التحذير من الخداع

1 دقيقة قراءة
بواسطة Ahmed Eldeeb
التحذير من الخداع
سوق خان الخليلى للتوابل بالقاهرة (1994) — مشهد من التجارة والمعاملات — Wikimedia Commons

لقد كانت البيئة العربية في مكة والمدينة وغيرهما من بلدان الجزيرة العربية قبل الإسلام مشغولة بالتجارة والسعي إلى الكسب، وممارسة سائر التعاملات الإسلامية، كما شغلوا بالارتحال شتاء وصيفاً، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم في طفولته وخلال سنوات شبابه بعيداً عن مشاهدة هذه الممارسات، وما يعتورها من استغلال للنفوذ وممارسة للخداع والحيل التي ترتبط كثيراً بمهنة التجارة بصفة خاصة، فضلاً عن توقع حدوثها في سائر العلاقات الاجتماعية الأخرى.

وجاءت رسالة الإسلام فوضعت المعايير الحاكمة عند الفصل في النزاعات الإنسانية المختلفة، سواء أكان ذلك من خلال أقضية الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته أم من خلال أصحابه وتابعيه، الذين حرصوا على الالتزام بأصول القضاء، والفصل بين الفرقاء فيما يعن لهم من شئون الحياة.

وتجلى للرسول صلى الله عليه وسلم موقف محدد استطاع من خلاله أن يضع بعض الأسس الحاكمة عند الفصل بين المتنازعين حتى لا تضيع الحقوق على أصحابها.

وقد روى الأئمة عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم تختصمون إلىّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قطعت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من نار –وفي رواية- فليحملها أو يذرها"[1].

ولقد وضع هذا الحديث قاعدة مهمة في الفصل بين الخصوم، التي تتجلى في التحذير من ممارسة الحيل والخداع، فيؤول الحق إلى غير صاحبه قال تعالى: [وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ][2]، والآية عامة في تحريم الاستيلاء على أموال الآخرين بغير حق، مثل الخداع المذكور وإنكار الحقوق وغير ذلك، فالقاضي بشر، وهو يحكم بما يقرأ ويسمع، ولبعض الخصوم مقدرة على تغييب الحق فيلبس الباطل ثوب الحقيقة، ولا يستطيع الخصم الآخر أن يفند الوقائع، ويكشف الزيف، فيحدث ما لا يجوز، وتكون النتيجة سيئة للغاية، ويضيع معها الحق على صاحبه بالتضليل والأكاذيب.

وينبغي على من يفصل بين المتنازعين أن يمحّص الأقوال، قدر استطاعته، وأن يبين للمتنازعين مخاطر الكذب والخداع؛ لما يترتب عليهما من آثار ضارة ونتائج لا تمحى آثارها مع الأيام.

وعرض القرآن الكريم لهذه القضية بصورة واضحة جلية، قال تعالى: [وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ][3]، واللبس: الخلط، ومن المؤسف أن الحياة المعاصرة تشهد ضروباً من التدليس والزيف المقنع الذي تذهب الحقيقة بمقتضاء إلى غياهب التيه والنسيان، وتعود النتيجة بالحسرة إلى صاحب الحق الذي ذهب حقه إلى غير مستحقيه، ونذكر في هذا الصدد أيضاً قول الله تعالى: [وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ][4].

إن صور الخداع بهدف إلحاق الضرر بالآخرين كثيرة، فقد تكون غشاً نهى الإسلام عنه، وحذر من عواقبه، أو كذباً ونفاقاً وشهادة زور وإنكار حق وهروباً من سداد دين... ولا زال كثير من الناس في تجاهل ضال وتغافل عن حتمية وصول الحق إلى صاحبه دون وقوع في براثن الزيف والتضليل.

وللرسول صلى الله عليه وسلم موقف مشهور في التصدي للغش والخداع ومقاومة المنكر والذي قال صلى الله عليه وسلم في شأنه: "من غشنا فليس منا"[5] كما حذر القرآن الكريم من عواقب التضليل والخداع في التجارة من خلال الكيل والميزان فقال تعالى: [وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ][6] والتطفيف: البخس في الكيل والميزان زيادة أو نقصاً، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: "لما قدم نبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً فأنزل الله "ويل للمطففين" فحسنوا الكيل بعد ذلك"[7].

ويلجأ بعض شياطين الإنس إلى الاعتماد على الرُّشوة في السطو على ما ليس لهم ويضيع الحق على صاحبه، ويذهب بهذه الوسائل الماكرة إلى غير مستحقيه قال صلى الله عليه وسلم: "لعن الله الراشي والمرتشي والرائش"[8] إنها مجموعة متفاهمة في الباطل، وتمارس المظالم بكافة صورها، وبحيث يتحقق الكسب الممقوت باستحققات متفق عليها، ويستطيعون بالخداع ستر الحقيقة وإحلال الباطل محلها، وقد يُخدع من يحكم فيفصل في ضوء ما سمع مما يحتم تنمية الشعور الإيماني عند الناس جميعاً.

دكتور/ السيد محمد الديب


[1] أورده القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ج2، ص338.
[2] البقرة 188.
[3] البقرة 42.
[4] البقرة 188.
[5] رواه مسلم وابن ماجة.
[6] المطففون 1- 3.
[7] أورده ابن ماجة في كتاب التجارات، وذكره ابن كثير في تفسيره ج8، ص368.
[8] رواه أحمد.