هاجر الرسول صلى الله عيه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، ولم تغفل ذاكرته عن التفكير في مكة، التي وُلد بها وعاش فيها، وشهِدت تحولاتِه الكبرى في أزمنة الطفولة والصبا، والشباب والزواج، ونزول الوحي عليه، والتفاف أصحابه حوله، ولذا فإن وجوده بالمدينة لم يصرفه عن التفكير في العودة إلى مكة؛ لحبه لها، واشتياقه إليها، وأن عودته التي تكررت إليها عدة مرات بالعمرة أوالفتح لم ترو ظمأه بشأن رغبته في تحقيق مهام كثيرة، كتحطيم الأصنام، والتصالح مع خصومه بها، ومن هنا كان التفكير في أداء فريضة الحج، التي هي ركن من أركان الإسلام، وعبادة فرضها الله تعالى على الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى أمته في السنة السادسة من الهجرة، تلك السنة التي نزل فيها أو في زمن قريب منها قول الله تعالى: (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ)(1) وقوله تعالى (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (2).
ولقد عزم صلى الله عليه وسلم على أداء هذه الفريضة في السنة العاشرة؛ حتى يتمكن من إيضاح المناسك، وبيانها للناس، قال صلى الله عليه وسلم "خذوا عني مناسكم".(3)
ولما كانت هذه الحجة هي الأولى والأخيرة له؛ ولأنه أراد أن يوضح للناس بعض تمامات المنهج في خطبة يلقيها بعرفة، ويضيف إليها أخرى في منى، فكانت حجة الوداع حيث ودع الناس فيها، ولم يحج بعدها، وقد ذُكر أنه حج مرتين في مكة قبل الهجرة، وكان ذلك بكل تأكيد باجتهاد منه صلى الله عليه وسلم، ولم يكن هذا الركن قد تم فرضه وإقراره آنذاك.
والحج فرض واجب ليس على الفور، وإنما على التراخي بشرط توفر جميع الاستطاعات المشروطة ليتحقق الوجوب الناجز، ويلزم هذا الوجوب مرة واحدة في عمر المسلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؛ فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه".(4)
الاستعداد للحج، والخروج من المدينة:
علم الناس بعزم الرسول صلى الله عليه وسلم على أداء فريضة الحج، فتوافد إليه من شاء، ولم يرفض طلباً لراغب، وأخذ الناس يتجهزون للرحيل؛ لأداء هذا الركن ابتداء من ذي القعدة في السنة العاشرة، ونادى بذلك في سائر القبائل، إذ تروى كتب السيرة أن المدينة قد امتلأت عن آخرها بهؤلاء الراغبين في أداء الحج.
ويُروى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد طاف على نسائه، وأمرهن أن يرتحلن معه، ولم يُقرع بينهن، حتى يكون حجهن بيانا ومنهاجا لسائر نساء المسلمين، وذكرت بعض كتب السيرة أيضا أن النساء اللائي خرجن معه هن: عائشة وحفصة وصفية وسودة(5)، وربما تيسر الأمر لهؤلاء فخرجن؛ استجابة لدعوة الرسول، وخرج صلى الله عليه وسلم من المدينة المنورة لخمس بقين من ذي القعدة، وارتحل معه كل من شاء من المسلمين؛ سعياً إلى أداء هذه الفريضة، التي شُرعت لِحكم كثيرة يغيب بعض أسرارها عن الإدراك البشري، وقد تطهر الرسول صلى الله عليه وسلم، وصلى الظهر أربعا، وتحرك الركب الميمون قاصداً مكة المكرمة، والرسول على ناقته القصواء، إماما للناس، وكانت هذه الحجة تنفيذاً عمليا لهذه الفريضة؛ حتى لا يُدخل الناس فيها شيئاً من أعمال الجاهلية، وكأنه قد أحس بقرب رحيله من الدار العاجلهَ، فبادر إلى تثبيت الركن الخامس من قواعد الإسلام، ولما وصل الركب إلى ذي الحليفة صلى الرسول صلى الله عليه وسلم -هو ومن معه- العصر ركعتين قصراً، وارتدى ملابس الإحرام، وأحرم كل من معه، وأهلّ بالتكبير، ولهج بالدعاء.
