آيـــات الله فى تصريف الرياح

1 دقيقة قراءة
بواسطة Ahmed Eldeeb
آيـــات الله فى تصريف الرياح
طواحين الهواء — Dietmar Rabich / Wikimedia Commons

تتجلى بعض دلالات العظمة الإلهية فى تصريف الله تعالى للرياح، وما يعقبها من تحقيق النعمة للبشر، وتكون إعصاراً أو هزيماً مُرْعبا فتحقق آثاراً ضارة، ولكنها ذات دلالات على إنذار الله وتحذيره لعباده وينبغى أن يكون ذلك كله مصحوبا بالـتأمل والاعتبار.

1- حديث القرآن والسنة عن الرياح.

لقد ورد ذكر الريح فى القرآن الكريم مفردة وجمعها، وهى الهواء المتحرك فى السماء، وارتبط الحديث عنها ببعض صفاتها مثـل الذاريات والعاصفات والمرسلات، وجاء معظم ورودها بالإفراد فى مقام الضرر والعذاب والهلاك، كقوله تعالى : "مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" [1]. كما جاءت فى مقام الخير والنصر لأولياء الله، كقوله تعالى: "هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ" [2].

ووردت فى القران الكريم بلفظ الجمع كثيرا فى مواضع الرحمة والخير كقوله تعالى: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" [3].

وسواء أكانت الكلمة إفراد أم جمعا، أو كانت فى مواضع البشارة والخير أم فى مواضع الضرر والشر، فإن ذلك يستدعى التأمل والاعتبار خاصة من عباد الله المتقين، الذين يثـقون فى الله تعالى، ويؤمنون بقضائه وقدره، ويحمدونه على نعمائه وضرائه، ولا يخفى على المدرك البصير والعالم الخبير قيمة ما تحمله الرياح من لقاح للأشجار، وتحريك للسحب، وتسيير للفلك، وهى جزء من تصريف الله فى كونه الواسع العظيم، ومجال للتأمل والعظة، وليس للازدراء والاحتكار، فقد قال الرسول - ﷺ- : لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: "اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها وشر ما أمرت به"[4] ذلك أن الإسلام دستور شامل لمنهاج الحياة، ولا يليق بالمسلم أن يأتى الكلام الفاحش على لسانه، ويجب عليه أن يتذكر الرياح على أنها آية من آيات الله تعالى، محملةٌ ببعض دلالات قدرته ومظاهر عظمته، وأن التعامل معها ينبغى أن يسير فى خطين متوازيين أولهما عن العظة والاعتبار، وزيادة معدلات الإيمان فى قلوب المؤمنين، وثانيهما عن بيان إعجاز القران الكريم من خلال الإشارات العلمية التى وَرَدَتْ به، فى مواضع مختلفة، وفى مقامات متعددة كطرح لسبل الخير والشر، وعَرَضَ لها العلماء والمفسرون بحيدة وإيمان.

وقد ذكر الرسول - ﷺ- الريح، وما يترتب عليها من نعمة أو نقمة، وعلَّم أمته وسائل التعامل معها فى عنفها ولينها، وفى خيرها وشرها فقال - ﷺ- "الريح من رَوْح الله، تأتى بالرحمة، وتأتى بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبُّوها، وسلوا الله خيرَها واستعيذوا بالله من شرِّها"[5].

وعلى ذلك يجب أن يأخذ المسلم اعتباراً من تقليب الليل والنهار، وحركة الفلك فى البحار، وحمل الرياح لما يعود على البشر بالخير أو بالشر، تلك التى سخرها الله تعالى لسليمان عليه السلام إذ كانت تجَرْى بأمره، حسب رغبته واختياره، وبتقدير الله وتدبيره ويكون ذلك عَوْنا لهذا النبي الكريم على تبليغ رسالته إلى البشر، وبحيث تبقى أمام الناظرين من دلائل القدرة الإلهية.

2- ارتباط آيات الريح بالرحمة والخير.

