تتعدد صور الفساد في الأرض بأشكال وأوضاع متعددة، ولا يصح السكوت عنها، بل يجب التحذير منها وفق الضوابط الشرعية والقوانين الوضعية، وأن المواجهة والتصدي للفساد مسئولية جماعية، إذ لا يصح أن يسكت الإنسان عما يراه من فساد وإفساد، معتبراً أن الأمر لا يخصه، أو أنها مسئولية (حكومية) ولكن الصواب في القول بالشراكة الجماعية، وفق الاستطاعة، وبالسبل المتاحة، دون تغول على حقوق الآخرين، وحتى لا يترتب على مقاومة الفساد والمفسدين ضرر أكبر كنشوء فتنة واضطراب، مما يحتم التبصر لكل منافذ المواجهة والنهي والمقاومة للفساد والضلال.
النهي عن الفساد:
أوجب الإسلام على كل قادر أن يتعامل مع الفساد وفق استطاعته، قال تعالى: (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ)[1]، حيث أخبر النص الكريم عن حتمية وجود ثلة من الأمم السابقة تنهى عن الفساد في الأرض بمواجهة جمع مُترفٍ من المجرمين، الذين لا يسرهم وجود القّلة، التي تقاوم الفساد، وتنهي عنه، والمغزى من الآية واضح في التأسي بالخير، والقيام بهذا النوع من المواجهة، خاصة إذا كانت ضد قوة غاشمة تضع في اعتبارها استمرار الفساد والتنعم بمساوئه.
ويحدث أن يتلون شكل الفساد فيبدو بالتزييف والخداع، في هيئة إصلاح مفيد، يتشدق به دهاة الضلال والإضلال، فيقولون بما يخالف الحقيقة أنهم مصلحون فيفسدون حياة الخلق بغشٍ وتدليس لتحقيق مكاسب دنيوية زائلة، تقع آثارها الضارة على الكثيرين، وهذا ما جاء رصده وبيانه في قول الله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ {11} أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ).[2]
ويتحمل العلماء وأولو الأمر القدر الأكبر من مسئولية التصدي للفساد، فالأولون بما لديهم من علم ومعرفة ومعطيات، لتبصير الناس، وقيادتهم إلى الإصلاح قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء)[3]، والثانون بما تحت أيديهم من وسائل لردع الفساد والمفسدين فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اثنان من الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء".[4]
إذ لا يصح أن يخفت صوت المصلحين من علماء الدين في بيان أبعاد الفساد وخطورته، وعقاب الله للمفسدين، أما القوة الممنوحة لأولى الأمر فإنها تدفعهم إلى مواجهة ما يمكن أن تعجز عنه ولا توفق فيه الكلمة الهادية الرشيدة، فقد تبث عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قوله [5]: " إن الله يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن". فهو يمنع بالسلطان اقتراف المحارم والمآثم أكثر ما يمنع بالقرآن، وذلك لأن بعض الناس ضعيفي الإيمان لا تؤثر فيهم زواجر القرآن".[6]
وعندما يزداد الفساد ويتقاصر دونه الصالحون المصلحون فإن الهلاك واقع لا محالة، وهذه القضية تشغل بعض الناس كثيراً، كما شغلت أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها، فقد خاطبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: "أنهلك يا رسول الله وفينا الصالحون قال: نعم إذا كثر الخبث" [7]، انطلاقاً من حقيقة أن البلاء عندما ينزل بالناس فإنه يعم الصالح والطالح، أما الطالح فمعروف، وأما الصالح فالظاهر أنه لم يقم بدوره في النهي عن الفساد، والتحذير منه، أو أنه قد قام به، ولم يوفق فيه، فعمّ البلاء، ولعل ذلك يقترب مما روته السيدة ـ عائشة رضي الله عنهاـ بخصوص المرأة المخزومية، التي سرقت واستحقت العقوبة، وشُغلت قريش بها، فكان موقف الرسول صلى الله عليه وسلم واضحاً في تطبيق العدالة بلا تفريق بين الناس.
وقد أكد القرآن الكريم مسئولية المصلحين الذين يجب عليهم أن يجأروا بالحق، ولا يخشوا أحداً من الناس في مواجهة الفساد، والتحذير منه، وعليهم أيضا ألا يخشوا في ذلك لوم اللائمين قال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ )[8] والله أعلم،،،
الدكتور/السيد محمد الديب
[1] هود 117.
[2] البقرة 11، 12.
[3] فاطر 28
[4] حديث مرفوع رقم 33 من كتاب فضيلة العادين من الولاه لأبي نعيم، ورواه كذلك في الحلية، وذكره السيوطي في الجامع الصغير بلفظ: "صنفان" بدلا من "اثنان من الناس" ورمز السيوطي له بالضعف وحكم عليه الألباني بأنه موضوع.
[5] ويروى أيضاً عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
[6] ورد هذا الأثر منسوبا إلى عثمان بن عفان عن ابن شيبه في كتاب: في تاريخ المدينة، وهو مثبت في موسوعة "المكتبة الشاملة"، بالمواقع الإلكترونية.
[7] متفق عليه والخَبَث: الفساد ومن ذلك قول عنترة نُبئت عمرا غير شاكرِ نعمتي *** الكفر مخبثة لنفس المنعم ومخبثة: أي مفسدة.
[8] هود 117.