ونوى الجمع بين الحج والعمرة مقترنين، وقيل كان مفردا للحج، وقيل كان متمتعا بالعمرة ثم تلاها بالحج، والرأي المختار لتغليب رواياته أنه كان مقرنا، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (خرجن مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال: "من أراد أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليُهل، ومن أراد أن يُهل بعمرة فليُهل، وأهلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج(6)، وأهل ناس معه بالحج، وأهل ناس بهما وأهل ناس بعمرة، وكنت ممن أهل بعمرة")(7)، وفي طريق السفر نزل دم الحيض من عائشة رضي الله عنها فبكت، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لها! مالك يا عائشة؟ لعلك نفست؟ قالت: قلت: نعم، والله لوددت أني لم أخرج معكم عامى في هذا السفر، فقال: "لا تقولن ذلك، فإنك تقضين كل ما يقضي الحاج إلا أنك لا تطوفين بالبيت". (8)
وكانت نساء الرسول صلى الله عليه وسلم قد أهللن بالعمرة – أولا - ولم تحرم معهن عائشة (لنزول دم الحيض)، فلما قضت مع الناس الحج أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم مع أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم (موضع إحرام المقيمين بمكة) قالت رضي الله عنها: قلما قضين الحج أرسلني النبي صلى الله عليه وسلم إلى التنعيم فاعتمرت فقال: "أي رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه مكان عمرتك"(9)، أي قضاء عن العمرة التي لم تؤدها.
ونعود إلى مسيرة ركب الرسول صلى الله صلى الله عليه وسلم، الذي قطع الرحلة في تسعة أيام، إلى أن وصل إلى مشارف مكة، وبات بذي طوى، وأصبح واغتسل ودخل مكة نهاراً(10)، ويروى عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة من كُذاء بالثنية العليا، التى بالبطحاء، وخرج من الثنية السفلى. (11)
وبدأ أهل مكة يُفعّلون حسن استقبالهم للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وذلك بإقامة الخيام لهم في محل نزولهم، ولما تراءى البيت من بُعدٍ للرسول صلى الله عليه وسلم أخذ يدعو ربه قائلاً: "اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما ونورا، وزد من عظمه ممن حجه واعتمره تشريفا وتعظيما، وتكريما ومهابة ونوراً"(12).
الطواف بالبيت:
ذَكرت عائشة رضي الله عنها أن أول شيء بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة أنه صلى الله عليه وسلم توضأ ثم طاف(13)، وأن أول ما ابتدأ به عليه الصلاة والسلام أنه استلم الحجر الأسود قبل الطواف، ولم يزاحم عليه، وهرول في الأشواط الثلاثة الأولى منه، ثم مشى في الأشواط الأربعة الباقية، وروى النجاري – وصولا إلى عمر رضي الله عنه- أنه جاء إلى الحجر فقبله، وقال: "إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك".
وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يلهج بأدعية كثيرة في طوافه بالأشواط كلها، ثم انصرف إلى مقام إبراهيم، وصلى به ركعتين قال تعالى: (وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)(14)، ثم عاد لاستلام الحجر، أو أنه لم يَصِلْ إليه لضعف كان به، أو لئلا يزاحم عليه فيحدث الأذى لغيره.
