إضاءة
التقيت بالدكتور/ عبدالباقى طلبة لأول مرة منذ خمسة وأربعين عاما، وكنا زملاء دراسة فى كلية اللغة العربية بالقاهرة، ومنذ أن شاهدته إلى أن لحق بربه لم تتحول أو تتغير رؤيتى فيه، كما أنه لم يتبدل عما ألفناه عليه من صفات نبيلة وأخلاق حميدة.
فهو عالم أزهرى، وكاتب متفرد، وريفى بسيط، وصديق عزيز، جميل المحيا، بهى الطلعة، صادق البسمة، حلو اللسان، هادئ الطبع، يقر بالحق، ويبر الأهل، ولا يغفل عن الواجبات، ولا يحب المنازعات، ويحسن الاستماع إلى الآخرين، ويناقش فى هدوء، وعمره سجل مفتوح، نطالع فيه الجدية فى العمل، والوفاء بالوعد، والالتزام بالعهد، وقد عاش حياته فى الريف قدوة للبسطاء ونموذجا للحكماء.
وكان ـ رحمه الله ـ فريدا فى حزنه، منهزما أمام عاطفته، إذ يبدو منكسرا فاقدا السيطرة على ذاته فى الملمات، فقد ذهبنا إليه ذات مرة لنواسيه فى وفاة أبيه أو أمه، فشاهدته مبعثرا ملتاعا، إذ تبلل وجهه بالدموع، التى تساقطت على خديه بلا نظام، وكان وقوفه غير مستو، فلم يكن لديه من الفكر وفراغ الذهن ما يوجهه إلى هيئته ، وربما أغفله الحزن عن نفسه، فساح فى ملكوت الذات الإلهية، وتجلى لنا أنه يتأمل الخلق ومصيرهم إلى الفناء وكأنه يتفحص صورة الجنازة، فبدا كأنه يستسمح الغرباء لرحيله القادم.
وكان يحدثنى ـ مبتسما ـ فى كثير من جلساته عما أعددته لبعض من يمكن أن أكتب عنهم، مع أن علم الفراق عند علام الغيوب، فأضحك متأملا ومتألما لنفسى ونفسه عن زمن الغياب، ولوعة الوداع والكتابة عن الراحلين.
لقد جاء هذا الراحل الكريم إلى الدنيا ورحل عنها، وترك بعض آثاره عليها ومنها خمسة من الأبناء : ولدين وثلاث بنات فى مراحل حياتية مختلفة، كما خلف مجموعة من الكتب والمقالات، التى سننظر إليها بالتعريف والبيان.
وبقيت الزوجة التى أنجب أبناءه منها إلا واحدة، بقيت هذه الزوجة على ذكريات الماضى الجميل، والأيام الخوالى، التى أمضياها فى تربية الولدين والبنتين، وحسن معاملة الأقارب ، والإحسان إلى الضعفاء، وصنع بعض مستلزمات الحياة.
لقد كانت حياته كتابا مفتوحا، تبدأ صفحاته بحفظ كتاب الله تعالى، والعيش فى رحاب الأزهر بقية العمر، وتنتهى صحائفه بالرحيل إلى الرفيق الأعلى.
مولده ونشأته
تشابكت العلائق الاجتماعية فى كيانات زميلنا الراحل عبدالباقى طلبة ـ طيب الله ثراه ـ فقد كان والده يعمل مأذونا من القاضى الشرعى؛ لإتمام زواجات البنين والبنات فى قرية كفر فرسيس بمحافظة القليوبية، والتى يعمل الكثيرون من أهلها بالزراعة، كشأن البسطاء الذين يقبعون فى قاع المجتمع المصرى، وغالبا ما يترابط أهل الريف بمناسبات أفراح النكاح ، والأحزان والأسواق، وبعض النكبات التى تنزل على الفقراء، فتقرب بين قلوبهم، وتحرك ما لديهم من استعداد للبهجة والسرور، وفى ظلال هذه التركيبات المتعانقة التى كانت تحياها مصر فى أواخر العهد الملكى ولد صاحبنا فى الخامس من سبتمبر عام ألف وتسعمائة وخمسين فى قرية كفر فرسيس مركز بنها (العسل) كما يقال عنها.
ويبدو أن والده ـ عليه رحمة الله ـ قد لاحظ ابنه فى طفولته المبكرة، وقد بدت عليه مخايل النبوغ والتميز عن القرناء فارتضى أن يوجهه إلى حفظ القرآن الكريم مع قيده بالتعليم الابتدائى العام ، ولما كان هو أول أبنائه فقد اهتم بتعليمه، خاصة أن قدرات هذا الطفل قد سهلت له طريقه إلى حفظ القرآن الكريم، وجودة تلاوته مع سيره بلا إخفاق فى التعليم الابتدائى، إلى أن التحق بالمعهد الدينى فى بنها عام ألف وتسعمائة وواحد وستين، وحصل على الإعدادية الأزهرية المعادلة عام ألف وتسعمائة وخمسة وستين بعد أربع سنوات من الدراسة حسب المنهج القائم آنذاك، ثم انتقل إلى التعليم الثانوى، وحصل على شهادته عام ألف وتسعمائة وسبعين بعد خمس سنوات أمضاها فى هذا النظام من التعليم بالأزهر، الذى تلاشى هيكله القديم فى مراحل تالية، لكن فرحة الأسرة بنجاح ابنها فى هذه الشهادة، وشروعه فى الانتقال إلى القاهرة؛ ليتعلم فى حضن الأزهر قد أضفى على أسرته كل البهجة، وتمام السعادة، وانتظار المستقبل القريب، الذى سيأتى بالخير إلى ابنها الأزهرى النشيط.
ويبدو أن الزميل الراحل كان شديد الحب للغة القرآن الكريم وأدب العرب، فاختار الدراسة فى كلية اللغة العربية بالقاهرة، التى استجاب فيها لمشاعره وميوله، حتى حصل على الإجازة العالية (الليسانس) عام ألف وتسعمائة وأربعة وسبعين.
لقد كانت الدراسة فى هذه الكلية محل إعجاب وتقدير واهتمام من صاحبنا الذى قطع الدراسة فيها، متفوقا على الكثيرين من زملائه، وتخرج وهو شديد الاشتياق لمزيد من البحث فى اللغة العربية وفنونها الأدبية، سواء أكان ذلك من خلال عمله الذى ينتظره، أم من خلال الدراسات العليا التى يتوق إليها، وبقى صاحبنا محاطا بأبويه وسائر إخوته، خاصة بعد أن عاد إلى القرية حاملا للشهادة العالية، وبدأ النظر إلى المستقبل المشرق، الذى يخدم به لغته العريقة، وقواعدها المنضبطة، وأدبها الأصيل، وبقى عليه أن يؤدى حق الوطن، فتخلى عن ملابسه المدنية، وارتدى أزياء الجيش ملتحقًا به؛ لأداء واجب الخدمة العسكرية، التى بدأها فى أكتوبر عام ألف وتسعمائة وأربعة وسبعين، وانتظم فيها تدريبا وأداء، إلى أن انتهت فترتها فى أواخر عام ألف وتسعمائة وخمسة وسبعين، وحصل على شهادة خدمتها، منتقلا بعدها إلى طور جديد من حياته.
وكان قد صدر له ولغيره بعد تخرجه قرار بتعيينه فى التدريس فتسلم العمل مدرسا للغة العربية بمدرسة شبرا الثانوية، وبقى على تواصله بمنابت طفولته فى قريته الحبيبة، التى عرف فيها الحب والتواصل مع الآخرين، ومشاركتهم فى أفراحهم وأحزانهم.
ويبدو أن عمله بالتدريس وإقامته المؤقتة بعيدا عن قريته قد أعاقه عن التفكير فى بناء حياة اجتماعية مع زوجة يتوق إليها، وتحيا معه أينما وجد ، حتى تقر عينه بواقعه مع أسرة يستكمل بها الشكل الحياتى فى كفر فرسيس، تلك القرية التى ولد فيها ثم انتقل منها، وعاد إليها محملا بالجديد، الذى تشكل فى كيانه، حيث أحب مهنته، وتعلق بها، وصرفته عن أمور كثيرة سبقه إليها الآخرون من أبناء القرية، ومن زملائه فى معاهد الأزهر، ومدارس التربية والتعليم.
وابتسمت له الحياة بالعمل فى الجامعة، وفتحت ذراعيها مرحبة به فى إطلالة جديدة كانت فاتحة خير بالنسبة له، إذ تقدم بأوراقه للعمل معيدا فى كلية اللغة العربية بالزقازيق عام ألف وتسعمائة وثمانية وسبعين، واتجه بأوراقه المدعومة بميوله وكل رغباته إلى قسم الأدب والنقد، فقد حصل فى مواده على ما يؤهله؛ لأن يعمل فى هذا القسم، الذى تتلمذ على الكثيرين من أساتذته بكلية اللغة العربية فى القاهرة.
وتمخض ذلك عن قرار بتعيينه بهذه الوظيفة فى الثامن عشر من نوفمبر عام ألف وتسعمائة وثمانية وسبعين، وتسلم العمل بعد أحد عشر يوما من هذا التاريخ أى فى اليوم التاسع والعشرين من ذات الشهر والسنة.
واستلزم تعيينه فى هذه الوظيفة الجديدة أن يواصل دراسته العليا فى كلية اللغة العربية بالقاهرة واستقامت أموره مع لحوق بعض التشتت به من حيث العمل فى الزقازيق، والدراسة فى القاهرة، والإقامة فى قريته التى يحيا بها مع أبويه، وسائر أسرته، وتحركت الأمور فى كل هذه الاتجاهات بشكل ينم عن رغبة فى الحياة واستعداد للبحث والتحصيل، واتساع سائر مدركاته للأدب ونقده القديم منه والحديث، وتهيأت له السبل، وابتسمت له الحياة فشرع فى البحث والكتابة فى موضوع رسالته للماجستير بعنوان "المازنى حياته وأدبه" والذى كان قد سجل هذا الموضوع اعتبارا من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وثمانية وسبعين، ولا يخفى على القارئ الحصيف ما تموج به شخصية المازنى من اتساع فى سائر الفنون الأدبية بين الشعر والنثر، وبين المذهب الفنى، الذى احتواه والتأم فيه مع أديب العربية الكبير عباس محمود العقاد من خلال مدرسة الديوان.
