الأم الرءوم

1 دقيقة قراءة
بواسطة Ahmed Eldeeb
الأم الرءوم
مصحف التجويد — القرآن الكريم — Wikimedia Commons

توافد كثير من الأزهريين وغيرهم من الزقازيق، وبعض المحافظات المجاورة، لزيارة الحاجـــــة / نفيسة أحمد شريف في مشْافها، حيث ألم بها المرض واستمسك بها الألم، ولم يجد بنوها أفضل ما يقدمونه لهذه الأم العطوف سوي القراءة الخاشعة لكتاب رب العالمين، حيث أتيحت لكل زائر نسخة من القرآن الكريم، يتلو فيها مع سريرة نفسه بعض الآيات المباركات، المشفوعة بالدعاء الصادق، الصامت عن ظهر الغيب، وبقي الحال علي ما شاهدناه، وأحسّ الزائرون من الرجال والنساء من خلال جلال الموقف أن وقت الرحيل قد اقترب، ولكن متي الفراق للدنيا

ذلك هو الكائن المستور في ملكوت الغيب قال تعالـي (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ۗ)[1] وكان الدعاء إلي الله تعالي بتخفيف آلام المرض قال تعالي (وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ)[2] ولما تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من فجر يوم الجمعة (7/4/2017) رفع الاسم الكريم من سجلات الحياة، وانضم إلي عداد الراحلين

واصطحب الدكتور / محمد محمود أبو هاشم جثمان والدته قبل أن يتنفس الصباح بعبق جديد، واحتشدت الألوف من سائر الأعمار في مسجد الساحة الهاشمية والباحة الواسعة أمامه، لصلاة العصر، وحضور صلاة الجنازة علي الراحلة الكريمة، حيث قام بالإمامة فيها الدكتور / أحمد عمر هاشم، ودعا بما شاء الله لها، وأجهش بالبكاء، وهو يودع من كانت له أما وأختا، وزاد النحيب، وتصاعدت الدعوات، والدكتور / محمد: في ذهول وحزن وعجز عن المقاومة، وكأن الحزن قد أحكم وثاقه علي بدنه فصار فيما يشبه حالة العجز عن الحركة، وسار مسنودا علي أيادي شباب الأزهريين الذين عاونوه ورافقوه، حتي تواري بدن الأم عن الوري، وغاب تحت الثري، وتعلو الأصوات اللاهجة بالقرآن وبالدعاء من الحناجر، ومن خلال مكبرات الصوت، والناس في دهشة وتأمل واعتبار بهذا المشهد العجيب

وتكشف مسيرة الحياة لهذه السيدة التقية النقية عن العظة والعبرة منذ النشأة في صهرجت، والحياة مع الزوج في بني عامر والزقازيق

وكان الزوج ( محمود أحمد هاشم) - رحمه الله - شيخا أزهريا وقوراً ، و عالما متصوفا خشوعا، وخطيبا وشاعرا رقيقا، ذلكم العالم النحرير والكاتب المبين، والوريث للطريقة والمنهج عن والده الشيخ أحمد أبي هاشم في مسيرته خلال خلوته بالساحة الهاشمية، وقرية بني عامر بالشرعية

وكانت طبيعة الحياة في مقر إقامة العائلة أن يفد إليها طلاب العلم، وأصحاب الحاجات، الذين تعجز قدراتهم علي قضائها، فيأتون إلي الشيخ، لينالوا أغراضهم في سماحة ويسر وكرم وسخاء.

لكن من ينهض باستكمال الواجب، وأداء حق الضيافة سوي هذه المتصوفة الزاهدة، التي جعلت ما بينها وبين خالقها عامرا، فبقدر ما كان تحت يديها من الخير والسعة واليسر كان المنح والعطاء والإهداء ، دون أن تشغل فكرها بعقار تملكه، أو بحساب بنكي تفتحه، أو أرض ذات نتاج يؤول إليها، اختزانا لمتقلبات الأيام وحوادث السنين، فعطفت علي المحتاجين، وأحسنت الرد علي الراغبين، وسترت الضعاف والمكروبين، فكانت الخاتمة علي أفضل ما تكون النهايات، سترها الله في دنياها، وسترها في الإقبال علي آخرتها، وستحيا – بإذن الله - في ظل رحمته تعالي

تراه إذا ماجئتــــــــه متهللا * كأنك تعطيه الذي أنت سائلهْ

ولقد تزوج الأبناء: الدكتور / محمد محمود أبو هاشم، وأختاه الحاجة / فردوس، والسيدة فاطمة، وهم جميعا أمام أعينها مع أسرهم، وهم يخدمون في الساحة عندما يكون الاحتياج بالليل أو النهار، حبا ورفقا ولينا، ولا يردون طالب حاجة في العلم والعمل وسائر هموم الحياة، وتقام الأماسي الدينية والاحتفالات الواسعة في المناسبات والأعياد، التي يشارك فيها علماء الأزهر والأوقاف والإفتاء، والأم راضية بما يكون، سعيدة بالمسيرة علي خطا الزوج الكريم، الشيخ محمود أبي هاشم خادم القرآن الكريم والحديث الشريف، واللغة العربية الفصحي

رحم الله تعالي الفقيدة الراحلة / نفيسة أحمد شريف، جزاء ما قدمت لله ورسوله، ولسائر المؤمنين، وغفر لها، وأسكنها فسيح جناته مع الشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

دكتور / السيد محمد الديب


[1] - النساء من الآية 78
[2] - الرعد 8