وقيل إنه صلى الله عليه وسلم طاف على راحلته، فلما أتى الركن أشار إليه. وقد أنهى عليه الصلاة والسلام طوافه، والصحابة يقتدون به، وهم سائرون على دربه فلما خرج إلى الصفا، ودنا منه قرأ: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ)(15)، وقال عليه الصلاة والسلام: "ابدأوا بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا وارتقى عليه، حتى رأى البيت فاستقبل القبلة، ووحد الله وكبره، وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"(16)، وكان كلما وقف على الصفا أو على المروة يدعو بهذا الدعاء، ولما انتهى من الأشواط السبعة على المروة قال: "لو أني استقبلت من أمرى ما أستدبرت لم أسق الهدى وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل وليجعلها عمرة"(17) ونقل الرواة عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته بالبيت، وبين الصفا والمروة، ولكن هذه الرواية تواجه بروايات أخرى، تدل على أنه عليه الصلاة والسلام كان ماشيا بين الصفا والمروة. (18)
وقد خرج عليه الصلاة والسلام من البيت الحرام، واستصحب معه شيئا من ماء زمزم، وأناخ بالبطحاء خارج مكة من جهة الشرق، وأقام في هذا الموضع من يوم الأحد إلى أن صلى الصبح يوم الخميس، وبقي في هذا المكان دون اقتراب من الكعبة، وكان هذا اليوم يوم الثامن من ذي الحجة، وهو يوم التروية، الذي تحرك فيه إلى منى، وأقام فيها، وصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم بقي بها حتى طلعت الشمس، وأهلّ بمنى مَنْ كان قد تحلل بعد تمام السعي، إذ أن الذي تحلل بعد تمام السعي قد أنهى أعمال العمرة، وهذا الإهلال بمنى كان للحج، ويطلق على الواحد من هؤلاء بأنه متمتع، ويلاحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مقرنا فبقى على إحرامه بعد إتمام السعي رضي الله عنهم جميعاً.
الإقامة في عرفات:
وصل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عرفة صبيحة يوم التاسع، ونزل بنَمِرة، وفيها منزل الإمام، وجمع بين الظهر والعصر، حيث أذن بلال، وأقام فصلى الرسول صلى الله عليه وسلم الظهر، ثم أقام وصلى الرسول العصر، ولم يُصَلّ بينهما شيئاً، ويُروى أنه ألقى خطبته الجامعة على ثرى عرفات في ذلك اليوم، وكان يوم جمعة، وتسمى خطبة الوداع، وسنعرض لها في حديث آخر، ويروي أيضا أنه ألقاها وهو على ناقته من فوق جبل الرحمة، ونزل عليه في هذا اليوم قول الله (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا)(19).
وتذكر رواية أن عمر بن الخطاب بعد أن استمع إلى هذه الآية بكى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما يبكيك؟" فقال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم صدقت".(20)
وروي الأئمة عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال: "يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرأونها لوعلينا أنزلت -معشر اليهود- لاتخذنا ذلك اليوم عيدا قال: وأي آية؟ قال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) فقال عمر: "إنى لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي أنزلت فيه، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة في يوم جمعة"(21)
ولم تذكر الرواية أسباب تقدير اليهود لهذه الآية، سوى التعقيب عليها من الفاروق رضي الله عنه.
ولم ينقطع الرسول صلى الله عليه وسلم عن الدعاء في موقفه بعرفة، وذكرت كتب السيرة وكتب العبادات روايات كثيرة من هذه الأدعية، منها ما روي عن النبي قال: "خير الدعاء دعاء يوم عرفه"(22)، وقال أسامة بن زيد رضي الله عنه: "كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات، فرفع يديه يدعو فمالت به ناقته، فسقط خطامها فتناول الخطام بإحدى يديه، وهو رافع يده الأخرى"(23) ذلك أن اعتلاء الرسول صلى الله عليه وسلم للناقة وركوب أسامة خلفه، وتمايل الناقة بهما، لم يشغل ذلك كله الرسول صلى الله عليه وسلم عن الاستمرار في الدعاء، ورُوي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم هي: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك"(24)، وغابت الشمس عن الرسول صلى الله عليه وسلم وسائر أصحابه، وهم جميعاً على ثرى عرفات، ثم أذن صلى الله عليه وسلم للجميع بالتحرك صوب منى، مرورا بالمزدلفة.