وكانت هذه الرسالة تحت إشراف العالم الأزهرى المعروف الأستاذ الدكتور/ عبداللطيف خليف ـ رحمه الله ـ وقد تشكلت لجنة علمية[1] موقرة لمناقشة الباحث فى رسالته، وانتهت إلى قرارها بمنحه هذه الدرجة بتقدير جيد.
وقد أثير لغط كثير حول إتمام هذه الرسالة، وذكر بعض الحاضرين للمناقشة من زملاء الراحل الكريم أن اللجنة العلمية المختصة قد تشككت فى الكثير من مصادرها، ويبدو أن زميلنا ـ رحمه الله ـ لم يكن على دراية كافية بطرق البحث والنقل عن الآخرين بما يحفظه من شرك الاتهام بالسطو والسرقة من كتاب عن المازنى للدكتورة نعمات أحمد فؤاد ، كما أثبت ذلك الدكتور محمد السعدى فرهود ـ رحمه الله ـ، ولذلك حصل البحث وصاحبه على التقدير المذكور.
وقد ارتقى صاحبنا درجة فى السلم الوظيفى فصار بهذه الأطروحة المازنية مدرسا مساعدًا فى الأدب والنقد، وذلك فى الثالث من سبتمبر عام ألف وتسعمائة وواحد وثمانين، وتهيأت له بذلك مجالات أوسع لخطوات جديدة، للدراسة والبحث فى مجال تخصصه الأكاديمى.
درجة العالمية الدكتوراه
لقد شُغل زميلنا الراحل باختيار موضوع لمشروع بحثى يحصل بمقتضاه على شهادة الدكتوراه فى الأدب ونقده، مع أن همومه الاجتماعية كانت آنذاك مشغولة ببناء أسرة وتشكيل كيان، لكن هذا التفكير والتقليد وغيرهما من متطلبات الحياة فى الريف لم تشغله عن همه الأكبر، له ولغيره من النظراء، الذين لا يغمض لهم جفن، ولا تهنأ لهم معيشة إلا بعد أن يقف الواحد منهم على موضوع يحقق بعض أهدافه فى الدراسة والبحث، وقد رأى أن السفر والترحال إلى الدراسة فى القاهرة يلحق به بعض المشقات فى التمحيص والاختيار، فرأى أن يتحول إلى حقل جديد ، يجد فيه راحته فى تحقيق أهدافه، فاتجه إلى مدينة المنصورة القريبة إلى حد ما من الزقازيق، وسجل فى كلية اللغة العربية بها رسالة العالمية (الدكتوراة) فى موضوع: "فن الابتهال فى الأدب العربى" ونعتقد أن هذا الاختيار قد احتاج إلى صبر وجهد لا يستطيعه الكثيرون، وكان المشرف على الرسالة وصاحبها هو الأستاذ إبراهيم محمد عوضين[2] وكيل كلية اللغة العربية بالمنصورة آنذاك.
وقد شرع صاحبنا فى البحث منذ إقرار الموافقة على التسجيل بدورة أكتوبر عام ألف وتسعمائة وواحد وثمانين، واستمر فى البحث إلى أوائل عام ألف وتسعمائة وأربعة وثمانين، حتى تشكلت لجنة المناقشة[3] التى قامت بعملها فى جلسة علنية، ثم أوصت بعدها بمنح صاحبنا درجة العالمية (الدكتوراة) بتقدير مرتبة الشرف الأولى وصدق على ذلك مجلس الكلية انتهاء إلى موافقة مجلس الجامعة فى الثلاثين من أبريل عام ألف وتسعمائة وأربعة وثمانين.
ويطيب لى أن أنوه إلى صفحة الإهداء قبل أن أدلف إلى أبواب الرسالة وفصولها، أما الإهداء فقد قال فيه: "إلى والدى العزيزين؛ اللذين ربيانى صغيرا وعنيا بى كبيرا، فمن نبع حبهما أنهل، ومن خضم عطفهما أرتوى، ومن يم حنانهما أرتشف"، فإليهما أهدى هذا البحث رمزا للتقدير والعرفان والوفاء.
وجعل صاحبنا فهارس هذا البحث فى المقدمة الشاملة للجزءين، اللذين تشكلت منهما كل الصفحات، التى بلغت واحدة وسبعين وألف، موزعة على جزءين:
الأول فى سبعمائة وخمس وثلاثين، والثانى باقى الصفحات وهى ثلاثمائة وست وثلاثون ، وقد انقسم البحث حسب الخطة الموضوعة إلى مقدمة وتمهيد وثلاثة أبواب وخاتمة، وعرض فى المقدمة إلى دواعى اختيار هذا الموضوع، وقدم تصورا مبدئيا لفن الابتهال، والمقصود منه التضرع والخشوع لله تعالى، وتصوير ذلك فى قوالب ملائمة وتعبيرات مناسبة، واستطرد إلى إيضاح هذا الفن بالنظر إلى سائر الفنون الأدبية الأخرى، ثم تحدث فى التمهيد عن أمرين: الأول منهما عن بيان المدلول لكلمة الابتهال، والثانى عن جذور هذا الفن فى العصر الجاهلى.
وجعل الباب الأول بعنوان: "الابتهال بين القرآن والحديث" وتحدث عن خصائص الابتهال وسماته فى كلا الفصلين، وجاء الباب الثانى بعنوان: "الابتهال فى العصور التالية لعصر صدر الإسلام" وعرض ذلك فى خمسة فصول، وصل بها إلى بيان الابتهال فى العصر الحديث.
أما الثالث: فجاء بعنوان: "التقويم الأدبى والفلسفى لفن الابتهال"، واستكمل الحديث فيه من خلال فصلين، جاءت بعدهما الخاتمة، التى اشتملت على أهم النتائج والتوصيات لهذا البحث، الذى بذل فيه صاحبه جهدا غير منكور، وقد هنأه سائر زملائه وأصدقائه بعد الظفر بالدرجة.
وقد تشكلت لجنة علمية[4] لبيان مدى استحقاق صاحبنا لأن يعين بهذه الرسالة فى درجة مدرس، وقالت فى تقريرها الذى أعلنت فيه: "أن هذه الدراسة من صميم العمل الأدبى، وفى التخصص المطلوب للكلية، وتدل على ذوق فنى وصبر دائب وصواب فى الاستيعاب والعرض والتحليل والاستنباط، وبذلك يستأهل صاحبها أن يعين مدرسا بقسم الأدب والنقد فى كلية اللغة العربية بالزقازيق، فى السابع والعشرين من يونيو عام ألف وتسعمائة وأربعة وثمانين، وصدر بذلك الأمر التنفيذى رقم (911) فى الثامن والعشرين من يوليو عام ألف وتسعمائة وأربعة وثمانين.
لقد تنفس صاحبنا الصعداء، وفرح بهذا الإنجاز أبناء أسرته وقريته والطبقة المثقفة فى القرى المجاورة، حيث يبالى أهل الريف كثيرا بالتفوق والحصول على لقب (دكتور) سواء أكان ذلك فى المجالات العلمية أم فى المجالات اللغوية والإنسانية، مع أن المسيرة الاجتماعية لصاحبنا قد أصيبت ببعض الاضطرابات التى أحدثت نوعا من الارتباك فى كيانه الاجتماعى، فلم يتوان فى تغيير بعض المسارات؛ ليعود الهدوء إلى حياته، حتى ينهض بالبحث الجاد والمتواصل، الذى يقع على أعتاق أعضاء هيئة التدريس فى جامعة الأزهر، وغيرها من الجامعات.
الحياة فى القرية
ارتبط الدكتور/ عبدالباقى طلبة بقريته كفر فرسيس، فقد ولد بها وتربى فيها، وكان ينتقل إلى مدن أخرى فيحيا بها مدة قصيرة ، لكنه لا يلبث إلا أن يعود إلى موطنه الأصلى، ومرتع طفولته وملتقى أحبابه وأصدقائه، الذين يحيا معهم، ويحكى لهم آماله وآلامه، وكان الشأن أن يتغير وضعه الاجتماعى، من خلال اختيار إحدى بنات الأسر بالقرية، فتحقق الاختيار لزوجته، التى كانت الأولى له، وعاش معها فى مساكن العائلة، وبدأ يتنسم أريج الهدوء العاطفى، ويخرج من القرية إلى عمله، ويعود متلهفا لإشباع النظر إلى ابنته الأولى واسمها (نهيل) [5] التى ولدت فى الرابع عشر من يونيو عام ألف وتسعمائة وثلاثة وثمانين، لكن الحياة مع هذه الزوجة بدأت فى الاهتزاز وعدم الاستقرار ، واحتد النقاش، وبدأ النفور، وتشابكت الهموم، فكان الانفصال والبعد عن المعيشة الأسرية، إلى أن تم الطلاق[6] وهو أبغض الحلال عند الله تعالى، وذلك فى مرحلة تالية، وسارت الفتاة فى تعليمها بشكل معقول، خاصة أن الطموح مستقر فى أعماقها، واستمر صاحبنا فى كفر فرسيس، واختار منها زوجته الثانية[7]، التى عاشت معه فى بيت الأسرة، الذى لم يبرحه طوال حياته، طفلا وشابا وشيخا، وكانت هذه الزوجة مفتاح الأمل إلى حياة اجتماعية هادئة، فأنجب منها سائر الأبناء، خلال عدة سنوات، حيث قرت بهم عيون الشيخ طلبة محمد عبدالباقى، وسائر أبنائه وباقى أهله، الذين لهم فى كفر فرسيس شأن أى شأن، وكانت ولادة الابن الأول واسمه محمد[8] فى السابع والعشرين من يوليو عام ألف وتسعمائة وستة وثمانين، ثم جاء الولد الثانى واسمه أحمد[9]، وولد فى الثانى والعشرين من مايو عام ألف وتسعمائة وثمانية وثمانين ، ومنَّ الله على هذين الزوجين بابنتهما الأولى، واسمها (نهى) [10] والمولودة فى أول يناير عام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين وكانت الحياة الاجتماعية آنذاك فى غاية الهدوء، خاصة خلال الحقبة التى تنقل فيها زميلنا أثناء إعارته إلى ثلاث دول عربية، وأراد الله لهذين الزوجين الكريمين أن يرزقا بابنة ثانية لهما اختارا لها اسم (نداء) [11] وهو اختيار ينم عن ارتباط بالماضى والتشبع الدينى والورع الإيمانى، ذلك النداء الذى يمكن أن يوحى بالسعى إلى الصلاة، وإلى أشياء أخرى كريمة، فى حياة الإسلام والمسلمين، وقد ولدت نداء فى الحادى والعشرين من مارس عام ألفين وأربعة.
