جاء الإسلام لينشر المحبة والوفاق بين سائر البشر، وبدأت أنوارُه تنير طريق السالكين إلى المحبة والتلاقى، ولذا كان الخطاب القرآنى موجها إلى الفرد والجماعة؛ إعلانًا عن رفض التشرذم والانقسام، فالدعوة إلى الوحدة ونبذ الفرقة قد تجلت فى سائر العبادات، كالصلاة التى يجتمع الناس فيها متحابين يشدُّ بعضهم عزائم بعض، ومثلُ الزكاة التى شُرعت إعلانا للتأليف بين القلوب والتقريب بين الفرقاء من حيث الغنى والفقر، والزيادة والنقص، تلك التشريعات الإسلامية، التى تجلت فى فريضة الحج، حيث تتلاقى فيها القلوب خلال سائر المناسك، ولذا كانت ولا زالت رسالةُ الإسلام رسالةً اجتماعية تقرِّبُ بين سائر عباد الله المتقين قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾(1)
فقد أمر سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بالوحدة والتجمع، ونهاهم عن الفرقة والانقسام؛ لأن فى هذه الفرقة تفتيتا لقوة الإسلام، وتشتيتا لإرادتها وإطماعًا لأعدائها فيها، قال ﷺ : "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم"(2)
إن الاختلاف فى الرأى أمر قائم ومشروع ، وهو قضاء لحكم الله تعالى فى تصاريف البشر وقال تعالى فى ذلك: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾(3)، لكنْ أن يتحولَ الاختلافُ إلى خلاف يفسدُ العلاقات بين المسلمين إذ ينتقلون من القوة التى يستمدونها من شريعتهم الغراء إلى شلالات متفرقة يمزق الاختلاف أوصالها، فيتحولون من العزة والكرامة إلى الذل والخنوع، وكم من ممالك إسلامية ازدهرتْ ثم غابت وتلاشتْ بسبب الفرقة والتمزق والتصارع والتقاتل، ونذكر فى هذا الشأن حديث رسول الله ﷺ : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار"(4) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾(5)
إن الاختلاف فى الفروع ليس أمرا منكرا، لكنه عندما يتحول إلى صداع فى رأس الأمة، وانقسامٍ بين أفرادها فإن هذا هو مكمَنُ الخطر فى ظل عالم جديد (معاصر) تسعى فيه الأوطان إلى الائتلاف والتجمع، وتكوين تحالفات يمكن أن تكون إيجابية الهدف لكن الخطورة إذا تحولت لتكونَ ضد الآخرين، دون اعتبار للحقيقة والعدالة، كما أن الإمعان فى الاختلاف ومفارقة الجماعة إعلانٌ عن الانقسام والتمزق وإخبارٌ عن النهاية المؤلمة التى حَسَمَها قول رسول الله ﷺ : "مَنْ رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبْر فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهلية"(6)
لقد بلّغ الرسول ﷺ أصحابه وسائر الأمة حديثا قال فيه: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وشبك بين أصابعه"(7)
إن وصف الراوى لما فعله رسول الله ﷺ فى نهاية الحديث وهو عبارة "وشبك بين أصابعه" تأكيد بأن الرسول قد هدف بالتشبيك بين الأصابع إلى التدليل العملى المشاهَد على حتمية التلاقى والتجمع، وعدم التفرق، وحتى تبقى للأمة قوتُها وسلطانُها الذى تستمدُه من وحدتها وعدم انقسامها قال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾(8)
لقد دعا الإسلام إلى الوحدة والألفة بين الناس جميعا، ونهى عن الفرقة والانقسام الذى يمزِّقُ كيانَ الأمة، ويضعف نهضتها، مع أن الاختلاف على عمومه فى المسائل الفرعية خاصةً الأحكامَ الدينية لا شيئَ فيه، لكنْ أن يتحول الأمرُ إلى نزاع وشقاق واقتتال فهذا ما نهى الإسلام عنه وحذّر من أخطاره ومساوئه
د. السيد محمد الديب
(1) آل عمران 103
(2) البخارى
(3) هود 118
(4) البخارى ومسلم
(5) الأنعام 159
(6) اللفظ للبخارى من كتاب الأحكام (7143) ـ جزء 13 صـ130 فتح البارى
(7) متفق عليه
(8) آل عمران 105