كانت بدايات الدعوة الإسلامية في أشد الاحتياج إلي ثبات الرسول صلي الله عليه وسلم علي الحق واليقين، لينطلق برسالته إلي سائر الخلق، إذ أن قذائف العداء لدعوته كانت فوق الاحتمال، ولا يصح في سبيل ذلك إلا التصدي للإعاقات المنكرة، والإشاعات المغرضة مع وجوب الاحتماء بوعد الله تعالي، والاستبشار بالنصر المبين، قال تعالي : وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ " [1].
خلق الثبات
إن خلق الثبات استقرار واطمئنان، وثقة في قدرة الله، ويقين جازم بأن التحول لا يكون إلا بأمره تعالي، وأن المؤمن القوي بربه لن تقوي نوازع الشر أن تزحزحه عن المبادئ القويمة، التى يتمسك بها ويحرص عليها، ويدافع عنها.
وتتجلي الفوارق والحدود الفاصلة مِن خلال مَنْ يحتكم إلي الحق، ويثبت علي المبدأ، فتقوي عزيمته، ويعمق إيمانه، ويتصدي للباطل، ويقاوم المنكر فيتحقق له الرضا في علاقته بربه، ويمن الله عليه بالخير والسعادة من خلال علاقته بالبشر، ويأتي ذلك مقابلا لنوع آخر من الناس، يتزعزع موقفه مع المبادئ، فيضحي بها، ويتنازل عنها، وينحرف إلي الضلال، ويمعن في الباطل، ويسعي إلي زخارف الدنيا، قال تعالي" ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ" [2]. إذ لا يصح أن يكون الثبات علي باطل، أو علي شبهة في حق، فالوقوف علي ذلك سلوك بغيض وخلق ذميم، ينبغي التخلي عنه لتصحيح المواقف، واختيار الطريق المستقيم، واجتناب المنكر المسيئ، وانحياز للمبدأ القويم، وإحياء للحق والمعروف.
وعندما تتوهج أنوار اليقين في قلوب المؤمنين الصادقين، ويشهدون بأنهم علي المحجة البيضاء فلا يصح أن ينحرفوا عنها، ويميلوا إلي غيرها، بل يجب أن يثبتوا عليها، ويسألوا الله تعالي من فضله أن يُقوِّي عزائمهم، ويفت من عضد عدوهم، ويثيبهم علي الإيمان، فما أقسي أن يتخلي المؤمن عن مبادئه، التى هي عين الحق والصواب، فينحرف عنها إلي طرق ملتوِِ، او منهج ضال، أملا في تحقيق كسب مادي ، أو نصر معنوي، ويأتي ذلك تخليا عن الأخلاق الفاضلة، والقيم النبيلة، التى عاش بها واعتمد عليها فتكشف الأيام المتداولة عورات طموحه الخادع وسوءات أمانيه الزائفة، فعن أنس رضي الله عنه قال :" كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يكثر أن يقول : يا مقلب القلوب ثبت قلبي علي دينك، فقلت يا رسول الله آمنا بك، وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال : نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن سبحانه وتعالي، يقلبها كيف يشاء"[3].
وتتحرك بعض النزعات السالبة في كيان الإنسان فتقطعه عما ألفه من الحق والصواب، سعيا إلي تحقيق آمال وطموحات كبار، وينال ما يفكر فيه، ويشغل به نفسه، فتنهزم قوات دفاعه، وتنهار قواعد مبادئه، وتتلاشي القيم الأصيلة لديه، فيهجر ما استقر وثبت عليه، متجاوزا بذلك ضوابط الأخلاق السامية والخلال الفاضلة.
إن خلق الثبات علي الحق والحفاظ علي المبدأ تفعيل إيجابي للعديد من الأخلاق التي تحدد معامل الشخصية الإسلامية، من حيث الالتزام بالوعد، والوفاء بالعهد، والصدق في القول، فالالتزام بهذه الأخلاق وغيرها تأكيد لخلق الثبات علي الحق والحفاظ علي المبدأ.
