الخروج من اليأس ج٢

1 دقيقة قراءة
بواسطة Ahmed Eldeeb
الخروج من اليأس ج٢
Photo by Baldiri / Wikimedia Commons

اليأس من صفات الكافرين:

اليأس صفة سالبة حيث يفتقد اليائس بمقتضاها القدرة علي التبصر، والرؤية الشاملة لما يحق له وما يستحيل عليه، ويتخلله عناد ومكابرة قد تصل إلي عبادة الذات، واتخاذ الهوى إلها من دون الله، وما دام الكافرون قد ابتعدوا عن دين الله، واستحكم الصلف في توجههم فعلى المؤمنين أن يسقطوهم من حساباتهم وألا يخشوا منهم شيئا، لأنهم افتقدوا قوة الدفع الإيماني، الذى يمتلكون به القدرة علي التحرك الإيجابي، لاقتلاع اليأس من النفوس، وصاروا ضعافا في مهبات الرياح قال تعالى ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ﴾(1) .

إن اليأس صفة مرهونة بفقدان الأمل والتعلق بالوهم، وذلك مرتبط غالبا بالكافرين، إذ عرض القرآن الكريم لأحوال بعض الكفرة، ويأسهم من الإسلام، ومن رحمة الله تعالى، وفي هذا الصدد روى أبو هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال " لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من رحمة ما قنط في جنته أحد "(2)

اليأس الإيجابي:

لا ينبغى للمؤمن أن ييأس أبدا من رحمة الله ونصره، فيحيا بالأمل ويجاهد في سبيله، وقد يحدث التأخير كأنه ابتلاء أو اختبار لقياس مدي القدرة علي التحمل والمقاومة، ثم يتلاشي اليأس، ويأتي الخير، وتنتصر الإرادة، ويتحقق الأمل المدعوم بنصر الله تعالى، وجاء ذلك بصورة مفعلة في اليأس الذي لحق بإخوة يوسف في الوصول إليه، ثم في الالتقاء جميعا بأبيهم عليه السلام.

وتتحقق الراحة في الدنيا بعدم النظر إلى ما في أيدي الناس، فقد روي ان رجلا أتي النبي ﷺ فقال يا رسول الله : أوصنى وأوجز، فقال :" عليك باليأس مما فى أيدي الناس فإنه الغنى، وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر، وصل صلاتك وأنت مودع، وإياك وما يعتذر عنه(3) ذلك أن المؤمن عند ما يتعمق إيمانه، وتزداد ثقته في ربه ولا يطمع فيما اختص به الآخرين، ولا يبالى بما تحت أيديهم ولا يشغل باله بإمكانية أن يؤول إليه شيئ منهم فإن هذا اليأس مما لدي الآخرين سلوك محمود ومأمور به، لأنه يشكل كيانا للمسلم فى علاقته بربه وبالناس جميعا.

علاج اليأس:

الياس مرض من الأمراض التى تصيب النفوس فتبقي عاجزة عن إدراك المعانى القيمة، ذلك أن تفهم هذا الداء ومعالم التعامل معه يلغى تأثيره الضار، وينبغى لتمام السيطرة على تقلبات النفس وتوجهاتها يراعى ما يأتي:

1- تعميق الإيمان بالقضاء والقدر، والثقة في عفو الله ومغفرته، واتباع سبيل التوبة والتصالح مع الله، للخروج الآمن من براثن اليأس، والأخذ بالأسباب المشروعة في حتمية التوكل علي الله تعالى.

2- تنمية الثقة بالنفس والاعتماد على الذات في القيام بالأعمال، التى تحقق المنافع للدين والدنيا.

3- محاولة الوصول إلى الاستطاعة، والقدرة علي التغيير إلي الأفضل في كل جوانب الحياة، ومطالعة تجارب الناجحين في شتي المجالات بلا كراهية وازدراء للآخرين.

4- مطالعة قصص الأنبياء والرسل، الذين غيروا وجه الحياة ، والتعرف علي الصعاب التى واجهوها حتى بلّغوا رسالاتهم إلي البشر، ومن بين ذلك ما كان من يونس عليه السلام عندما كان في بطن الحوت، ويوسف في غياهب السجن، ومحاصرة الرسول ﷺ وتعقبه قبل الهجرة، والعقم ثم البشارة بالولد في حق إبراهيم عليه السلام.

5- الاعتراف والإقرار بأن الاستسلام لحالة اليأس لا يجني صاحبها إلا مزيدا من القلق والتعب والمرض، وفي مقام الإيمان يستلزم الثقة في الله فهو سبحانه غفور رحيم، وعندما يقع الناس في المساوئ، وتلحق بهم العقوبات فإنهم ينهزمون باليأس والإحباط، غافلين عما اقترفت أيديهم من مسببات لليأس، وفقدان الأمل قال تعالى ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾(4)

ذلك أن اليأس لا يقتصر تأثيره الضار على أحوال الدنيا، ولكنه يصيب الروح والعقل معا فيفقد الإنسان الأمل في إمكانية تغير الأحوال والأوضاع من حوله ، وما ذلك علي الله بعزيز.

د. السيد محمد الديب


(1) المائدة 3
(2) رواه مسلم حديث 2755
(3) رواه الحاكم والبيهقي في كتاب الزهد، وقال الحاكم صحيح الإسناد
(4) الروم 36