دور الشباب في نجاح الهجرة النبوية

1 دقيقة قراءة
بواسطة Ahmed Eldeeb
دور الشباب في نجاح الهجرة النبوية
Photo by Fawaz.alfares / Wikimedia Commons

إن الطاقات الهائلة التي تحتويها كياناتُ الشباب تقوّى الرغائب لديهم في العمل والنشاط، وتحقيق ما تصبُو إليه نفوسُهم، وما يحلمون بتنفيذه إلى منتجات رائعة يستفيد بها الآخرون، ممن يعجزون عن العمل؛ لكبر أو صغر في السن، أو لانهزام بسبب مرض أو عجْز، أو لأحوال أخرى معيقة.

ولا شك في أن الهجرة النبوية كانت علامة فارقة في تاريخ الإسلام، وفي مسيرة الرسول ﷺ، ولم يكن بالميسور عليه أن يُغادر مرابع طفولته وصباه إلى بلد جديد، لم يألف ماءَه وهواءَه، لكنّ أهداف الدعوة تحتاج إلى تضحيات، وبحث عن وسائل للنجاح، إذ أن هجرات المسلمين إلى الحبشة، وهجرة الرسول نفسه إلى الطائف لم تحقق بعض المستهدف من مهمة التبليغ، والذيوع لأنوار الإيمان، التي صارت مهيأة لمزيد من الانتشار خارج مكة المكرمة.

وكانت الهجرة النبوية عملا جماعياً لا يتيسر للرسول ﷺ أن ينهض به منفرداً، وأن الصداقة المحببة بينه وبين أبي بكر رضي الله عنه كانت في احتياج إلى دعاماتٍ أخرى في سبيل إنجاح هذا العمل المعبأ بالجهد والمشقة والتضحيات.

ويُعد على بن أبي طالب كرم الله وجهه من أشجع وأعظم المجاهدين في الإسلام، فقد كلفّه رسول الله ﷺ بأن ينام في فراشه أي فراش الرسول ﷺ ويتغطى ببُرده الأخضر الحضرمي ليلة الهجرة، وتمركز أمام بيت الرسول ﷺ عددُ كبير من شباب المشركين يمثلون القبائل القرشية، والذين كُلِّفوا بالإجهاز على الرسول، وضربه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمُه على القبائل، فلا يستطيع بنو عبد مناف وهم قوم الرسول – على حرب جميع القبائل، وبعد أن هدأ الكون، وأغشى النوم سائر البشر، وكلُّ الشباب أمام بيت الرسول ﷺ وفي هذه اللحظة الحاسمة خرج ﷺ من بين صفوف الشباب، والقى عليهم حفنةً من التراب وهو يقرأ من أول سورة يس إلى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾(1)

وتحرك الرسول متجهاً تحت ظلام الليل إلى بيت صديقه ورفيق هجرته، ليبتدئا رحلة الهجرة، وكان نومُ عليٍّ وغطاؤه ببُردة الرسول عملاً دقيقا موفقاً، ويبدو أن أبواب البيوت في القديم لم تكن محكمة بالدرجة التي يختبئ تماما مَنْ بداخلها، فهي أبوابٌ ذاتُ ثقوب وفروجات يستطيع الواقف أمامها أن يتلصص النظر فيكشف مَنْ بالداخل، وهكذا كان فعلُ الشباب القرشي، إذ ينظرون فيشهدون عليا تحت البردة وهم متأكدون أنه الرسول ولا أحدَ سواه.

ولما علم هؤلاء الشباب بخروج الرسول من بيته اقتحموا الدار، وسألوا عليا كرم الله وجهه عن مقصد الرسول وإلى أي مكان ذهب فلم يقل لهم سوى: " أدرى".

ولم تكن هجرة الرسول سهلة ميسرة من حيث التفكير والتنفيذ، والماضي - الذى عاشه والحاضر الذي بحياه- إذ كان تركه مكة عزيزاً على نفسه، لكنه كان مضطراً، وللضرورة أحكامُها فغادر وطنه الغالي بَمنْ فيه من بقايا الأهل، وبما فيه من بيت لرب العالمين، فلم يجد إلا المناجاة لمكة قائلا: "اللهم إنك لأحبَّ أرض الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت"(2).

ويبقى لعليً كرم الله وجهه الدورُ الإنساني المؤصل لقواعد الإسلام في الحفاظ على الأمانات، ورد الودائع إلى أصحابها، وكانت تلك هي المهمة التي كُلف بها، وبقى لها ثلاثة أيام إلى أن شرع في هجرته وأتمها، ووصل إلى الرسول ﷺ، وهو في المسافة ما بين قباء وبيت أبي أيوب الأنصاري، حيث بركت ناقته (القصواء) وعليها رسول الله ﷺ قال تعالى ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾(3)، ولم يكن علي كرم الله وجهه وحيداً في هذا النجاح، الذي اسهمت فيه ثلة مؤمنة قوية، كانت ذات تأثير في نجاح هذه الهجرة المباركة.

د. السيد محمد الديب


(1) يس 9
(2) رواه الترمذى
(3) النساء 58