واستشعر صاحبنا وجوده فى الحياة، إذ كانت هذه البنت بالنسبة له وردة يانعة وزهرة متفتحة فى صحراء حياته، فكان يبتسم إذا رضيت، ويتألم إذا غضبت، وكان سائر أهله يعرفون له ذلك، فيرضَون لرضاها ؛ إكراما للعزيز الغالى عندهم جميعا.
وعاش صاحبنا خلال هذه السنوات من زواجه ، وما تمخض عنها من أبناء، قرت بهم عيونه، وعيون زوجته، التى واصلت معه مسيرته فى الحياة، ولكن هذا الهدوء قد تعكر صفاؤه، بسبب ما لحق من حوادث وخطوب ألمت به، إذ تواصل الراحلان اللذان كانا بالنسبة له تشريفا لماضيه، وسندا لحاضره، ودلالات لتأكيد قربه من الله، بحسن التعامل معهما ، وعظمة الاقتراب منهما، وجلال البر بهما، فقد حزن عليهما، وتأثر لفراقهما ، وقد ماتا فى زمانين متقاربين، وكأن الحزن قد أبى مفارقته، فبقى ملما به، وتوجع لذلك كثيرا، وفقد السيطرة على بعض وعيه وإدراكه، حتى حدثت له حادثة كادت تودى بحياته، فقد تحطمت سيارته وهو بداخلها ، لكن الله ـ سبحانه وتعالى ـ نجاه منها، فخرج سليما معافا إلا من بعض رضوض وجروح بسيطة تمّ التشافى منها، وشهد توابع ذلك وفد من كليته فى رحلتنا إليه، التى عدنا منها سعداء بخروجه من هذه الحادثة بسلام واطمئنان.
الترقى إلى أستاذ مساعد فى الأدب والنقد
يعد البحث فى التعليم الجامعى من أهم الأعباء، التى يتحملها عضو هيئة التدريس، إذ لا يصح أن يعول على التدريس للطلاب عند الحكم والتقويم لرسالة الأستاذ، دون فصل عن المعطيات، التى يتشكل منها كيانه، وكانت ولا زالت الأستاذية شرفا وفخرا يسعى إليه كل من يعمل بالتدريس فى الجامعة، إذ يرى البعض أن لقب أستاذ هو أعلى وأقدس من وظيفة عميد مثلا، فإن العمادة يمكن أن تأتى بقرار، أما الأستاذية فتأتى بمؤلفات وبحوث بذل فيها صاحبها نهاية ما استطاعه وتيسر له، ثم يحال نتاجه إلى لجان مختصة فتحكم له، أوتؤجل الفصل إلى انتظار لنتائج دعامات أخرى، وقرأنا عن العالم والأديب أحمد أمين ـ طيب الله ثراه ـ أنه قال: "أنا أصغر من أستاذ وأكبر من عميد، فالعميد يمكن أن يزحزح عن مكانه إذا تغيرت المواقف من حوله، أو يُحكم عليه بخطأ بسيط لا يقصده فيزال عن عرينه، أما الأستاذ فيبقى معه لقبه إلى أن يوارى تحت الثرى فللأستاذية بريق يضيئ الطريق، ولا يقدره إلا من سعى إليه، وحرم منه، ولذلك فكل هذه المعانى لا تغيب عن أعضاء هيئة التدريس، وتنصب بغزارة أكثر فى درجة مدرس، الذى يصنف فى التعليم الجامعى ببعض الدول الأخرى على أنه أستاذ مساعد.
ولقد أخذ الدكتور عبدالباقى نفسه بالجد والاجتهاد بعد أن استقر فى وظيفة مدرس بقسم الأدب والنقد فى كلية اللغة العربية بالزقازيق، فشرع فى إعداد نفسه للترقى إلى درجة أستاذ مساعد فى تخصصه، إذ أن هذه الدرجة تحتاج إلى كتب وبحوث أقل مما تتطلبة درجة أستاذ.
وقد بدأ صاحبنا فى تأليف الكتب والبحوث، التى اعتقد أنها تؤهله إلى درجة أستاذ مساعد، فأتم كتابين فى الأدب القديم، وثلاثة بحوث تم نشرها فى مجلة كلية اللغة العربية بالزقازيق، واطلعنا على بعضها، وراجعنا ما كتبته اللجنة العلمية المشكلة لبحث أحقية هذا الزميل فى الترقى أو عدمه، والمكونة من:
1 - الأستاذ الدكتور/ حسن جاد حسن[12]، 2 - الأستاذ الدكتور/ محمد أحمد البيومى[13]، 3 - الأستاذ الدكتور/ عبدالباسط أحمد على حمودة[14].
وقد عرضت اللجنة للنتاج المتقدم وأوله كما ذكرتْ:
1 - كتاب بعنوان "أصداء الحياة القبلية فى الشعر الجاهلى"[15] تألف هذا الكتاب من ستة فصول ضافية، تحدث صاحبنا فى الفصل الأول عن الجزيرة العربية، موازنا بين البدو والحضر، وتحدث فى الفصل الثانى عن المجتمع الجاهلى بين استقراره فى موطن، واضطرابه فى موطن آخر، وأما الفصل الثالث فللحديث عن الحياة الاجتماعية من خلال النماذج الشعرية، والفصل الرابع شرح للحياة السياسية، من خلال الحروب التى انتشرت فى الجاهلية، ولاحظت اللجنة أن الحديث عن يوم أحد خروج عن الموضوع؛ لأن الباحث بصدد الحديث عن العصر الجاهلى، وليس للحديث عن عصر صدر الإسلام، وتحدث عن الحياة الدينية فى الفصل الخامس، وذكر منها الوثنية واليهودية والنصرانية، وعبادة الكواكب والجن والشياطين، وأشادت اللجنة بهذا الفصل لما عُرض فيه من الحقائق، وما اختير فيه من النماذج، وما شفع به من التحليل والتأريخ الدينى للعصر الجاهلى، إذ أن إيضاح الشواهد الدالة على هذا التأريخ من العصر الجاهلى تحقق بإفاضة وإشباع يدل على جهد وصبر، ثم ختم صاحبنا الكتاب بالحديث فى الفصل السادس عن مكانة الشعر، وأثره فى الحياة القبلية وغير ذلك من التفصيلات، التى تعد إحدى لوازم البحث.
ورأت اللجنة المعتمدة أن هذا الكتاب فى مجموعه مفيد سديد، فيه جهد وينطق بالإخلاص والدأب.
2 - فنون الشعر بين الجاهلية والإسلام فى عهد النبوة[16] لقد اعتبرت اللجنة هذا الكتاب موازنة نقدية بين الشعر الجاهلى والشعر فى عصر النبوة، وتحدث مؤلفه فى الفصل الأول عن فضل القرآن الكريم وأثره فى تطور اللغة العربية، وعرض فى فصل ثان لموقف الرسول من الشعر والشعراء، ثم تحدث فى الفصل الثالث عن الأغراض الشعرية، مبتدئا بالفخر فى الجاهلية والإسلام، ثم تكلم عن المدح، وتوالى الحديث عن بقية الأغراض الشعرية.
ورأت اللجنة أنه قد أحسن اختيار الشواهد والتعليق عليها، وأتى بما يدل على حيدة واتزان، واتجه أعضاء اللجنة إلى عرض أمر لم يكن الباحث فيه على صواب فقالت: "وقد وقفنا عند قوله صـ169 إن كعب ابن زهير قد اتجه بتأثير الإسلام إلى نصح حبيبته بالوفاء بالوعد، وعدم الإخلال به، نظرا لقوله:
وهذا قول يجانب الصواب، لأن حديث الشاعر الغزل عن وفاء الحبيبة بوعدها له لا يمت إلى الإسلام فى شيئ؛ لأن مواعيد الأحبة فى مضمار الغزل ليست ممن يحسن الوفاء بها فى دين يتجه وجهة العفاف والطهر والبعد مما يريب. ورأت اللجنة أن البحث جيد، وأنه يحفل بالمتخير المستطاب.
3 - التيارات القبلية فى الشعر الأموى[17] عرض الدكتور/ عبدالباقى طلبة فى هذا البحث لأحداث سياسية مشتهرة وكان بالنسبة له هو الأول فى مجلة كلية اللغة العربية بالزقازيق، وذلك بعض متطلبات الترقى، ولما كان هو التجربة الأولى له فلم تكن لديه من الخبرة ما يعينه على أن يقدم هنا مثل ما قدم فى الكتابين السابقين.
وقد استشهد فى هذا البحث بنماذج شعرية مشهورة، ولم يحقق هذا البحث القناعة التامة للجنة فقالت هذه العبارة: "ولم نجد التحليل المناسب ، ولكنها ـ تقصد الأحداث وذكر النماذج ـ من قبيل المكرر المردَّد.
4 - الوحدة العضوية فى القصيدة حتى نهاية العصر العباسى[18] تحدث الدكتور/ عبدالباقى فى هذا البحث عن تعريف الوحدة العضوية، وسرد ما قاله المعاصرون عنها بإيجاز دال، وقد راق هذا البحث للجنة المختصة فقالت: "وقد أحسن كثيرا فيما كتبه عن موقف الشعراء من بناء القصيدة، وعن موقف النقاد محددا وجهة النظر لدى الحاتمى وابن طباطبا، ومستشهدا ببعض النماذج الدالة ، والبحث جيد ذو فكر، ويدل على معاناة وتأمل".
5 - طبيعة الأحكام النقدية الأولى عند العرب ومقاييسها[19] تأتى أهمية هذا البحث من أنه يرصد الملامح الأولى لخطوات النقد الأدبى، وتحوله من عصر الانطباعات الذاتية إلى مجالات أرحب فى عالم النقد الموضوعى، وأعتقد أن البحث فى هذا الموضوع يمثل عرضا ومعالجة للنقد الأدبى فى بواكيره الأولى، وانتقاله من العصر الجاهلى إلى العصور التالية.
وذكر زميلنا ـ طيب الله ثراه ـ أن النقد الأدبى قد نشأ فى ظل عاملين مهمين:
أولهما: التراث الشعرى العظيم الذى كان الفن الأول للغة العرب.
ثانيهما: أن العقلية العربية قد تطورت بشكل واضح بعد الإسلام، وفى ظل ذلك بدأ النقد وليدا ذاتيا، ثم شرع فى النمو حتى وصل إلى المرحلة الموضوعية فى القرن الرابع الهجرى وما تلاه، وعرض صاحبنا لبعض مقاييس الأحكام النقدية، وذكر منها المثالية والإيجاز والمبالغة.
