الاعتدال في مدح الآخرين

1 دقيقة قراءة
بواسطة Ahmed Eldeeb
الاعتدال في مدح الآخرين
صفحة من مصحف Khalili Collection (قرن 17 ميلادي) — Wikimedia Commons

يخضع ميزان العلاقة بين الناس إلى التوسط والاعتدال، وعدم تغليب كفة على أخرى، لتبقى منظومة الحياة في مسارها الصحيح.

والدعوة الإسلامية واضحة المعالم بيِّنة الأهداف في الحكم على عباد الله؛ استناداً إلى القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة، وأن الإشادة بالآخرين وامتداحهم منهج قديم وسلوك حميد، ذلك أن الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة ذات الأصول الثابتة والغصون الممتدة والثمار النافعة، وأن الكلمة المهذبة الهادفة تحقق كثيراً من النتائج المرجوة والآيات المفيدة، أما الاندفاع بالكلمة النابية فإن تأثيره أشد ضرراً في منظومة العلاقة التعاملية بين الناس جميعاً، ذلك أن الإسراف في الأفعال والأقوال سلوك ممقوت ومنفر كريه، وأن المبالغة على العموم تؤتي آثاراً ضالة وضارة، بما يحتم أن يكون امتداح الإنسان لغيره محكوماً بمعايير عادلة منضبطة دون إفراط أو تفريط، وفي شأن مخاطبة الآخرين والإحسان إليهم بالكلمة الصادقة قال تعالى من خلال الأمر العام من الله تعالى إلى خلقه: [وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا][1] وقد افتضى الموقف التعاملي أن تَمتدح إحدى ابنتي نبي الله شعيب عليه السلام مدحا صادقاً صائباً نبي الله موسى عليه السلام فيما جاء الإخبار عنه في قوله تعالى: [قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ][2].

وجاء في تفسير ابن كثير –رحمه الله- في بيان هذه الآية ما يلي: "قال لها أبوها وما علمك بذلك؟ قالت: إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال، وإنه لما جئت معه تقدمت أمامه، فقال لي: كوني من ورائي فإذا اجتنبت الطريق فاحدفي[3] بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأنهدي إليه"[4].

ويقترب في الحكم بجواز الحديث بمدح الآخرين والإشادة بهم ما ذكره رسولنا صلى الله عليه وسلم في الثناء على زوجته خديجة بنت خويلد، رضي الله عنها بعد أن غابت تحت الثرى، فقال عنها مشيداً بها عندما قيل له: "هل كانت إلا عجوزاً أبدلك الله خيراً منها؟ قال: والله ما أبدلني الله خيرا من خديجة، آمنت بي حين كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس... ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء"[5].

فهذه المواثيق الحاكمة والدلالات المباشرة تؤصل لإباحة امتداح الآخرين ما دام الكلام غير مخالف للواقع، ولا يستند إلى زيف أو تضليل، أو تغييب سافر للحقيقة، وعلى جانب آخر يمكن أن يؤدي المدح المبالغ فيه، أو الذي وصل إلى درجة ممقوتة وغير مستساغة إلى حدوث الفتنة وذيوع الضلال، وتقمص الممدوح لشخصية يتعاظم فيها، ويتغنى بها، ويصبِر أمثولة بين الناس في عبثه بالحقائق، وانحرافه عن الجادة بسبب غروره الزائف، ومدحه بما ليس فيه، كما أن الثناء على شخص بما ليس فيه وشيك الوقوع في هاوية النفاق، وذلك على كل حال كذب مقوت وزيف رديء.

وربما تكون المبالغة بهذا النمط مغموسة بالسخرية والاستهزاء أي أنها ليست خالصة في الصدق ومشبعة بما لا يليق بالمسلم التقي الخلوق، قال تعالى: [وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ][6] والهُمَزة: الطعان في أعراض الناس، واللُّمزة: من يسخر من غيره ويتعمد الإساءة إليه.

وقد روى أبو موسى الأشعري –رضي الله عنه- قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يُثني على رجل، ويُطريه في المدح فقال: "أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل"[7].

فالتعبير النبوي في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "قطعتم ظهر الرجل" أي قضيتم عليه، وجعلتموه ضالاً أو منحرفاً، ولا يستقيم على وضع يواجه الناس به، فما أفظع أن يبالغ الرجل في الثقة بنفسه، فيعبد ذاته ويتعصب لرأيه، وَيثْبت في مكانه، ولا يتحرك عما استقر عليه، معتقداً أن ما قيل له حقيقة مبرأة من المبالغة والإطراء الخادع، والمدح الممقوت، وقد روى أبو بكر رضي الله عنه أن رجلاً ذُكر عند النبي –صلى الله عليه وسلم- فأثنى عليه رجل خيراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ويحك قطعت عنق صاحبك" يقوله مراراً.. "إن كان أحدكم مادحاً لا محالة فليقل أحسب كذا وكذا، إن كان يرى أنه كذلك، وحسيبه الله ولا يُزَكَّي على الله أحدٌ"[8].

وفي ضوء ما سبق بيانه ينبغي على المسلم أن يعتدل في حكمة على الآخرين فيمدحَهم باعتدال، إذا كان فيهم ما يستحق ذلك، ولا يبالغ في الإشادة بهم بما ليس فيهم، فإن ذلك يصنع منهم شخوصاً مزيفة، وأفراداً ممتلئين غروراً وخداعاً، وهذا ما يتنافى مع خلق التواضع والتسامح والاعتدال في الحكم على الناس، هذا الذي دعا إليه القرآن الكريم، وحض عليه رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم.

دكتور/ السيد محمد الديب


[1] البقرة 83.
[2] لبقصص 26.
[3] احدفي: ارمي.
[4] تفسير ابن كثير ج6، ص239.
[5] رواه أحمد والطبراني.
[6] الهمزة 1.
[7] متفق عليه، والإطراء المبالغة في المدح.
[8] متفق عليه، وقوله: ويحك: كلمة تراحم، وقوله: لا محالة: أي لابد.