أحداث من سيرة النبي صلي الله عليه وسلم
تذكر أحداث السيرة النبوية كثيرا من المواقف الخالدة، التى تدعم خلق الثبات علي الحق ونذكر من ذلك ما يلي:
1- لقد كانت غزوة أحد ابتلاء واختبارا قاسيا في مسيرة الدعوة الإسلامية، وكان هدف المشركين أن يقضوا علي الرسالة المحمدية، التى صار لها شأن بعد الانتصار في بدر، والذي انعكست آثاره علي رؤوس القبائل في مكة، وتحرك جيشهم إلي مشارف المدينة، وكان استعداد المسلمين للدافع عن وطنهم في حدود طاقاتهم، واعتلت مجموعة من الرماة موقعا مهما فوق جبل أحد، وأمرهم الرسول بالثبات في عبارات وتعليمات واضحة، ولم يثبتوا في مكانهم، استبشارا بنصر تجلي لهم، قبل أن تضع الحرب أوزارها، فتخلوا عن مواقعهم التى كان عليهم أن يثبتوا فيها، وغاب عنهم أن ما صنعوه مخالفة لتوجيه الرسول صلي الله عليه وسلم، وتبدلت النتائج، وصار الرسول في وضع غير آمن، واستعان بالله تعالي وثبت في موضعه، والتفّت به طائفة من الصحابة الأجلاء، فاستقروا حوله، وأحاطوا به، وتنبهوا للمخاطر التى يمكن أن يؤول إليها شأن الرسول ومستقبل الإسلام، وحقق خلق الثبات لديهم الحماية للرسول صلي الله عليه وسلم، والتجاوز لآثار التراجع والتقهقر، الذي ذهب ضحيته عدد من الفوارس الشجان، وأولهم حمزة بن عبد المطلب، أسد الله وأسد رسول الله صلي الله عليه وسلم.
ولقد تمضخت الغزوة الأُحدية عن بعض الخسائر، وكثير من الدروس والفوائد، ومنها سلامة الرسول من الأذي، وإعلاء خلق الثبات علي الحق، والحفاظ علي المبدأ، وكان الدرس قاسيا والتجربة شديدة الإيلام.
2- لقد أعجب المسلمون بكثرتهم في غزوة حنين، ولحق بهم ما لم يتوقعوه، فتقهقروا، ثم شرعوا في الانسحاب، وأخذت الساحات تفرغ منهم، وكان الإعجاب بالكثرة شعورا داخليا غير محسوس في حركة القتال، فشق ذلك علي النبي، ولكنه لم يستسلم لبوادر المفاجأة والتراجع البغيض، فثبت في مكانه، وثبت معه بعض الصحابة من أقاربه، ومن غير أقاربه، وجاء بصحيح البخاري عن أبي إسحاق:" قيل للبراء وأنا أسمع: أوليتم مع النبي يوم حنين؟ فقال: أما النبي فلا، كانوا رماة، فقال النبي صلي الله عليه وسلم:
أنا النبي لا كذبْ * أنا ابن عبد المطلب [4]
وكان المسلمون في احتياج إلي الثبات وعدم الفرار، والسعي إلي تحقيق النصر، وعدم الاغترار بالكثرة قال تعالي : "كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ " [5] وإذ بالقلة المؤمنة تفطن للمخاطرة وتتنبه إلي ما يجب فعله، وهو الاستعداد لرد الهجوم، والثبات علي ما تحت أرجلهم من مواقع، واستدعاء الراغبين في النصر، الذين أُخذوا علي غرة، واختار المصطفي صلي الله عليه وسلم عمه العباس بن عبد المطلب لينادي بأعلي صوته قائلا " يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمُرة، يا أصحاب سورة البقرة،" ثم رفع عقيرته ونادي :" يا معشر الأنصار الذين أووا ونصروا، يا معشر المهاجرين، الذين يايعوا تحت الشجرة، إن محمدا حيي فهلموا" .
وكانت هذه النداءات شديدة الوقع والتأثير علي الراغبين في إعلاء الحق، وتحقيق النصر، وزاد الالتفاف بالقائد المبعوث رحمة للعالمين، واستؤنف القتال من جديد بعزيمة، صلْدة، وثبات يرهب الأعداء، وتحقق النصر المبين.
تجليات الثبات علي الحق
1- إن الثبات علي الحق خلق إسلامي قويم يشمل سائر توجهات المسلم، وأول ما يجب أن يحرص عليه هو الثبات في مجال العقيدة، تلك التي إذا اهتزت أو توارت فإن السلوك الكاشف لها والمنبئ عنها يحول صاحبها إلي كيان ضعيف لا يثبت، وربما تتضح تجليات ذلك في مسيرة المسلمين الأوائل، الذين عُذبوا وأجبروا علي التراجع، ولكنهم ثبتوا علي عقيدتهم، ولم يرتدوا، وحافظوا علي إيمانهم، وإن أصابهم في سبيل ذلك ما أصابهم، فاللجوء إلي الله، والافتقار إليه هي بواعث القوة في قلب المؤمن، قال تعالي :" وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا"[6].