ولقد كشف هذا البحث عن مقدرة نقدية كانت مؤهلة للنشوء والارتقاء ، ولكن يبدو أن شواغل الحياة والميول الذاتية وأشياء أخرى ربما تكون غير مدركة لنا بشكل كاف، حالت كلها فى أن ترتقى الرؤية النقدية عند الدكتور/ عبدالباقى طلبة فتنتج إبداعات نقدية أكثر مما خلفه من آثاره المتداولة بيننا.
ورأت اللجنة أن طبيعة هذا البحث قد اتجهت إلى الجمع والإلمام بما تعورف من مسائل النقد فى عهده الأول دون إضافة.
وانتهت فى حكمها على النتاج المقدم بقولها: "الدارس بما كتبه عن أصداء الحياة القبلية فى الشعر الجاهلى، وعن فنون الشعر بين الجاهلية والإسلام فى عهد النبوة، وعن الوحدة العضوية فى القصيدة حتى نهاية العصر العباسى يستحق الترقية إلى درجة أستاذ مساعد بقسم الأدب والنقد بكلية اللغة العربية بالزقازيق، ونرجو له التوفيق.
وجاء هذا التحرير من اللجنة فى السادس من يونيو عام ألف وتسعمائة وثمانية وثمانين وتم إقرار ترقيته إلى أستاذ مساعد فى الثلاثين من يونيو عام ألف وتسعمائة وثمانية وثمانين، تلك الدرجة التى سعد بها صاحبها، وقرت بها عيناه، وشجعته على المضى قدما إلى التفكير فى بحوث جديدة ؛ سعيا إلى متطلبات الدرجة العلمية التالية.
زمن الإعارة
عاش الدكتور/ عبدالباقى ما مر من عمره فى القرية، فبدت بالنسبة له مزارا لا يجب أن يتخلف عن مشاهدته، والعيش بين ربوعه، خاصة فى أواخر الثمانينيات حيث بدأت عيناه تتفتح كل صباح على أطفال صغار، وهم فى معية أبيه وأمه، واستقرت عواطفه وأحاسيسه فى ظل حياته الجديدة التى تمضى مع زوجته (الثانية) وأم أولاده، وبدأ يتطلع للسفر إلى خارج مصر، كشأن الزملاء الذين يعارون إلى جامعات عربية، يرون العمل فيها مختلفا، والأجر مضاعفا، فسار على الدرب ذاته مرتحلا إلى العراق فى الرابع والعشرين من سبتمبر عام ألف وتسعمائة وتسعة وثمانين، معارا إلى العمل بجامعة صلاح الدين بدولة العراق، ولم يحدثنا ـ رحمه الله ـ عن طبيعة عمله فى هذه الدولة العربية، التى كانت آنذاك تلملم أشلاءها من حربها مع إيران، وتستعد لمغامرة جديدة، إذ قدم رئيسها نفسه آنذاك إلى الآخرين على أنه النموذج العربى للبطولة والشهامة والقوة، ولا أدرى كيف عمل صاحبنا فى هذه الظروف، لكن مطالعاتى للصحف آنذاك كانت تشير إلى تطلعات علمية منتظرة تغمر آثارها شعب ذلك البلد، الذى كان يأمل فى أن ينعم بمياه دجلة والفرات والنخيل على شط العرب، وصلاحية أرضه للزراعة والإنتاج، فضلا عن أموال البترول، التى يمكن أن تعيش عليها أمة لا يقل سكانها عن سكان العراق.
وعاد صاحبنا من هذه الإعارة فى الثلاثين من يونيو عام ألف وتسعمائة وتسعين. واستقر بين أهله وأحبابه، الذى سعدوا به وسعد بهم.
وكان الارتحال الثانى إلى أرض اليمن السعيد ذات التاريخ العريق حيث استقر صاحبنا بكلية التربية فى إب جامعة صنعاء، وبقى معارا فى اليمن لمدة عامين[20].
ولم تنعكس نشاطات زميلنا فى هاتين السنتين اللتين قضاهما باليمن، لم تنعكس على نتاج أدبى، أو نقدى كان من الممكن أن يمثل بالنسبة له إضافة جديدة إلى ما خلفه من آثار أدبية ونقدية، خاصة أن المذاهب السياسية والأدبية فى اليمن وعبق التاريخ يمكن أن تغرى بالدراسة والبحث، ففيها من الشعراء والأدباء والمثقفين ما يستحق التأريخ والنقد، وأذكر من هؤلاء الشاعر المتفرد عبدالله البردونى، والناقد الأكاديمى الدكتور/ عبدالعزيز المقالح، والروائى اليمنى المتميز زيد مطيع دماج صاحب رواية (الرهينة) [21].
ويبدو لى أن صاحبنا كان مشغولا بطبع ما أعده للأستاذية خلال عامه الأول فى إعارته إلى اليمن ولما بدأ العام الثانى شرع فى بدء إجراءات الترقى ـ كما سنتحدث فيما بعد ـ.
وحدث التحول إلى الإعارة فى المملكة العربية السعودية، فعمل فى جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض لمدة عامين[22]، حيث انتهى زمن إعارته مجتمعة فى الثلاثين من يونيو عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين.
وكانت مدة إعارته فى السعودية بالنسبة له أكثر هدوءا واستقرارا وانتعاشا؛ لأن العمل فى الرياض يختلف كثيرا عن العمل فى العراق واليمن، ففى الرياض نشاط علمى بارز مع عدم ظهور أثره فى نتاج زميلنا ، وفيها مصريون كثيرون وجالية مصرية تكاد تشعره بأنه ليس بعيدا جدا عن الزقازيق، وعن كلية اللغة العربية بها أو فى بنها أو فى قرية كفر فرسيس التابعة لها.
وأعتقد أن زمن الإعارة فى العراق واليمن كان موضع استعداد للتقدم للأستاذية فجاءت الإعارة إلى السعودية ليلتقط أنفاسه بعد إتمام الترقى، ويبتهج بزيارة أم القرى وطيبة الطيبة، إذ لابد أنه قد تنعم بالعمرة فى مكة، والسلام على سيدنا رسول الله فى المدينة.
الترقى إلى الأستاذية
سبق أن تحدثنا عن قيمة الأستاذية، ومدى السعادة بهذه الدرجة، التى يصل إليها عضو هيئة التدريس، حيث يرى نفسه قد ارتقى إلى القمة، وصار رائدا أو ينبغى أن يكون كذلك، بين طلابه الذين يوجههم، ويكون أنموذجا لهم فى التدريس والإشراف ومناقشة الرسائل، وحضور المؤتمرات، وتقديم الكتب والبحوث، لتكون بين أيدى طلابه وزملائه وأساتذته.
والقليل من الأساتذة هم الذين يعطون هذا اللقب حقه بعد الفوز به والارتقاء إليه، أما الذين يحصلون عليه، ولا يعملون له ما يستحقه فلا أعتقد أن ذلك مقبول فى الكليات الجامعية.
وكان الزميل قد شرع فى الإعداد لمتطلبات الأستاذية منذ أن ارتقى إلى درجة أستاذ مساعد، وذلك قبل السفر إلى الخارج للإعارة، إذ لم ينصرف عن هذا الهدف بمشاركات فى وسائل الإعلام أو المنتديات الثقافية أو النشاطات الأخرى، التى غالبا ما يُشغل بها أعضاء هيئة التدريس بالجامعة وخارجها، وسوف نقدم عرضنا لما كتبه صاحبنا للحصول على هذا اللقب مع النظر إلى ما أجيز منه وإلى ما لم يجز من قبل اللجنة العلمية، لترقية أعضاء هيئة التدريس تخصص الأدب والنقد، وسوف نبدأ العرض بتقديم الكتب المعدة لنيل هذه الدرجة، والتى طبعت دفعة واحدة عام ألف وتسعمائة وواحد وتسعين ، بينما شرع فى طبع البحوث بالمجلة أولا، وتواصل ذلك حسب تاريخ الطبع، وهذا بيان بالمؤلفات، التى قدمت، مبتدئين بالكتب، ثم تليها البحوث مع تحديد زمن الطبع لكل منهما وفى حوزتنا التقرير الجماعى للجنة العلمية المختصة ببحث هذا الموضوع:
أولا: كتاب "نفح الطيب .. وثيقة أدبية ونقدية"[23]
ذكرت اللجنة العلمية أن هذا الكتاب يشتمل على مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول ـ وأشار المؤلف وهو الدكتور عبدالباقى طلبة إلى أن كتاب "نفح الطيب" للمقرى احتوى نقولا متعددة من الأدب الأندلسى، هى الآن مفقودة أو فى حكم المفقودة، وأن هذا الكتاب ذو أهمية فى النقد الأدبى، وذلك بعض ما ذكره الدكتور/ عبدالباقى فى مقدمة كتابه، ثم تحدث فى التمهيد عن عصر المقرى، ومدى تأثر هذا العالم الناقد الأندلسى بأحداث عصره.
وذكر تقرير اللجنة أن الكتاب ـ المعروض عليها ـ فى فصله الأول يتحدث عن نشأة المقرى ورحلاته، وعن منهجه وأسلوبه ومصادره.
وفى الفصل الثانى (مفهوم النقد الأدبى عند أدباء النفح) وأن نفح الطيب يتضمن التعليق الأدبى والملاحظة النقدية، والإشارة الذوقية التأثرية، التى صدرت عن المقرى نفسه، أو عن غيره من أدباء النفح، وهذه الأمور مجتمعة تؤلف ما يمكن أن يصطلح عليه بالرأى النقدى فى النفح.
وخصص صاحبنا الفصل الثالث (قضايا النقد الأدبى عند المقرى) حيث عرض فى إيجاز موضوعات الطبقة الشعرية، والإبداع والبديهة والارتجال، والسبق وغيرها، وذكرت اللجنة أن الباحث فى هذا الفصل قد أطلق على أكثر المصطلحات النقدية التى أوردها اسم (القضايا) ، وعرض لها فى إيجاز، وختمت تقريرها عن هذا الكتاب فقالت: "وبهذا التناول لكتاب "نفح الطيب وثيقة أدبية ونقدية" يتبين جهد الباحث فى عرض الكتاب، وإبراز الجوانب الأدبية والنقدية فيه، وهو جهد طيب مشكور تبدو فيه شخصية الباحث، وسعة اطلاعه، كما تبدو فيه مقدرته على الاستنباط، ويحسب له هذا الجهد فى مجال التقدير "جيد".
