التأمل فى طعام الإنسان

1 دقيقة قراءة
بواسطة Ahmed Eldeeb
التأمل فى طعام الإنسان
نخيل البلح (Phoenix dactylifera) — من نعم الله فى الطعام — Wikimedia Commons

إن الهدف من دعوة الإنسان إلى النظر والتأمل فى كل ما حوله بالأرض والسماء، هو ترسيخ عقيدة الإيمان الكامل بالله تعالى، وأنه سبحانه خالق كل شئ، وأن الدعوة إلى النظر فى ملكوت الله دعوة شاملة ومتنوعة وفاحصة؛ بهدف زيادة الإيمان والاعتبار، وَوَرَد ذلك فى العديد من آيات القرآن الكريم، بحيث يكون النظر مرتبطا بالسير والحركة على الأرض؛ سعياً إلى مزيد من التأمل فى ماهية خلق الإنسان، وبيان مكونات طعامه وشرابه، والانتقال إلى سائر الكائنات الحية، التى يحتاج إليها، ومن تسخير الله لها، حتى يستفيد عباد الله من ألبانها ولحومها وأصوافها وأوبارها، والتنقل عليها والتنزه بها إلى غير ذلك من الفوائد التى يستثمرها الإنسان من سائر الكائنات الحية، ويترتب على النظر بأن يعتبر المسلم بما لحق بالأمم السابقة الظالمة من نتائج، تعطى عبرا ودروساً للأمم المتعاقبة؛ سعياً لتثبيتها على إيمانها وعدم تسرب الشك إليها فيما يخص آثار رحمة الله تعالى، وتأمل سائر مشتملات الكون الواسع.

1- الدعوة إلى النظر والتأمل فى ملكوت الله :

لقد تعددت الآيات القرآنية فيما يخص دعوة الإنسان إلى السير فى أرجاء الأرض، والتأمل فى آيات الله والتى جاءت بأسلوب الأمر وما يستتبعه من تفكير وتدبر وإيمان وتأمل، وحضٍَّ للإنسان؛ ليصل بإيمانه إلى إدراك نعم الله تعالى، وأهمية ترسيخ عقيدته، ولم يكن التوجيه قاصراً على ضرورة النظر والتأمل للطعام، وإنما تعدد وتنوع، ليرتقى الإنسان به إلى مزيد من الورع والتقوى، وقد جاء ذلك فى قول الله تعالى: (فلينظر الإنسان مما خلق)[1].

وقال تعالى فيما يخص النظر للتأمل فى بعض ما أنعم الله به على الإنسان (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت)[2]. كما ارتبط التأمل بالنظر إلى مخلوقات الله، فقال سبحانه وتعالى: (فنظر نظرة فى النجوم فقال إنى سقيم)[3].

وذلك فى شأن سيدنا إبراهيم خليل الرحمن، الذى كان التأمل فى حياته باعثا لرفض كثير من معتقدات قومه، فيما يخص عبادة غير الله، وارتبطت الدعوة إلى النظر فى كثير من الآيات القرآنية بالسير فى الأرض، لفحص آثار الأمم السابقة، ومن بين ما ورد فى هذا الشأن قول الله سبحانه وتعالى: (أفلم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عقبة الذين من قبلهم)[4]. كما اشتمل الأمر بالنظر للتأمل فى آثار رحمة الله سبحانه وتعالى على الأرض، ذلك أن التأمل الإنسانى لكل مشتملات الكون يفتح أمام الإنسان آفاقاً رحبة لتثبيت الإيمان واليقين.

2- دعوة الإنسان إلى التأمل فى طعامه :

لقد تحدث القرآن الكريم والسنة النبوية عن طعام الإنسان وسائر الكائنات التى يحتاج إليها، ويستفيد بها، وتجلّى ذلك بصورة مباشرة فى تسع آيات موجزة بسورة (عبس) قال الحق تبارك وتعالى فيها: (فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا صببنا الأرض صبا * ثم شققنا الأرض شقا * فأنبتنا فيها حبا * وعنبا وقضبا * وزيتونا ونخلا * وحدائِق غليا * وفاكهة وأبا* متاعا لكم ولأنعامكم)[5]، وذلك فى أعقاب ما تحدثت به السورة عن خلق الإنسان، وتحديد صفاته وجنسه وأجله ورزقه، إلى غير ذلك.

