نشأ الرسول ﷺ في مكة المكرمة وهي قرية بالإطلاق القرآني مجاورة لبيت الله الحرام وهي أيضا جزء من بيئة صحراوية لاتعرف سوى الرعي والتجارة ، وتحط الرحال إليها وتنطلق منها إلى الشمال و إلى الجنوب ، وكانت تلك النشأة متوافقة مع العادات والتقاليد العربية في الأكل والشرب والملبس والتجمع والتفرق ، وغير ذلك مما استقر في وجدان الإنسان العربي القديم .
وبدأ البعث النبوي إلى العرب بنزول القرآن الكريم ، وسطوع أنوار اليقين على محمد ﷺ الذي لم ينطق عن الهوى ، واشتمل الإسلام الحياة بشتى جوانبها مما اتصل بالله تعالى ، أو ما كان بين الناس على اختلاف أعمارهم وألوانهم وأنواعهم .
وبدأ الرسول ﷺ في تفعيل أخلاقيات الإسلام من خلال القرآن الكريم والحديث النبوي ، ومن ذلك :
أولا : الدعوة إلى الاستمتاع بالطعام الطيب الحلال ، قال تعالى ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ﴾(1) ورفض مانهى الله عنه ، كما قال تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾(2)
وذكرت سورة المائدة مطالبة الحواريين لعيسى عليه السلام بإنزال مائدة كي يأكلوا منها وتطمئن قلوبهم بها ، و يكون ذلك عيدا للأوائل والأواخر منهم ، قال تعالى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾(3) ،بمعنى حتمية أن يكون الطعام وهو سبب لبقاء الإنسان حلالا ومتاحا للجميع ، حتى لو اختلف الدين وفق المعايير الضابطة لهذا التحليل .
ثانيا : الحرص على الاجتماع للطعام ، وقد أكد الهدى المحمدي ذلك من خلال التشريع الداعي لإباحة أنواع متعددة من الطعام ، المرتبط بالمناسبات الإسلامية مثل الأضاحي والعقائق والولائم والهدى الكائن في فريضة الحج وأطر التناول للغذاء في الإفطار و السحور بشهر رمضان ، وغير ذلك مما أثبتته أحاديث الأطعمة في الكتب الصحاح.
وقد قال جماعة يارسول الله : إنا نأكل ولا نشبع ؟ قال فلعلكم تفترقون قالوا : نعم ، قال : فاجتمعوا على طعامكم ، واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه(4).
ففي هذا التلاقي تذوب الحزازات النفسية والعداوات الكائنة في أعماق القلوب مما استقر لديهم ، وتتلاشى الأنانيات الحمقاء ، وتتأكد القناعة والرضا في الاجتماع الذي ربما يقل به المعروض والمتاح من الطعام فيرضى المشاركون بما قدم إليهم ، فتنتشر المحبة والمودة والصفاء.
وعن جابر رضي الله عنه أنه قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول " طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة ، وطعام الأربعة يكفي الثمانية"(5).
ثالثا: دعوى الرسول ﷺ إلى مراعاة مشاعر الآخرين ، ويتحقق ذلك في أمور كثيرة مثل تجنب أكل الأطعمة ذوات الروائح المنفرة عند الاجتماع العام ، أو الالتقاء بالناس في أماكن تجمعهم ، فعن جابر رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال " من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا ، وليقعد في بيته(6) ، وأوتي ببٍِدر فيه بقول ، فوجد لها ريحا ، فسأل فأخبر بما فيها فقال : قربوها إلي بعض الأصحاب فكره أكلها ، فقال : كل فاني أناجي من لا تناجي(7).
فإن هذه الأطعمة تؤذي الناس سواء أكان ذلك عند اللقاء أم في الاجتماع خارج المكان ، أو عند الحضور إلى المسجد ، وقد رفض الرسول ﷺ نوعا من الطعام ،حتى لايؤذي من يناجيه أو أن احترازه ، لعدم إيذاء جبريل عليه السلام.
ومن هذه الآداب ضرورة مراعاة ما رواه عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال : قال لي رسول الله ﷺ "سم الله ، وكل بيمينك"(8).
ومن آداب الطعام مراعاة أحوال صاحب الحفل أو المكان ، فلا يأكل الضيف إلا بعد أن يأذن الداعي له ، والدعاء له عند الانتهاء ، والانصراف من المكان ، حتى يدبر شؤونه ويرتب أحواله ، ويعيد المكان إلى سابق عهده ، والاعتدال في التناول ، وعدم ذم الطعام ، وكل ذلك يترك أثراً ايجابيا للمناسبة ، ويعين الداعي على تكرارها .
وكان النبي ﷺ قد أكل عند سعد بن عبادة رضي عنه بخبز وزيت فلما فرغ منه قال : أفطر عندكم الصائمون ، وأكل طعامكم الأبرار ، "وصلت عليكم الملائكة"(9) .
أي جعلكم الله أهلا لإطعام الصائمين ، والأتقياء واستغفرت لكم الملائكة،وروي أبو هريرة رضي الله عنه قال " ماعاب رسول الله ﷺطعاما قط إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه "(10)
وتكثر اجتماعات الناس على الطعام والشراب في شهر رمضان ، ويأتي ذلك مصحوبا ( في بعض الأحوال) بالإسراف والتجاوز والشطط ، كنوع من التعويض المدَعي على ماكان من جوع وحرمان أثناء النهار ، وذلك يحرم بكل تأكيد الصائم من بعض الأهداف التشريعية لهذه العبادة ، التي تهل نفحاتها في شهر الصيام ، الذي ينبغي الالتزام فيه بسائر الآداب الإسلامية فيما يتصل بالطعام والشراب ، تفعيلا للمظهر الحضاري للإسلام .
د. السيد محمد الديب
(1) المائدة 88
(2) الأنعام 121
(3) المائدة 5
(4) رواه ابو داوود بسند صالح ( التاج جـ 3 صـ 130)
(5) رواه مسلم
(6) البدر : إناء دائري كالبدر
(7) رواه الخمسة ولفظه لأبي داوود
(8) متفق عليه
(9) رواه أبو داوود بسند صالح
(10) متفق عليه