شهادة
كنت قد أتممت هذا البحث كله، وهو عن الدكتور/ عبدالباقى طلبة ومؤلفاته وسائر تفصيلات حياته، وتحملت فى ذلك مشقة كبيرة، وعرَّفت بالكتاب السالف الذكر، وهو "نفح الطيب وثيقة أدبية ونقدية" اعتمادا على التقرير المفصل، الذى أعدته اللجنة العلمية عن هذا الكتاب، والذى أضيف الحكم عليه وتقديره إلى التقرير الشامل الذى بمقتضاه حصل الدكتور/ عبدالباقى طلبة، على درجة أستاذ فى الأدب والنقد ، ولم أكن قد اطلعت على هذا الكتاب، الذى نحن بصدد الحديث عنه، إذ تعذر علىّ الوصول إليه، فلا هو موجود بمكتبة الكلية، ولا فى يد أحد الزملاء الذين سألتهم عنه، ولم يسعفنى به أحد أبنائه أو طلابه فاكتفيت بما كتبته اللجنة العلمية ، وجرى ذلك أيضا فى كتب أخرى، خاصة أن ما أكتبه فى هذا البحث يعبر فى أكثر جوانبه عن تكريم لهذا الزميل، وتعريف بمؤلفاته، ورصد لمعالم حياته، وليس للحصول به على درجة علمية، أو لترشيح الزميل لنيل جائزة.
وإذ بأحد لزملاء من ذات التخصص الذى يشملنى أنا والراحل الكريم يقدم لى هذا الكتاب، الذى شاهدته لأول مرة وهو "نفح الطيب وثيقة أدبية ونقدية" للدكتور/ عبدالباقى طلبة محمد، الذى ترقى به وبغيره إلى درجة أستاذ، كما سلمنى الزميل الفاضل كتابا ثانيا بعنوان "النقد الأدبى فى كتاب نفح الطيب للمقَرىّ"[24] وهو تأليف/ هدى شوكة بهنام، وهذا الكتاب فى أصله رسالة جامعية نوقشت بتاريخ الثامن عشر من فبراير عام ألف وتسعمائة وستة وسبعين فى قاعة الغزالى بكلية الآداب جامعة بغداد ، بإشراف الأستاذ الدكتور/ عناد غزوان إسماعيل.
وقد تبين بالفحص الدقيق أن كتاب الدكتور/عبدالباقى طلبة محمد منقول ومأخوذ بكامله من كتاب هدى شوكة بهنام، وعنوانه (النقد الأدبى فى كتاب نفح الطيب للمقرى) [25] وصرت فى حيرة مع هذا الأمر. هل أقول الحقيقة وأنشرها: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾[26]، واعتبر ذلك شهادة احتكم فيها إلى قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾[27] وقول الرسول : "لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه"[28] أو أغض الطرف عن ذلك استنادا إلى ما نسب إلى الرسول وهو قوله: "اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساوئهم"، وفى رواية: "عن مساويهم"[29]، واستخرت الله تعالى، واخترت الرأى الأول.
وأؤكد أن ما أثبته حقيقة، وقد كشفتُها إحقاقًا للحق، وإقرارًا بالشهادة، وصيانة لحق يمكن أن تثبته الباحثة/ هدى شوكة بهنام[30] ولذلك لا يعد ما قلته بشأن هذين الكتابين سبا للزميل الراحل، حتى لا يستشهد أحد بحديث الرسول فى غير موضعه وهو: "لا تسبوا الأموات فإنهم أفضوا إلى ما قدموا"[31].
ولا أفضل أن يمسح فعل هذه السقطة تاريخا مشهودا للزميل الراحل، أو تتسرب الريبة والشك إلى باقى كتاباته، التى اطلعنا على بعضها، فحمدناها له وشكرناه عليها، ودعونا له بالرحمة والمغفرة، وأختم هذا البيان بقول الله تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾[32].
ثانيا : كتاب النزعة النقدية عند شعراء العرب فى العصرين الإسلامى والأموى[33] اطلعنا على تقرير اللجنة، والتى أفادت أن هذا الكتاب يشتمل على مقدمة وأربعة فصول، وليس له خاتمة، إذ يبدو أن زميلنا كان لا يفضل أن ينتهى فى كتبه بخاتمة يصل فيها إلى أهم النتائج. وقد كتب فى الفصل الأول عن النقد المنظوم، ولم يقدم تفسيرا مبسطا لذلك، كما تحدث عن موضوعات الشعر والفصل بين الشعراء، وجاء الفصل الثالث للحديث عن السرقات الشعرية، وذكر أمثلة متعددة لبعض الشعراء الجاهليين والأمويين، كما جعل الفصل الرابع فى المعايير النقدية.
واختتمت اللجنة تقريرها قائلة: "وواضح أن دراسة الباحث فى هذا الكتاب قد تركزت فى معظمها على ما صدر من آراء نقدية عند الشعراء فى العصر الأموى، وكان أقل هذه الدراسة فيما يتعلق بالآراء النقدية، التى صدرت عن الشعراء الجاهليين، والشعراء فى عصر صدر الإسلام" وأثنت اللجنة على جهود الباحث مقدرة له ما اهتدى إليه من نتائج.
ثالثا: كتاب النبوغ الشعرى عند شعراء العرب حتى نهاية العصر العباسى دراسة تحليلية ونقدية[34]
لقد قسم المؤلف ـ رحمه الله ـ البحث فى هذا الكتاب إلى مقدمة وخمسة فصول، وكتب فى المقدمة قائلا "كان لكل شاعر منهجه الذى ينسج على منواله ومسلكه الذى يواكب ذوقه وفكره، والتقوا جميعا فى بؤرة واحدة هى النبوغ الفكرى، الذى يتسم بكل سمات الجودة، ويقصف بكل خصائص الإحكام والإتقان، الأمر الذى جعل الشعراء قديما ـ فى الجاهلية ـ يُرجعون ذلك إلى قوى خفية، هى التى تعينهم على حبك النظم، وتساعدهم على سبك القريض وتلك تتمثل فى الجن والشياطين"[35].
والفصل الأول بعنوان: تكوين شخصية الشاعر: حيث تحدث عن الارتباط بين الشعراء والجن ودلالات ذلك، وتحدث عن الشعراء والإسلام.
ثم جعل الفصل الثانى للحديث عن الدوافع إلى قول الشعر، والظروف المهيئة له، وتحدث فى الفصل الثالث عن إحكام الشعر وإتقانه، وبحث مجموعة من القضايا لعل أقربها إلى موضوع الكتاب ما قاله عن عملية النبوغ مما يصنعه الشعراء، وجاء الفصل الرابع بعنوان: "الشاعر والمتلقى، بينما جاء الفصل الخامس والأخير عن النبوغ الشعرى فى المعيار النقدى".
وقد أثبتت اللجنة المختصة فى تقريرها عن هذا الكتاب قولها: "لقد ركز الباحث معظم دراسته على النبوغ الشعرى عند شعراء العصر الأموى، وكذلك يفتقد الكتاب فصلا خاصا لدراسة بعض النابغين من الشعراء، يختارهم الباحث من خلال العصور التى حددها ؛ للتعرف على مظاهر نبوغهم فى دراسة موضوعية مستقلة، ومع ذلك فإن الجهد الذى بذله الباحث فى كتابه واضح، ويدل على سعة إطلاعه وقدرته على التحليل والاستنباط.
رابعا: كتاب تأملات نقدية فى الأدب العربى: التراث والمعاصرة[36]
ذكرت اللجنة أن هذا الكتاب قد انقسم البحث فيه إلى قسمين: الأول فى التراث والثانى فى المعاصرة، وتحدث الباحث فى المقدمة عن ضرورة النقد والذوق الفنى، وانقسم البحث فى هذا القسم إلى عدة مباحث، وجاء الأول فيها بعنوان قراءة جديدة فى النص الجاهلى، وتناول فى هذا المبحث بالشرح والتحليل قصيدة لبشر بن أبى خازم الأسدى، وجاء المبحث الثانى للحديث عن لامية العرب بين النحل والتوثيق، وكان الحديث فى المبحث الثالث عن موقف عبدالقاهر الجرجانى من الشعر، وأردف ذلك بدراسة فى نص من دلائل الإعجاز ، وحدد النص وهو: "فصل فى الكلام على من زهد فى رواية الشعر وحفظه، وذم الاشتغال بعلمه وتتبعه[37] ، وأشار إلى مقولة القاضى على بن عبدالعزيز الجرجانى وهى "والدين بمعزل عن الشعر" ، كما ذكر عبارة ابن طباطبا: "الشعر ديوان العرب" والقسم الثانى من الكتاب عن المعاصرة، وجاء المبحث الأول منه للحديث عن علاقة الفكر بالشعر، بينما جاء المبحث الثانى بعنوان: "بين النقد الأدبى والتحليل النفسى".
وتوسع الباحث فى عرض آراء الأدباء والنقاد الغربيين لهذا الموضوع، وجاء المبحث الثالث بعنوان: "الكلاسيكية فى الشعر العربى المعاصر" وذكر أن من أبرز سمات هذه الكلاسيكية المحافظة على التراث الأدبى القديم، وجاء المبحث الرابع بعنوان: "بين الأداء اللغوى والثقافة فى العمل الأدبى" وتميز ذلك بما قاله صاحبنا، وذكرت اللجنة فى ختام تقريرها الذى قالت فيه: "والكتاب بعد ذلك يبدو فيه جهد الباحث واضحا، وإن كان فيه بعض الاستطراد : كما وضحت فيه شخصية الباحث من حيث العرض والتحليل ودقة الاستنتاج".
خامسا: كتاب الرؤية الفنية فى شعر الشيعة والخوارج فى العصر الأموى[38]
قسم صاحبنا الحديث فى هذا الكتاب إلى ثلاثة فصول مسبوقة بالمقدمة، وجعل الفصل الأول للحديث عن نشأة الشيعة والخوارج، شارحا مبادئ كل فصيل من هاتين الجماعتين، وجعل الفصل الثانى لدراسة الشعر الشيعى متحدثا عما قيل فى معركتى صفين وكربلاء ، ثم عرض لبعض النماذج من شعر الشيعة، وضرب المثل بالكميت، الذى كان داعية ثورة، وصاحب تجديد فى الشعر، وله تجربة خاصة ، وجاء الفصل الثالث للحديث عن شعر الخوارج، فذكر أن شعرهم كان تعبيرا مباشرا عن تجربة مميزة، وقد اعتمد الباحث فى هذا الكتاب على سرد مزيد من الأحداث التاريخية مما لا يعد جديدا فى مجال البحث الأدبى، ولذا رأت اللجنة أن هذا الكتاب لا يرقى إلى المستوى المطلوب، فلا يكون داعما للترقى إلى درجة أستاذ.