ويأتى الحديث عن طعام الإنسان من خلال الآيات المذكورة بما يمثل دعوة مباشرة وخطابا موجهاً؛ لتأكيد وحدانية الله تعالى، من خلال ما أنبته فى الأرض بمختلف الأشكال والألوان والطعوم والأهداف.

وقد عرض الدكتور زغلول النجار لهذه الآيات ضمن بحوثه عن الإشارات الكونية فى القرآن الكريم، ومغزى دلالاتها العلمية، فقال فيما يخص المحتوى الإيمانى والتوجيهى لهذه الآيات: "تنبيه الإنسان الغافل، والجاحد لنعم الله تعالى عليه؛ كى ينظر إلى طعامه، ويتفكر فى الذى أعده له بالعديد من العمليات الدقيقة والمرتبة، والمسخرة لإنزال المطر، ولجعل الأرض قادرة على الإنبات، وخلق مختلف النباتات فيها من ذوات المحاصيل، كالحبوب والأعناب والبقول والخضروات والزيتون والنخيل، ومختلف أنواع الفواكه والثمار، ومن غير ذوات المحاصيل كالكلأ والعشب مما يحتاجه كل من الإنسان والأنعام للطعام والشراب.

والطعام ضرورة من ضرورات نمو كل منهما، كما أنه لازم لتعويض ما يموت من خلاياه، ولازم لبقائه على قيد الحياة إلى أن يتوفاه الله"[6].

وليس الأمر إلى الإنسان فيما يخص النظر إلى طعامه قاصراً على المشاهدة التى تفرّقُ نوعا من آخر من مكونات طعامه، وطعام الأنعام التى يعتمد عليها فى كثير من أكله وشربه وسائر منافعه، وإنما المستهدف من ذلك هو النظر المرتهن بالتأمل، وإعمال الفكر والوصول إلى مزيد من الإيمان والتقوى.

وتحدث الإمام القرطبى – رحمه الله – عن هذا الأمر الخاص بقول الله تعالى : (فلينظر الإنسان إلى طعامه) فقال: "لما ذكر جل ثناؤه ابتداء خلق الإنسان، ذكر ما يُسَّر من رزقه، أى فلينظر كيف خلق الله طعامه، وهذا النظر نظر القلب بالفكر، أى ليتدبر كيف خلق الله طعامه، الذى هو قوام حياته، وكيف هيأ له أسباب المعاش، ليستعد بها للمعاد"[7].

وقوله تعالى: (أنا صببنا الماء صبا): أى الغيث، وجاءت بداية الحديث عن الطعام بذكر الماء، فهو سابق ومتقدم فى الوجود على خلق الحياة، ولا يستغنى عنه النبات والحيوان والإنسان، ويتصاعد بخار الماء من الأرض إلى ما يُسّمى الحد الأعلى لنطاق الرجَّع، ويصير سحاباً، ويعود إلى الأرض مطرا، ثم يتجمع على سطح الأرض، وتُسَلّط عليه أشعة الشمس، فيرتفع على هيئة بخار، وقوله: (ثم شققنا الأرض شقا) وذلك بالنبات (فأنبتنا فيها حبا)؛ لأن الحب لا ينبت إلا فى تربة الأرض، والحبّ هو الزروع مثل القمح والشعير، وقوله: (وعنبا) أى كروماً، وقوله: (قضبا) أى علفا رطبا للدواب كالعشب، وقيل ما يقضب من النبات؛ ليأكله الإنسان غضا طرياً، مثل الفول، وقوله: (وزيتونا ونخلا) وهذان معروفان، ويشملان أجناساً وأنواعاً كثيرة، وقوله : (وحدائق غلبا) أى حدائق كثيرة ملتفة الأغصان ، وقوله: (وفاكهة وأبا) والفاكهة معروفة، أما الأب فهو الكلأ والمرعى الذى تأكله البهائم من العشب وغيره.

ولقد جاءت الآية الأخيرة من الآيات التسع المذكورة، لبيان قيمة هذه الأطعمة للإنسان والحيوان، فقال تعالى : (متاعا لكم ولأنعامكم) أى تتمتعون بها وتنتفعون.

وبدأت هذه الآيات بالأمر إلى الإنسان؛ حتى ينظر إلى طعامه، ويتأمل فى قدرة الخالق، وتتبع مراحل النمو، بالأمر إلى أن يصل إلى الغذاء الذى يحتاجه الإنسان وسائر الكائنات الحية.