الإفاضة إلى المشعر الحرام بالمزدلفة:
خرج الرسول صلى الله عليه وسلم من عرفة على ناقته، وخلفه أسامة بن زيد، وكان يكف الناقة أحيانا عن السرعة فتسير بهما سيرا وسطا، مع استمراره في التلبية، وكان يقول للناس: "أيها الناس عليكم بالسكينة فليس البر بالإسراع قال تعالى (فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ)(25)، والمشعر الحرام جبل بمزدلفة يسمى قُزح(26)، ووقف الرسول عنده وقال: "... والمزدلفة كلها موقف"(27) ويمكن أن يفهم من ذلك أن المشعر الحرام يطلق على المزدلفة بلا تخصيص لموضع فيها، وكان أن جمع الرسول صلى الله عليه وسلم فيها بين المغرب والعشاء جمع تأخير وقضوا ليلتهم بها.
وقد التقط صلى الله عليه وسلم سبع حصيات، لرمي جمرة العقبة الكبرى، وهو يلهج ملبيا في تحركه إلى منى.
الإقامة في منى:
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحج مقرنا في أدائه بين الحج والعمرة، إذ أنه بعد أداء أعمال العمرة من طواف وسعي دون أن يحلق أو يقصر، قد بقى على إحرامه، وملتزما بشروطه وواجباته، حتى ينتهي من أعمال الحج، وفق الترتيب المنصوص عليه في كتب السنة؛ ولذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم وسائر الحجاج في هذه السنة لم يكونوا على نظام واحد في الأداء، إذ أن الاختيار وفق الأحوال يكون لواحد من ثلاثة مسارات للإحرام وهي: القرآن والتمتع والإفراد، وكان الحجاج مخيرين بينها، وسبقت الإشارة إلى أن زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم كن محرمات تمتعاً، بينما كان الرسول صلى الله عليه وسلم مقرنا بين الحج والعمرة وفق الترجيح بين الروايات.
لقد نزل صلى الله عليه وسلم بمنى، واستقبل العقبة الكبرى، ورماها بسبع حصيات، وتحدثت السنة النبوية عن هذا الرمي، والتحلل الأول الذي يعقبه، إذ جعل الرسول صلى الله عليه وسلم البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ونزلت عليه سورة البقرة، وروي جابر رضي الله عنه قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه"(28)، ويكون صلى الله عليه وسلم بعد هذا الرمي قد حل له كل شئ إلا النساء، وهذا بعض حديث من رواية أخرى عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء"(29)، ثم انصرف صلى الله عليه وسلم إلى منزله بمنى، حيث موضع النحر، وكان نحره لثلاث وستين بدنة، وهي مجموع سنوات عمره، ثم نحر على رضي الله عنه الباقي إلى تمام المائة، وكان صلى الله عليه وسلم قد طعم وشرب من لحومها" وقال: "نحرت هنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم".(30)
وقال تعالى: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ)(31)، وجاء الترتيب في أداء النسك من الرسول على الوضع التالي:
البدء بالرمي، ثم الذبح، ثم الحلق والتقصير، فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى منى فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق خذ وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس (32)، وقد تطيب صلى الله عليه وسلم قبل أن يغادر منى إلى مكة لأداء طواف الإفاضة.
طواف الإفاضة:
تحرك الرسول صلى الله عليه وسلم من منى إلى مكة، قاصدا الطواف بالبيت، وذلك هو طواف الإفاضة أو طواف الركن، حيث شَرَعَ في أداء هذه الشعيرة، وكان صلى الله عليه وسلم يستقبل الحجر الأسود بطرف محجنه(33)، إذ أنه كان قارنا، لذلك لم يسع بين الصفا والمروة، والطواف الذي أداه هو طواف القدوم إلى البيت الحرام قال تعالى: (ثم لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)(34)، وقالت عائشة رضي الله عنها: "حججن مع النبي صلى الله عليه وسلم فأفاض يوم النحر"(35)، ويروي أنه صلى الله عليه وسلم قد طاف على راحلته، ثم صلى ركعتى الطواف في مقام إبراهيم، ثم شرب من ماء زمزمْ، ويروي أنه صلى الظهر بمكة، وقيل صلاه في منىَ رضي الله عنه.