وبذلك أقرت اللجنة أربعة كتب من هذه الخمسة، التى تقدم بيانها، ونعرض فيما يأتى للبحوث الثلاثة، التى نشرها فى مجلة كلية اللغة العربية بالزقازيق، حسب البيان التالى:
سادسا: بحث : التناسق الفنى بين الصورة والتعبير فى العمل الأدبى[39]
تناول الدكتور/ عبدالباقى فى هذا البحث عناصر التركيب العضوى للعمل الأدبى ، بما تتضمنه من مادة الموضوع، الذى قد يكون فى شكل رواية أو أفكار، إلى جانب المشاعر والعواطف المرتبطة بالأفكار، وكذلك الصور الخيالية واللغة نفسها، وذكرت لجنة الترقية أن تلك العناصر تتفاعل وتتداخل بطريقة يمكن معها القول بأن كلا منها يقتبس من الآخر، ويبدو هذا البحث من ظاهره ابتعاده ـ بدرجة ما ـ عن التخصص الدقيق لصاحبنا.
وبعد أن عرض لنماذج من الأدب الأوربى انثنى إلى عرض بعض النماذج الشعرية فى الأدب العربى الحديث لكل من الشاعرين: أحمد شوقى ومحمود حسن إسماعيل، وتناول بحث الخيال والصورة الشعرية، وتحدث عن تأثير الصورة فى الأسلوب وسمات الصورة الشعرية، وأنها تنبض بإشارات تدفعنا إلى تجاوز حدودها، حيث يتخلق خلف تلك الحدود عوالم جيدة نحسها ونعايشها، وأشادت اللجنة بهذا البحث قائلة: "وبهذا العرض لموضوع البحث يتجلى الحس النقدى لدى الباحث، مع إجادته فى تحليله الواعى الدقيق لما أورده من النماذج الشعرية، مبينا أهمية هذا التناسق الفنى بين الصورة والتعبير فى العمل الأدبى.
سابعا: بحث "الأداء الفنى بين الصوغ الشعرى والنسيج النثرى"[40]
كتب الدكتور/ عبدالباقى فى هذا الموضوع فذكر أن الشعر ينفرد بخصائص كامنة فى بيئته الكلامية، ويتميز بتجسده القول فى تشكيلاته التصويرية ، وكتب عن القيمة الجمالية بين عنصرى الأدب: الشعر والنثر، واسترسل فى هذا الأمر إلى أن كتب عن الشعر الوصفى فى إطاره التصويرى، وعن السمات الفنية للنثر، وختم البحث على غير المتبع بالنقل عن أحد المستشرقين بشأن عوالم الخيال وأثره فى الإبداع الأدبى، وقالت اللجنة فى تقريرها عن هذا البحث: "إن صاحبه قد استغرق أكثر حديثه عن الشعر، وكان حديثه عن النثر خلال أربع صفحات فقط من مجموع صفحات البحث وهى اثنتان وثلاثون ، وانتقدت ما فى هذا البحث من نقول كثيرة مترجمة، فافتقد ظهور شخصية صاحبه ، ولم تعتبره داعما للترقية لاستبعاده.
ثامنا: بحث الظواهر الفنية فى شعر شعراء لبنان الجدد (مرحلة ما بين الحربين العالميتين) [41]
لا أدرى سبب اتجاه الدكتور/ عبدالباقى إلى لبنان لدراسة شعر شعرائها الجدد، فلم تكن له ـ فى مدى علمنا ـ علاقات قديمة أو جديدة مع أدباء هذا البلد العربى، كما أنه لم يشارك فى مؤتمرات علمية به أو مشروعات متواكبة مع حركتها الشعرية، ولو كان الموضوع متصلا بشعر شعراء العراق أو اليمن أو السعودية لزال هذا التعجب، لكنه على كل حال جهد أو اتجاه يحمد له، فكثيرا ما كنت أعيب اقتصار البحث فى الأدب العربى على مصر، ولا تذكر البلدان الأخرى بأى دور فى صناعة النهضة الأدبية الحديثة، وقد قمت ـ على استحياء ـ بدراسة بعض الأدباء فى السعودية والسودان واليمن وفلسطين، كما أشرت إلى أدباء آخرين فى بلدان عربية أخرى.
وأعود إلى بحث الدكتور/ عبدالباقى سالف الذكر، والذى ذكر فى التمهيد له مدى الحاجة إلى دراسة مفهوم الشعر عند الشعراء اللبنانيين الجدد ، ودرس الشعر المنتظم والشعر المرسل والشعر الحر، ثم درس الصورة الشعرية عند أولئك الشعراء؛ لأنها شكل من أشكال النظم، وتحدث عن موسيقى الشعر عندهم، واستشهد بنماذج شعرية لهم فى هذه النواحى كلها.
وأعتقد أن أكثر هذا الكلام مكرر معاد، ولا يؤسس لقضايا جديدة فى مجال النقد الأدبى، لكنها على كل حال محاولة تذكر فى سجل هذا الراحل الكريم.
وفى ضوء ذلك لم تضم اللجنة هذا البحث لقائمة البحوث، التى ينبغى أن يرقى بها ، فاستبعدته من القائمة.
وقد أوصت اللجنة الموقرة بأساتذتها العظام بترشيح الدكتور/ عبدالباقى طلبة محمد عبدالباقى لوظيفة أستاذ فى قسم الأدب والنقد بكلية اللغة العربية بالزقازيق سائلة الله عزوجل أن يوفقه فى خدمة العلم والأزهر والحياة، وصدر تقريرها فى الثانى عشر من يونيو عام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين من الميلاد وسار هذا التقرير فى الدروب المعتادة إلى أن تمت الترقية بقرار مجلس الجامعة فى الثانى من سبتمبر عام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين.
ويأخذنى العجب إلى عدم إتاحة الكتب التى ترقى بها صاحبنا إلى درجة أستاذ مساعد ثم إلى درجة أستاذ، وهى سبعة يمكن أن يتشكل بها خصائص المذهب الفنى لهذا الزميل الراحل، ومع ذلك لم أجد منها فى مكتبة كليتنا إلا كتابا واحدا هو "النبوغ الشعرى"، ثم طالعنا موسوعة الكواكب الدرية فى سير أعلام الكلية فلم نجد ذكرا لهذه الكتب السبعة التى كانت من متطلبات الترقى إلى درجتى أستاذ مساعد وأستاذ، إذ أن الأمر مثير للعجب أن تخلو مكتبة الكلية من هذا الجهد إلا كتابا واحدا[42] ، كما لم يذكر صاحبنا كل هذه الكتب السبعة فى التأريخ لحياته.
النشاطات العلمية والإدارية: بعد أن انتهى الدكتور/ عبدالباقى من هموم البحث للترقى إلى درجة أستاذ، استقرت حياته مع أبنائه الصغار فى كفر فرسيس، وتحسن وضعه المالى بعد عودته من الإعارة، وأخذ يتنفس الصعداء مما ألم به، وشرع فى الإسهام بكثير من النشاطات العلمية والإدارية فى كليته، التى يعمل بها ومن أبرز ما أسهم به:
ـ الإشراف العلمى على بعض رسائل الماجستير والدكتوراة.
ـ المناقشة للعديد من الأطروحات العلمية فى كليته وفى كليات أخرى ، إذ أن تلك النشاطات تسهم فى تشكيل الفكر والوجدان والوعى العلمى فيما يتصل بمنظومة العمل الجامعى، وأعتقد أنه كان كريما مع طلابه، ومتعاونا مع زملائه، لا يتأخر عن مهمة يكلف بها من رؤسائه، سواء فى كليته أو فى إدارة الجامعة بالقاهرة. ومن الرسائل التى أشرف عليها ما يلى:
1 - رسالة دكتوراة وعنوانها "الرسائل الأدبية والنقدية فى الأدب العربى من القرن الثانى حتى نهاية القرن الخامس الهجرى، وأثرها فى النقد الحديث" فى كلية اللغة العربية بالزقازيق.
2 - رسالة دكتوراة بعنوان: "التشاؤم عند الشعراء الشباب فى النصف الأول من القرن العشرين" فى كلية اللغة العربية بالزقازيق.
وشارك ـ رحمه الله ـ فى مناقشة العديد من الرسائل منها:
1 - الشعر القصصى بين الزهاوى وخليل مطران (رسالة ماجستير) ـ فى كلية اللغة العربية بإيتاى البارود ـ.
2 - شعر شوقى بين التقليد والتجديد (رسالة ماجستير) ـ فى كلية اللغة العربية بإيتاى البارود ـ.
3 - شعر العلماء فى الأندلس من عصر الدولة الأموية 138هـ إلى عصر الموحدين 668هـ (رسالة دكتوراة) ـ فى كلية اللغة العربية بالزقازيق ـ.
4 - الوصايا وأصداؤها فى الشعر العربى حتى نهاية العصر العباسى ـ دراسة موضوعية فنية (رسالة دكتوراة) ـ فى كلية اللغة العربية بإيتاى البارود ـ.
5 - الشعر الجاهلى بين الذاتية والجماعية دراسة تحليلية نقدية (رسالة دكتوراة) ـ فى كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات فى أسيوط ـ.
وغير ذلك من الرسائل إشرافا ومناقشة.
وقد أسهم عليه رحمة الله ـ فى المهام الوظيفية بقسم الأدب والنقد بما فيها من نشاطات علمية وإدارية، فقد تولى رئاسة هذا القسم ست سنوات، شارك خلالها بالرأى والنصح والتوجيه لأبنائه من المعيدين والمدرسين المساعدين، وسائر منسوبى القسم من طلاب الدراسات العليا، وباقى أعضاء الهيئة التدريسية، فقد تشرف صاحبنا برئاسة قسم الأدب والنقد لمدة تقرب من ست سنوات كما أشرنا على مرحلتين، وكان الإشغال ـ ابتداء ـ من أواخر عام 2004م، ولكن القرار جاء اعتبارا من العاشر من يناير 2005م وتلتها المدة الثانية التى استمرت حتى الحادى والثلاثين من يوليو 2010م.
وقد نهض بمهمته تلك بصورة جيدة من الأداء، خاصة أثناء مشاركته ممثلا للقسم فى مجلس الكلية، أو من خلال رئاسته لأعمال الامتحانات فى إحدى الفرق الدراسية بالكلية.