2- إن تدبر القرآن الكريم والعمل به أساس قوي وداعم عظيم لتحصين المسلم بخلق الثبات علي الحق، والحفاظ علي المبدأ، فالقرآن يحتوي الدروس والعبر من قصص السابقين، وتجارب الأنبياء، وهو كتاب مبين، يحمل جهاد المرسلين، التى كانت دعامات للقوة والتصدي للباطل ومواجهه المنكر، خاصة في السنوات الأولي من عمر الإسلام، وكان السجل الأخلاقي للقرآن زادا وعطاء للرسول صلي الله عليه وسلم، ومما خوطب به قول الله تعالي :" وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ " [7].
3- العمل بطاعة الله تعالي والالتزام بسنة الرسول صلي الله عليه وسلم، وحسن التعامل مع البشر ينبت كل ذلك أغذية للقلوب التى تحصنها من المعاصي، وتدعمها إلي الالتزام والعمل بأخلاق القرآن الكريم، ومن بينها خلق الثبات علي الحق، والحفاظ علي المبدأ، أما الانحراف عن كل ذلك والتحلل منه فلا يتفق مع المنهج الإسلامي الذي يصون شخصية المسلم، ويحفظ لها عزتها وكرامتها، ولنقرأ في ذلك قول الله تعالي :" وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا" [8].
4- إن ألزام ما يجب علي المؤمن فعله مراعاة التطبيق لأوامر الله تعالي ونواهيه، ويتجلي ذلك في حتمية الثبات علي المنهج، والالتزام بطاعة الله تعالي، التى تتجلي في العبادات المفروضة، حيث يتقرب المسلم بها إلي ربه ، قال تعالي :" وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" [9] ،وإن البعض يواصل اقترابه من ربه بالعبادة، ويحافظ عليها، لكنه في غمرة انشغاله بدنياه يحدث أن تتبدل مواقفه، ولربما كان يصلي ويصوم، وينفق ويتصدق، ولكن سعيه لم يكن ثابتا ومستقرا، فقد تكون عبادته موجهة إلي هدف ينشده وغرض يسعي إليه، أو كأنه نذر مشروط فإذا تحقق أمله ورجاؤه فإنه يصاب بتراجع ذميم، وتحول بغيض، وكأنه يتمثل قول القول:
صلي وصام لأمر كان يطلبه * لما انقضي الأمر لا صلي ولا صاما
وقد يكون الحاصل خلاف ذلك، إذ يمارس الإنسان حياته، وهو منصرف عما يجب فعله تجاه ربه، ويمعن في ابتعاده، وقد يجور ويظلم، ولا يستيقيظ، ثم يلحق به ما يؤلمه ويوجعه فيصحو من غفلته، ويتذكر خطأه وينتبه إلي نعم الله عليه، ويجدد العهد به، متضرعا إليه، عسي أن يفرج كربه ويزيل همه، وبذلك يكون الابتلاء قد صحح مسيرته مع الإيمان واليقين فيثبت علي الحق، الذي عاد إليه، وعلي اليقين الذي احتواه، طالبا العفو والعافية من الله تعالي، وعلي كل فالرجوع إلي الحق خير من التمادي في الباطل.
إن مجالات الثبات علي الحق كثيرة ومتعددة، وهي تشمل إلي جانب ما ذكرنا الثبات في التفكير، والالتزام بالمبدأ ، وعدم التحول عن الجادة لهدف غير سديد، والحرص علي الشهادة الصدق، التى تحفظ الحقوق وتصون الواجبات، والتي ينبغي أن تكون موضع العناية والاهتمام من كل مسلم، كما أن التجاهل لخلق الثبات علي الحق والخروج من دائرته لا ينبغي أن يكون له موضع في العلاقات الإنسانية، فحقوق العباد من خلال المعاملات تعد اختبارا لتوجهات من يرعاها ويدير كفتها، كما ينبغي أن يكون حاضر الإسلام امتداداً لماضيه، فالتحلل من الثبات علي الحق طغيان علي المنهج الإسلامي للحياة، الذي ينبغي التمسك به وعدم التفريط فيه، لأن في ذلك الخيرَ للبشر، والطاعة لله تعالي.
دكتور/ السيد محمد الديب
[1] هود 120
[2] ابراهيم 28
[3] رواه الترمذي (2140) وصححه الألباني، وقوله :" بين أصبعين من أصابع الرحمن" أي القدرة والمشيئة.
[4] فتح الباري علي صحيح البخاري جـ 7 (4316 )
[5] البقرة 249
[6] الإسراء 74
[7] هود 120
[8] النساء 66
[9] الذاريات 56