لقد جاءت آيات القران الكريم عن الرياح مرتبطة بالخير، الذى يتجلَّى فى نزول المطر، وإحياء الأرض، وما يعقب ذلك من آيات وتوجيهات للمؤمنين والموقنين والعاقلين، وما يترتب عليها من تأمل واعتبار، فتكون وصفا حقيقيا لعباد الله الذين يّسْعَون إلى تثبيت دعائم إيمانهم وتقوية سُبل الأخذ والتناول للوحى الكريم إذ جاء ذكر تصريف الرياح مسبوقا بتوجيهات بيانية متعددة تسهم كلها فى حتمية التبصر لحركة الرياح، وورد ذلك مفصَّلاً فى قوله تعالى "وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ‎‏ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" [6].

وقد جاءت هاتان الآيات متعانقَتين، سَعْياً إلى إرشاد المؤمنين وسائر عباد الله المتقين إلى وجوب التأمل والاعتبار فى آيات الليل والنهار، خاصة فى أمر الرياح، التى ذُكرت مقرونة بالتصريف، وما يترتب عليه من إنزال المطر وإحياء الأرض؛ لإمداد البشر بأسباب الوجود والتكاثر على الأرض فالله سبحانه وتعالى هو القادر على ملكه، يقلّبُ الرياح مرة جنوبا ومرة شمالا فى أحوال متعددة، باردة وحارة، شديدة وهينة، ذات منافع وأضرار، لحكم متعددة يجب على المؤمنين استيعابها والاعتبار بها، وذلك شأن العقلاء من عباد الله، فهم منارات وإضاءات لغيرهم، فالريح تهب لينة رخوة، تبعث الحيوية والنشاط والحركة فى الإنسان، وتتجلى فى النسيم الذى يصافح وجوه الخلق عندما تقسو الحرارة عليهم، وهى فى مقام الخير تِحرِّك السفن، ناقلة للإنسان وغيره من الكائنات كثيرا من الخيرات، التى يُسْتفاد بها، وارتباط كل ذلك بالرياح يجعل المؤمنين فى مواقف العظمة، التى يعتبرون بها، ويتأملون فيها، قال تعالى: "وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ‎﴿٣٢﴾‏ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ" [7].

فلا زال للريح دور فى حركة السفن، وإيقافها بلا حراك على ظهر الماء، مع تقدم العلم وتداخله فى هذا التحرك والإيقاف، وكل ذلك يستدعى الصبر على متغيرات الأزمان والأحداث، والشكر على نعم الله سبحانه وتعالى وابتلائه للبشر، وفيما يتصل بقوانين الله تعالى فى حركة الرياح وتوقفها ذكر الدكتور زغلول النجار: "أن الرياح التى تبدو للمراقب من الناس هوجاء عاصفة، لها فى الحقيقة توزيع دقيق على سطح الأرض، تحكمه قوانين شديدة الانضباط، وقد وصف القران الكريم هذه الدقة فى التوزيع والانضباط فى الحركة بوصف معجز هو "تصريف الرياح" بمعنى أن الرياح لا تتحرك هذه الحركات العديدة بذاتيتها، ولكن بقدرة الله، الذى يُصرِّفُها بعلمه وحكمته كيفما يشاء، والرياح تقوم بدور رئيسى بإذن الله فى تكوين السحب وإنزال المطر، وإتمام دورة الماء حول الأرض وإلا فَسَدَ، وفى تفتيت الصخور وتعريتها ، وتكوين التربة والرمال السافية وتحريكها، وفى تلطيف الجو وتكييفه وتطهيره من الملوثات، التى تحملها حركةُ الرياح جنوباً وشمالاً"[8].

وهكذا تعرض آيات القرآن لحركة الرياح، وتصريف الله لها، مما يحتم على علماء المسلمين مواصلة البحث عن دلالات الإشارات الكونية فى القرآن الكريم، خاصة ما اتصل منها باحتياجات عباد الله لمواصلة الحياة.

3- ارتباط ذكر الريح بالضرر والعذاب.