كما أضيف صاحبنا إلى قائمة الأعضاء المحكمين، للتعاون مع اللجنة العلمية الدائمة لترقية أعضاء هيئة التدريس، وبذل فى هذا الشأن جهدا متميزا ونشاطا بارزا.
مؤلفات أخرى
سبق أن تحدثنا عن مؤلفات الدكتور/ عبدالباقى، التى ترقى بها إلى درجتى أستاذ مساعد وأستاذ، وبقيت هذه الكتب بعيدة عن مكتبة الكلية، وعن أيدى الزملاء كما سبق القول، وأورد فى الترجمة لنفسه بموسوعة أعلام الكلية أسماء لمجموعة من الكتب، أكثرها غير متاح لنا، وتلك القضية التى تنم عن عدم اهتمام من الزميل الراحل بنشر كتبه، واقتصار المتداول منها على ما يتم توجيهه إلى الطلاب والدارسين، وسوف نعرض لما تيسر لنا الاطلاع عليه، ثم يلى ذلك بيان الكتب التى ذكرها فى الكتابة عن نفسه[43] :
1 - دراسات فى الأدب الأندلسى[44]
افتتح صاحبنا هذا الكتاب بتمهيد فى صفحة واحدة، أوضح فيه الطبيعة الأندلسية ومظاهرها الساحرة، وانعكاساتها على الحياة الأدبية، ثم تحدث عن أغراض الشعر ولم يبال بوضع منهج لهذا الكتاب، وإنما خضع فيه للاختيار الموجز، وتحدث عن أطوار الأدب الأندلسى وطبقات شعرائه، والأصالة والمحاكاة فيه، وتكلم عن بعض أعلام الأدباء الأندلسيين، وشعر الطبيعة عند ابن زيدون، كما تحدث عن ابن هانئ وابن خفاجة، ولسان الدين بن الخطيب، ولم يتسع فى عرض القضايا، وهى كثيرة، نظرا لامتداد زمن هذا العصر إلى ما يقرب من ثمانية قرون.
2 - الأدب العربى الحديث بين الأصالة والمعاصرة[45]
يبدو أن هذا الكتاب مخصص للطلاب والباحثين، فقد بدأ بمقدمة شديدة الإيجاز قال فيها: فلقد شهد العصر الحديث تيارات أدبية متعددة، جاءت وليدة للحركات الثقافية السابقة لهذا العصر، وهو العصر العثمانى، الذى هبطت فيه الثقافة العربية بصفة عامة والأدبية بصفة خاصة، مما حدا بالأدباء أن يتكلفوا القول، ويتصنعوا التعبير، وهذا بلا شك يؤدى بدوره إلى انحدار فى الثقافة وضعف بين المثقفين فى اللغة[46].
ثم تحدث فى التمهيد الموجز أيضا عن عصر النهضة الأدبية، وذكر حالة الأدب فى العصر العثمانى، وقدوم الفرنسيين إلى مصر، وتوفر بعض العوامل للنهضة الأدبية، وجاءت موضوعات هذا الكتاب فى أربعة فصول:
الفصل الأول: عن حركة النهوض بالشعر العربى، ولذا تحدث عن أحمد شوقى وحافظ إبراهيم، وشعراء الشام والعراق، ومدرسة الديوان.
الفصل الثانى: بعنوان من أعلام الشعر فى العصر الحديث، وكتب فيه عن محمود سامى البارودى، وأحمد شوقى بعد أن تحدث عنهم فى الفصل السابق.
وجاء الفصل الثالث بعنوان: من أعلام الشعراء المعاصرين، وتحدث عن الدكتور/ صابر عبدالدايم، وهو واحد من زملائه البارزين فى جامعة الأزهر، ثم أورد نبذة موجزة عن حياته، وكتب عن شعره، وقدم نموذجا تحليليا لقصيدة (القبو الزجاجى) وختم هذا الفصل بالحديث عن ماهية الشعر، والفرق بينه وبين النثر، ولا علاقة لهذا الكلام بما تقدم ذكره فى هذا الفصل، وهو عن شعر الدكتور/ صابر عبدالدايم، وخصص الفصل الرابع للحديث عن النثر الأدبى، والقصة فى الأدب العربى واتخذ نموذجا لذلك، وهو كتابات الدكتور/ عبدالرحمن عبدالحميد على[47] بوصفه من أعلام الكتاب المعاصرين، وتحدث عن أهم الاتجاهات التصويرية فى قصصه الإبداعى ، وعرف الاتجاه الاجتماعى وهو: "الذى يتصل بحياة الأفراد فى المجتمع، ويجعل من قصته مرآة صادقة تعكس ما هو واقع وملموس فى حياة الناس سواء، كانت عادات وتقاليد أو نهجا وسلوكا، أو قضية اجتماعية يعرضها؛ لنأخذ منها العبرة والعظة"[48] وقسم الاتجاهات التصويرية عند الدكتور/ عبدالرحمن إلى عشرة: منها الاتجاه الاجتماعى، وعرف بهذه الاتجاهات، وقدم الأمثلة لها، فاعتبر هذا الفصل أكثر وأطول ما كتب عن الدكتور/ عبدالرحمن، وأدبه، خاصة فى الكتب المعدة للطلاب والدارسين، وذلك فى مدى علمنا.
3 - من النصوص الأدبية فى الجاهلية بين التحليل، والدراسة الفنية[49]
يبدو أن هذا الكتاب قد استكمله الدكتور/ عبدالباقى من كتابات سابقة له، خاصة أن الدراسات الأدبية عن العصر الجاهلى كثيرة ومتنوعة فى معظم كتبه، ولذلك فإننا سوف نعرض بإيجاز لهذا الكتاب، الذى بدأ بمقدمة فى حدود عشرة أسطر جاء فيها: "الأدب الجاهلى منبع عذب، ومعين أصيل للأدباء والنقاد والعلماء والباحثين على مر العصور والأجيال، والنصوص التى ذخر بها العصر تعد كنوزا نفيسة مملوءة بالجواهر الأدبية، واللآلئ الفنية، التى يحتاج إليها كل أديب، فعليه أن يسبر أغوارها ويتعمق فى باطنها؛ كى يستخرج منها ما يضيئ له الطريق، وينير أمامه السبيل".
وجاءت موضوعات الكتاب مع كثرتها وطولها فى ثلاثة فصول:
الفصل الأول عن المجتمع الجاهلى وخصائصه، حيث تحدث عن المجتمع وما فيه من الخلعاء والصعلكة ـ كما قال ـ.
ولم يختر عنوانا للفصل الثانى، الذى تحدث فيه عن عشرة نصوص من الشعر الجاهلى، ثم جعل الفصل الثالث للحديث عن النثر فى العصر الجاهلى، وعرض فيه للخطابة والأمثال والحكمة والوصايا وسجع الكهان، ثم ختم هذا الفصل بنموذج أدبى تمثل فى خطبة قس بن ساعدة الإيادى.
4 - دراسات فى الأدب الجاهلى والإسلامى[50]
جاء هذا الكتاب فى صورة مذكرة دراسية للطلاب بإعداد مشترك بين الدكتور/ عبدالباقى طلبة، وزميله آنذاك الدكتور/ محمد عبدالحميد سيد أحمد ـ وبيانها كما يلى:
الفصل الأول وقد تحدث فيه عن المجتمع الجاهلى وخصائصه، وجاء الفصل الثانى عن الشعر وخصائصه، واكتمل الكتاب بالفصل الثالث، الذى خصصاه للحديث عن الثأر، ثم تحدثا عن عدة موضوعات فى عصر صدر الإسلام.
مؤلفات مذكورة
ـ يبدو أن الكتب الآتية كانت معدة للطلاب والدارسين، وقد ذكرها زميلنا فى الكواكب الدرية، ولكننى لم أوفق فى الوصول إلى معظمها، وهى تسعة كتب متعددة أورد منها كتابين، سبق بيانهما وهما:
1 - دراسات فى الأدب الأندلسى.
2 - الأدب العربى الحديث بين الأصالة والمعاصرة.
ونذكر ما أورده فى الكواكب الدرية، دون إعادة لذكر الكتابين السابق بيانهما، مع تحديد تاريخ الصدور، اعتمادا على ما جاء فى الكواكب، حسب ما تم ذكره، وفق ما سبق بيانه:
1 - دراسات فى النقد الأدبى القديم عام 2003م.
2 - من النصوص الأدبية فى الجاهلية بين التحليل والدراسة الفنية عام 2005م.
3 - من النصوص الأدبية فى عصر صدر الإسلام والدولة الأموية عام 2006م.
4 - دراسات فى الأدب العباسى (الشعر) عام 2003م.
5 - من رياض الأدب الجاهلى عام 2000م.
6 - تأملات فى الشعر الجاهلى والإسلامى عام 1986م.
7 - البحث الأدبى بين النظرية والتطبيق عام 2007م[51].
وأورد ـ عليه رحمة الله ـ أربعة كتب ذكرها فى الكواكب، وقال بأنها تحت الطبع، ويبدو أن العمر لم يسعفه لإخراجها للقراء.
وفاته
قضى الدكتور/ عبدالباقى طلبة بعضا من شهور عام ألفين وأربعة عشر، متنقلا بين بيته فى القرية والمستشفى فى بنها، وبدأ المرض معه سهلا متحملا، فعاد إلى بيته فى المرة الأولى سليما متعافيا، وهنأه الأهل وسائر الأقارب والزملاء، بالسلامة والشفاء، واستقرت أموره وعاد إلى عمله، وعاد إليه المرض بحالة أشد، فلزم بيته مستقرا على سريره، ثم انتقل إلى المستشفى حيث ألمت به أزمة قلبية حادة، ظن بعض أهله أنها النهاية، لكن العمر لم يكن قد انتهى، فخرج من مشفاه عائدا إلى بيته، ومن ثم إلى كليته فسعد به الرفاق، وهنأه الأصدقاء وحمد الله على الشفاء، وفاضت عيناه بالدموع، عندما استرد كثيرا من عافيته وقدرته على العمل والبحث.