وجاء التأسيس لذلك بالإخبار عن نزول المطر وشق الأرض؛ تمهيدا للإنبات الذى تحدثت عنه خمس آيات، تتصل اتصالا مباشرا بطعام الإنسان والحيوان، وهى قول الله عز وجل : (فأنبتنا فيها حبا* وعنبا وقضبا* وزيتونا ونخلا* وحدائق غلبا * وفاكهة وأبا)[8].

وقد وضح من هذا الترتيب للبيان القرآنى أنه جمع بين صب الماء وشق الأرض وإنبات الزروع والثمار فى تسلسل وترتيب معجز، إلى أن تأتى الآية الأخيرة محددة الهدف من النظر، سعيا إلى التأمل فى مخلوقات الله ، وإلى أهمية ذكر هذه الآيات، وما تشمله من نباتات وزروع وثمار فقال الله تعالى: (متاعا لكم ولأنعامكم) وقد كتب ابن كثير عن قول الله تعالى : (فلينظر الإنسان إلى طعامه) فقال: وفيه امتنان وفيه استدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة على إحياء الأجسام بعد ما كانت عظامًا بالية وترابا متمزقا"[9].

ولم يقتصر عرض القرآن الكريم لطعام الإنسان وشرابه على هذه الآيات، وإنما أعيد الذكر والبيان فى آيات آخرى متعددة، تتناول كل واحدة منها بعض الزوايا فيما يتصل بالنظر والتأمل، وصولا إلى تثبيت الإيمان وترسيخ العقيدة، كما جاء فى قول الله تعالى: (وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شئ فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن فى ذلكم لأيات لقوم يؤمنون)[10].

وقد بدأت هذه الآيات بالإخبار عن قدرة الله تعالى فى إنزال المطر، وما يترتب عليه من إخراج النبات، والذى يتمخض عن إخراجات متعاقبة إلى الحَبّ المتراكب، الذى يركب بعضه بعضا، كما فى سنابل القمح والأرز وغيرها.

وتُوالى الآية تقديم الحبوب والثمار والفواكه؛ حتى تصل إلى ما قبل نهايتها فتذكر الثمار، الذى يمثل الغذاء الرئيسى للإنسان، وذلك عند مرحلة النضج والانتهاء، إلى أن تكون خاتمة الآية، التى جاءت بأسلوب مؤكد للإفادة عما فيها من آيات ودروس واعتبارات للمؤمنين الصادقين فى إيمانهم، وفى تدبرهم لمكونات الطعام والشراب.

3- التدبر والاعتبار بالطعام والشراب :

لقد دعا الإسلام إلى الإستقواء بالطعام والشراب؛ لتحقيق مزيد من الشكر والتأمل لصنائع الله فى الأرض والسماء، وجاء ذكر الطعام فى القرآن والسنة بأشكاله وهيئاته المختلفة، منها أطعمة الكفارات والهدى فى الحج، وأطعمة المناسبات الدينية، كعيد الأضحى وأطعمة العقائق والولائم وغيرها، واعتبر الحرمان من الطعام اختباراً للبشر بالجوع، الذى يعد مع الخوف من أقسى أنواع الإبتلاءات، التى تستدعى اليقظة الإيمانية لعباد الله المتقين.

وفى ضوء ما تقدم يلزم على المؤمن أن يتدبر ما أنعم الله سبحانه وتعالى به عليه، فيما يتصل بالطعام والشراب، وكيفية وصولهما إلى أمعائه والاستفادة بهما، كالإمداد بالطاقة والحركة والسعى إلى إطعام المحتاجين، وإيصال المستحقات إلى الآخرين الذين يعجزون عن الكسب، ولا تستقيم لهم الحياة إلا بما يؤول إليهم من الآخرين، ولذا يجب مراعاة آداب إخراج الزكاة والصدقات، وينبغى أن يكون النظر إلى الطعام مرتهناً بالتأمل فيه والاستقواء به، سعياً إلى ترسيخ الإيمان، وتقوية العقيدة، وحسن الإقبال على الله تعالى، وهو نعم المولى ونعم النصير.

الدكتور/ السيد محمد الديب
وكيل كلية اللغة العربية – جامعة الأزهر – بالزقازيق


[1] سورة الطارق (5).
[2] سورة الغاشية (17).
[3] سورة الصافات (88).
[4] سورة يوسف (109).
[5] سورة عبس (24 - 29).
[6] جريدة الأهرام اليوم الثالث من مارس 2003م ص 12.
[7] تفسير القرطبى جـ19 ص 220.
[8] عبس 27 - 31.
[9] تفسير ابن كثير جـ4 صـ472 .
[10] سورة الأنعام (99).