العودة إلى منى:
عاد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى منى وأدى بها صلاة الظهر، وألقى فيها خطبة للناس بعد الصلاة(36)، وكان صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرات في أيام التشريق الثلاثة، إذ أن إقامته في منى كانت مستمرة طوال يوم الأضحى وأيام التشريق الثلاثة، وكان الرمي فيها موجها إلى الجمرات الثلاثة مبتدئاً بالدنيا ومثنيا بالوسطى، ومنتهيا بجمرة العقبة، وقد رخص لبعض الناس بالرمي يوم النحر، ثم الرمي في اليومين التاليين دون الانتظار في اليوم الثالث، وبذلك تكون أعمال الحج قد اكتملت، ولم يبق إلى طواف الوداع فذهب صلى الله عليه وسلم إلى مكهَ ومعه أصحابه فطاف على المنهج المتبع في سائر طوافاته بالبيت العتيق.
وعاد الركب الميمون إلى المدينة، ولما رأها صلى الله عليه وسلم ببصره وبصيرته قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون، عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده(37)، قال تعالى: (وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)(38)، والله تعالى أعلى وأعلم.
د. السيد محمد الديب
(1) البقرة (196).
(2) آل عمران (97).
(3) رواه مسلم وأبو داود وأحمد.
(4) رواه مسلم والنسائي والترمذي.
(5) انظر سيرة النبي العربي لأحمد التاجي ج2، ص445، طبعة الحلبي.
(6) تدعم هذه الرواية على ظاهرها القول بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مفرداً، وجاء في هامش التاج الجامع للأصول أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أحرم أولا بالحج، ثم قرن بعد ذلك في وادي العقيق، "التاج جـ2، ص125)
(7) جزء من حديث رواه الخمسة إلا الترمذي.
(8) السيرة النبوية لابن هشام جـ4، ص445.
(9) هذه تكملة الحديث السابق، الذي رواه الخمسة إلا الترمذي.
(10) بعض حديث عن ابن عمر، رواه الخمسة إلا الترمذي، وطوى مكان قرب مكة (انظر البداية والنهاية لابن كثير جـ5، ص 151).
(11) حديث رواه الخمسة، كما يروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل مكة من عُلياها ويخرج من سفلاها تفاؤلا بعلو دينه على الأديان كلها، (هامش التاج الجامع للأصول جـ2، ص127).
(12) يراجع كتاب سيرة النبي العربي، جـ2، ص446.
(13) البداية والنهاية، ج5، ص152.
(14) البقرة125.
(15) البقرة 158.
(16) جزء من الحديث الذي رواه جابر بن عبد الله عن حجة الوداع وهو أعلم الناس بها، فكان يقود راحلة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مقدم على غيره (التاج ج2، ص154).
(17) من حديث جابر الشهير، الذي رواه مسلم وأبو داوود.
(18) انظر البداية والنهاية، ج5، ص162.
(19) المائدة (3).
(20) تفسير القرطبي ج6، ص61.
(21) اللفظ لمسلم عن تفسير القرطبي ج6، ص61.
(22) رواه الترمذي وأحمد، وزيد في رواية أخرى: "وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير"، وروي البيهقي عن علي رضي الله عنه الدعاء الآتي "اللهم اجعل في قلبي نورا وفي بصري نورا، اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري، عن التاج الجامع للأصول، ج2 ص138 (بالهامش).
(23) رواه النسائي.
(24) النص عند البخاري بفتح الباري حديث 1549 ج3، ص477.
(25) البقرة (168).
(26) قُزح: الجبل الذي عند الموقف (معجم البلدان لياقوت الحموي ج5 ص121).
(27) من حديث أخرجه مسلم وأثبته مالك في الموطأ.
(28) رواه مسلم وأبو داود وأحمد.
(29) رواه أبو داود والنسائي.
(30) رواه مسلم.
(31) الحج 36.
(32) رواه الخمسة.
(33) المحجن: العصا المعوجة.
(34) الحج (29)، وقوله "ليقضوا تفثهم" اي ليزيلوا أوساخهم وشعثهم كطول الظفر.
(35) رواه البخاري.
(36) سنعرض لها في مقال آخر.
(37) راجع كتاب أركان الإسلام للدكتور/ عبد الله شحاته – ط الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1997م.
(38) البقرة 203.