدود المقررة.
وإكرام الإنسان لنفسه - أي حفظها وتنزيهها عما لا يليق - سبيل واضح لإكرام الآخرين له، ذلك أن التضحية بالقيم والمبادئ والأعراف الصحيحة ليس من شيم المؤمنين الملتزمين بمبادئ دينهم وأخلاق شريعتهم، فإذا فرط الإنسان في مكونات عزته، ومروءته فسوف تتهاوى كرامته في حسابات الآخرين، وذلك هو المعنى الذي عبر عنه الشاعر بقوله:
إذا أنت لم تعرفْ لنفسك حقها هوانا بها كانت على الناس أهونا
وأن الإنسان القويم هو من يعتز بنفسه، ويصون كرامته، ويسعى لتفعيلها وانعكاس آثارها على الآخرين، مادام سلوكه حميدا، ومفعلا بالتقوى والورع، وسائر مكارم الأخلاق، وغير متصادم مع ثوابت الشريعة الإسلامية.
صيانة المسلم لكرامة الآخرين
تستلزم علاقة المسلم بالآخرين أن يؤثر فيهم، ويتأثر بهم، وأن يبدأ بنفسه في تقديم القدوة الطيبة والأسوة الحسنة مما يحفز الآخرين على الرد الطيب والتفاعل الحميد، والله تعالى يقول: "وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ۗ"([12]) وقد يكون الأخر سفيها متخليا عن كرامته فالأجدر أن يكون التعامل معه حكيما مرشدا، بحيث لا تزداد مساحة الخلاف اتساعا، بل يجب رتق الخروقات التي تعري جسد العلاقة بين الاثنين:
إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوت
وقول الأخر:
ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثمَّت قلت لايغنيني
إن الأخلاق الإسلامية منظومة متكاملة، تتحقق في شخصية المسلم، وتنعكس على الآخرين، إما إيجابا بالتأثير فيهم، وإما سلبا بتجاهل إساءاتهم، وعدم إشعال المواقف بالسلوكيات الذميمة، إذ ينبغي أن يفيض نهر العلاقة بالمياه العذبة الرائقة، ولا يصح أن تقذف الألسنة شرورها إلى الآخرين فتنمو الإساءة، وتتلاشى الكرامة، وتتطاير الشرور والآثام، وتتحول العزة والكرامة إلى فجور وعصيان، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"([13])
إن الكرامة خُلق ذو عوالم رحبة، فالله هو الكريم، ويمتد ذلك – بمعايير فاصلة – إلى رسل الله وكتبه وملائكته وسائر الأخيار من أمة الإسلام، خاصة الصفوة من عباد الرحمن الذين، قال الحق تبارك وتعالى عن بعض أوصافهم ومنها الكرامة: "وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا"([14])
فما أحرى المسلمين أن يلتزموا بخلق الكرامة، وأن يحرصوا على عزتهم ومروءتهم وسائر متطلبات إنسانيتهم، والتي تنعكس آثارها على الآخرين.
دكتور/ السيد محمد الديب
([1]) رواه مالك وأحمد، واللفظ من الموطأ
([2]) المنافقون 8
([3]) رواه الترمذي
([4]) موسوعة أخلاق القرآن ج 3 صــ 266
([5]) الإسراء 70
([6]) تفسير القرطبي ج10 – صــ 294
([7]) اشتراكية الإسلام صـ 71 – الهيئة العامة لقصور الثقافة، عام 2012
([8]) السابق صـ 71 نقلا عن روح المعاني ج 15 – صــ 117
([9]) الفجر 15
([10]) الحجرات 13
([11]) رواه البخاري ومسلم
([12]) النساء 86
([13]) الحجرات 11
([14]) الفرقان 72