لقد جعل الله سبحانه وتعالى الريح الشديدة آية من آيات تحذيره وإنذاره لخلقه، وأوجبت الآيات القرآنية أن يتمخض ذلك عن التأمل الإيجابى لعباد الله المتقين، وتحقق ذلك فى غزوة الأحزاب، عندما هّبَّتْ رياح شديدة، وحقق الله بها الهلاك لأعداء الدين، هؤلاء الذين سعوا إلى حّجْب رسالة الإسلام عن ذيوعها وانتشارها، حيث أرسل سبحانه وتعالى الريح التى كانت دماراً بالنسبة لهم فولوا مدبرين مقهورين، كما كانت نصراً لأولياء الله تعالى، الذين أخلصوا لعقيدتهم، وسّعّوا للدفاع عن المدينة المنورة، التى كانت مهددة بالاقتحام من قبل الكارهين والمعاندين لأنوار الإسلام، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا" [9]. وقد كشفت هذه الآية عن الدور المزدوج لتصريف الله تعالى للريح، إذ كانت هلاكاً وتدمير لمخطط أعداء الله، ونصراً وتأييداً للمتقين من المهاجرين والأنصار، الذين حفظهم الله بحفظ أرواحهم، وصيانة مدينتهم، التى أحبُّوها، وعاشوا فيها، وتعلقوا بها.

وقد عرضت بعض آيات سورة الروم للآثار المترتبة على إرسال الله للرياح، وما يتبعها من تكوين السحب، وبسطها فى السماء، وجعلها كِسَفاً تخرج منها قطرات الماء، والتى تنزل فى صورة أمطار متنوعة بين الكثرة والقلة والاختلاف من موضع لآخر، حيث تنتقل آثارها الإيجابية إلى خلق الله، هؤلاء الذين يجبُ عليهم التنبه لدلالات القدرة الإلهية، وما تشتمله من تأمل لتصريف الله للرياح، قال تعالى: "اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ ۖ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ" [10]. وقد ذكرت آية آخرى فى سورة الحجر بعض دلالات القدرة فى إرسال الله للرياح، وما يترتب عليها من تلقيح للسحب، ومن تلقيح آخر للأشجار والنباتات وغيرها مما يشمله البيان الإلهى، الذى ذكرته بعض الآيات إجمالاً، ومنها قول الله تعالى: "وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ" [11].

وفيما يتصل ببيان ما فى الآية من إعجاز علمى، ومغزى دلالاته ذكر الدكتور النجار "أن تصريف الرياح بمشيئة الله تثير السحاب بتزويد الهواء بالرطوبة اللازمة ، وأن إرسال الرياح بنوى التكثف المختلفة يُعين بخار الماء الذى بالسحب على التكثف ، كما يعين قطيرات الماء المتكثفة فى السحاب على مزيد من النمو؛ حتى تصل إلى الكتلة التى تسمح لها بالنزول مطراً، أو ثلجاً أو برداً بإذن الله، كما أن الرياح تدفع بهذه المزن الممطرة بإذن الله تعالى إلى حيث يشاء"[12].

ولما كانت الرياح متعددة الأغراض فإنها تحقق الخير للعباد، كما تأتى شرا مستطيراً، يستلزم الاتعاظ بما فيها، وحسن التعامل معها، وحتمية الالتجاء إلى الله والاحتماء بقدرته، ولهذا يستلزم أن يتجه المؤمن إلى ربه بالدعاء، ما لو سِيقت الريح بشرها، ويكون ذلك بالدعاء، الذى روت السيدة عائشة رضى الله عنها نموذجاً له فقالت: "كان النبى - ﷺ- إذا عصفت الريح قال: "اللهم إنى أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرِّها وشرَّ ما فيها، وشرِّ ما أرسلت به"[13].

فالرياح التى يصرِّفها الله تعالى تخضع لقوانين شديدة الانضباط فى الحركة، التى تحمل الخير كما تحمل الشر، وفى كل الأحوال يجب أن يتمخض تصريف الله لها عن التأمل الإيجابى، الذى يتحول اعتقاد المؤمنين به إلى قوة محركة ودافعة، وموجهة إلى تحقيق المزيد من الإيمان بالله تعالى.

الدكتور/السيد محمد الديب


[1] سورة آل عمران (117) ومعنى صِرْ: برد شديد.
[2] سورة يونس (22).
[3] سورة الروم (46).
[4] رواه الترمذى.
[5] رواه أبو داود بإسناد حسن.
[6] سورة الجاثية (4 ، 5).
[7] سورة الشورى (32، 33).
[8] جريدة الأهرام في 22/4/2002 ص 12.
[9] سورة الأحزاب (9).
[10] سورة الروم (48).
[11] سورة الحجر (22).
[12] أهرام 6/5/2002م.
[13] رواه مسلم.