من أبطال الهجرة النبوية

1 دقيقة قراءة
بواسطة Ahmed Eldeeb
من أبطال الهجرة النبوية
Photo by Jebulon / Wikimedia Commons

لقد كان نجاح الهجرة النبوية نجاحا مبهراً ومؤثراً في مسيرة الإسلام، ونذكر من أبطالها – إضافة إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه- بعض الشباب الذين كانت لهم مواقف خالدة تستحق الذكر والإشادة، واتخاذها قدوة لسائر المسلمين.

فعامر بن فهيرة هو مولى أبي بكر الصديق، وراعى غنمه وموضع ثقته، وقد أمره أن يرعى الأغنام في النهار، ثم يذهب بها إلى الرسول ﷺ، وهو معه في غار ثور؛ حتى يستعينا بألبانها، وربما بعض اللحوم منها، طوال إقامتهما في الغار، ثم يعود بها لإزالة أية آثار لأقدام من يفد إلى الرسول ﷺ، وخاصة عبد الله بن أبي بكر؛ إمعانا في السرية والكتمان عن موضع الاختفاء، وعندما شرع الرفيقان في المغادرة إلى المدينة أردف الصديق خلفه عامراً ليخدم الرفيقين في الطريق، ويكون عونا لهما على مواصلة الارتحال.

ويعد عبد الله بن أبي بكر أحد الكيانات المنبعثة من بيت الصديق للإسهام بصدق وكفاءة في التفعيل الإيجابي، والمعونة المؤثرة في أحداث الهجرة المباركة، فكان يأتي للرفيقين بالأخبار، وتلك مسئولية في غاية الأهمية، إذ على أساسها يبدأ التحرك، والخروج من الغار، وكان يقضي معظم الليل معهما، ثم ينطلق مع الفجر إلى قريش؛ ليسمع ما يدورُ ويجرى على ألسنتها، ويعود إلى الغار ليروي مجموع ما استمع إليه، وكانت هذه المهمة على درجة عالية من السرية والكتمان، ولم يصل خبراء الصحراء إلى أسرارها، ولم يكن هذا التواصل مكشوفا للقرشيين، فلم يصل إليهم ما يدلهم على مكان الاختفاء يقينا ولا موعد الرحيل، فلما توصلوا باجتهاداتهم ومعارفهم بطرق الصحراء وصاروا على باب الغار تدخلت الإرادة الإلهية لفرض الحماية والدفاع عن الرسول وصاحبه، فعن أنس رضي الله عنه أن أبا بكر حدثه قال: قلت للنبي ﷺ ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه فقال: "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما"(1)، قال تعالى ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾(2)

أما الجانب الأنثوي في نجاح الهجرة فكان متمثلاً في أسماء بنت أبي بكر، التي كانت رضي الله عنها تأتي بالطعام والشراب من مكة إلى الرفيقين بالغار بما يصلح شأنهما، وذلك بعد تلاشي ضوء النهار، وبدء انتشار سواد الليل، وفي إحدى المرات نسيتْ أن تربط سُفرة الطعام المعدّ للصاحبين، فما كان منها إلا أن شقت نطاقها نصفين تمنطقت بأحدهما، وجعلت الثاني عصاما أو رباطا للسفرهُ تربط وتعلق بها فلقبت بذات النطاقين، ونزل الرسول في قباء على دار عمرو بن عوف، ثم أنشأ المسجِدَ في المكان الذي لا زال شاهداً على أحداث الزمان، وتحرك الرسول صَوب المدينة، وكلما مر على ديار قوم من الأنصار تضرعوا إليه أن ينزل عليهم، إلى أن بركت ناقته أمام دار أبي أيوب الأنصاري فقال الرسول ﷺ "هنا المنزل إن شاء الله تعالى" أما المستقبلون له والملتفون بدعوته من الشباب فقد فرحوا بقدومه، وأنشدوا مجتمعين نشيدهم الرائع:

طلع البدرُ علـيـنـا من ثنيات الــوداع

وجب الشكر علـينـا ما دعـــا لله داع

أيها المبعوثُ فـينـا جئت بالأمر المطـاع

جئت شرفت المدينـةْ مرحبا يا خـير داع

وبدأت تتجلى تحت الأضواء الإيمانية قوة شبابية جديدة بدار الهجرة داعمةً لمن مع الرسول من الشباب، والذين جاءوا إليه من مكة، وإذا كان الاعتماد في هذه البطولة على الشباب الذي كان سببا رئيسا في دعم الهجرة، فلا يصح التقليل من إسهامات أصحاب الخبرة من الشيوخ، ولعل ذلك يأتي متجسداً في شخصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

د. السيد محمد الديب


(1) تفسير القرطبي ج8، ص146
(2) التوبة 40