وفى ليلة من ليالى الشتاء تغيرت فيها الأحوال وبدا صاحبنا ضعيفا منهارا ـ حيث انهزم أمام المرض، واستشعر الأهل الخوف من الموت، الذى بدأت دلالاته تحوم حول البدن العليل، فارتج المنزل حزنا وخوفا واضطرابا، فحمله الأبناء إلى المستشفى الكبير فى المدينة بسيارته، التى اعتاد أن يقودها بنفسه لكنه فى هذه المرة قد حمل إليها ووضع فيها، وهو لا يدرى إلى أين المسير، وتأكدت الزوجة والأبناء أمام البيت من تمام الموت وتحت هذه الظلال الداكنة ذهبوا به إلى المستشفى؛ لعلها تكون غفوة أو سكتة يتحرك بعدها الدم فى شرايينه، فيعود إلى الحياة، لكنها كانت النهاية الفاجعة فرجعوا به إلى بيته وقضوا الليلة إلى جواره، بين قارئ للقرآن وباك بصوت خفيض، وعبئت الغرف بالثكالى.
واستكملوا تجهيزه للرحيل وساعات الوداع، وكانت الوفاة فى الخامس من فبراير عام ألفين وخمسة عشر، وحملوه مشيعا إلى مثواه الأخير، فدفن إلى جوار الراحلين من عائلته فى مقابر القرية، بعد أن صل عليه المئات، ودعوا له جميعا بالرحمة والمغفرة والرضوان.
معالم شخصيته
1 - الدكتور/ عبدالباقى طلبة أزهرى من الطراز القديم ـ إذ يتميز بالبساطة والتواضع، فعاش فى القرية يعطى الحكمة للكبار والصغار، ويقدم النموذج للرجال والنساء، ولذا بكى عليه الكثيرون فى مرضه ويوم وفاته، ودعوا الله سبحانه وتعالى أن يشمله بالرحمة والغفران.
2 - كان ـ رحمه الله ـ كريما جوادا منفقا، كارها للإسراف، حريصا على الاعتدال، فقد ذكر واحد لا نتهمه فى خلق ودين أن الزميل الراحل كان يقدم فى سرية وكتمان بعض المساعدات الدورية لعدد من الأسر الفقيرة بالقرية.
3 - كان كتوما للسر، إذ لم يكن يبوح بخفايا حياته وعلاقاته إلا للقليلين النوادر ـ فمن حفظ سره بقى الاختيار فى يده ـ.
4 - كان جادا مجتهدا ، وأظهر فى مراحل تعليمه تفوقا ونبوغا، فانتقل من معلم فى مدرسة ثانوية إلى أستاذ للأدب والنقد فى جامعة الأزهر، ورئيسا لهذا التخصص فى كليته، ومؤلفا وصاحب كتابات ربما يختلف القراء فيها أو لا يرضى البعض عن واحد أو اثنين منها، لكنها على كل حال تشهد بمدى جده واجتهاده.
5 - كان شديد الضعف أمام أبنائه، الكبير منهم والصغير، فقد ذكرت السيدة حرمه ـ أعانها الله ـ أنه كان هادئا وضعيفا أمام أبنائه ، وحريصا على الاستجابة لرغائبهم، والاقتراب منهم، وزرع الثقة فيهم، لذا كان حزنهم عليه عاصفا وعارما.
6 - كان شديد الارتباط بالقرية، فلم يتحول عن الإقامة بها، إذ لم تستهوه بلد سواها أو قرية غيرها، ولم يكن يتركها إلا ليعود إليها، ويبدو أن تعلقه ببلد آخر يكون غالبا ارتباط المسافر، الذى يرحل ليعود، فالسنوات الخمس التى قضاها خارج وطنه معارا، لم يستقر فيها ببلد واحد ، كما يفعل أكثر الزملاء فقد ارتحل إلى ثلاثة بلدان مما يدل على أن وجوده بالمكان يكون وجودا قلقا ومضطربا إذ أن شعوره بحسن التنفس وطيب الهواء وراحة البال، لا يكون إلا فى كفر فرسيس التى ولد فيها، وعاش على ترابها، قريبا من النهر، مصدر الحياة لأبناء القرية، إلى أن آب إلى آخرته، دفينا فى قبورها.
شهادات بعض الزملاء
لقد تحدث الكثيرون من الزملاء عن هذا الراحل الكريم، حديثا معبأ بالأسى واللوعة على فقدانه ورحيله إلى متاهة النسيان؛ إذ يمتدحون صحبته وزمالته، ويثنون على الكثير من مواقفه، ويذكره بعضهم بالخير والوفاء، وحسن التواصل، ويقول أحدهم إنه كان يختلف معه، ولكن الخلاف لا ينبغى أن يفسد للود قضية، خاصة فى علاقات امتدت لعشرات السنين، ويشيد بعضهم به، ويذكر فضائله ممسكا لسانه عن الحديث بشأن موقف أو آخر.
وقد كتب الأستاذ الدكتور/ محمد عبدالسلام صقر كلمة ضافية أكثر فيها من الدعاء لهذا الزميل بالرحمة والمغفرة ، وبدأها بعدة فقرات معبرة ومؤثرة قال فيها: "إننى وفاء وحبا وإعزازا بأخى الراحل الكريم، وبما قضيته فى صحبته من سنوات طيبة، وقد لمست فيه التواضع الجم وحسن الخلق، وكريم العشرة والحب والود والولاء والوفاء والإخاء والكرم ولين الجانب، ومهما تحدثت عن أخى وزميلى وصديقى الوفى، فإننى لا أستطيع أن أوفيه حقه، أو أن أعبر عن كل ما يجيش بنفسى نحوه، ولكن حسبى أن أشير إلى بعض ما لمسته فيه، من خلال رحلته معى فى حياته الطيبة الكريمة، والتى أدعو الله تعالى له أن يجزيه عن صحبته لى ولكل الأساتذة الكرام والزملاء الأعلام كل خير ورحمة ومغفرة ورضوان".
وقد ذكر الدكتور/ محمد صقر معظم التفصيلات الحياتية والعلمية للدكتور عبدالباقى طلبة، والتى ورد أكثرها فى موسوعة الكواكب الدرية، وسبق أن أشرنا إليها فى مواضع سابقة، مفصلة بهذا البحث.
وأدعو ـ من جانبى ـ زوجة الزميل الراحل وأبناءه الكرام إلى الحفاظ على سيرته، والتمسك بالأخلاق الحميدة التى غرسها فيهم، وحسن التوجيه لكتبه المؤلفة ولمكتبته العامرة، التى تحوى الكثير من أمهات الكتب، والمراجع القديمة والحديثة ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ.
دكتور/ السيد محمد الديب
السبت 21 من ذى القعدة عام 1436هـ، الموافق 5 سبتمبر عام 2015م
[1] تشكلت اللجنة من أ.د/ عبداللطيف خليف مشرفا، أ.د/ محمد السعدى فرهود عضوا ، أ.د/صلاح الدين عبدالتواب عضوا وهم معروفون فى الساحة الأزهرية.
[2] كان المشرف المشارك على هذه الرسالة هو الدكتور/ محمد جمعة عبدالصمد من كلية اللغة العربية بالزقازيق.
[3] تشكلت اللجنة من أ.د/ إبراهيم محمد عوضين مشرفا، أ.د/ مصطفى يونس من كلية اللغة العربية فى أسيوط عضوا، أ.د/ عبدالرحمن عبدالحميد على من كلية اللغة العربية بالزقازيق عضوا.
[4] تشكلت اللجنة المختصة من: 1 - أ.د/ محمد أحمد البيومى (محمد رجب البيومى) عميد كلية اللغة العربية بالمنصورة. 2 - أ.د/ حسن أحمد أبوأحمد الكبير الأستاذ المساعد للأدب والنقد بكلية اللغة العربية بالزقازيق. 3 - أ.د/ محروس منشاوى الجالى الأستاذ المساعد للأدب والنقد بكلية اللغة العربية بالزقازيق.
[5] نشأت هذه الفتاة فى معية والدتها بعد طلاقها من أبيها، وتحت رعاية أخوالها وجدتها لأمها، وتفوقت فى تعليمها، وهى الآن متزوجة بإحدى القرى المجاورة لكفر فرسيس، وتعمل الآن فى وظيفة مدرس مساعد بكلية الطب جامعة بنها.
[6] سجل الطلاق فى محكمة بنها بتاريخ 21/ 12/ 1984م.
[7] هى السيدة/ إناس محمد الطاهر عبدالرحمن، التى استكملت مع صاحبنا باقى حياته، وهى من مواليد 27/ 9/ 1965م.
[8] تخرج من كلية اللغة العربية بالزقازيق، ويعمل معيدا بها ، وتزوج وأنجب حفيدا لوالده.
[9] تخرج من كلية الصيدلة ويعمل بمهنتها.
[10] حصلت على الليسانس فى الدراسات الإنسانية من تفهنا الأشراف ـ جامعة الأزهر ـ، ومتزوجة ومقيمة بقرية الشموت المجاورة لكفر فرسيس.
[11] هى الآن فى وصاية والدتها بعد وفاة والدها ـ المغفور له بإذن الله تعالى ـ.
[12] الأستاذ المتفرغ بكلية الدراسات الإسلامية والعربية، وعضو اللجنة الدائمة آنذاك، وكان عميدا لكلية اللغة العربية بالقاهرة فى وقت سابق.
[13] رئيس قسم الأدب والنقد بكلية اللغة العربية بالمنصورة، وعميدها وعضو اللجنة الدائمة ، وشهرته محمد رجب البيومى.
[14] رئيس قسم الأدب والنقد بكلية اللغة العربية بالزقازيق آنذاك.
[15] مطبوع بمطبعة الأمانة بالقاهرة عام 1986م.
[16] مطبوع عام 1987م بمطبعة الأمانة بالقاهرة.
[17] بحث منشور بمجلة كلية اللغة العربية بالزقازيق العدد السادس 1987م.
[18] بحث منشور بمجلة كلية اللغة العربية بالزقازيق العدد السابع سنة 1987م.
[19] بحث منشور بمجلة كلية اللغة العربية بالزقازيق العدد الثامن عام 1988م
[20] وذلك عام 1990م/ 1991م، وعام 1991م/ 1992م.
[21] راجع كتابنا رحيق المعرفة.
[22] وذلك عام 1992م/ 1993م ، وعام 1993م/ 1994م.
[23] طبع هذا الكتاب بمطبعة الأمانة بالقاهرة عام 1991م، ويقع فى أربع وثلاثمائة صفحة، وهو أول كتاب تأهل به د. عبدالباقى طلبة للترقى إلى أستاذ.
[24] طبع هذا الكتاب فى دار الرائد العربى ـ بيروت ـ لبنان الطبعة الثانية، وعدد صفحاته ثلاثمائة وإحدى وثمانون.
[25] ليس للدكتور/ عبدالباقى طلبة فى كتابه المذكور إلا بعض التغيير فى العنوان، وما يقرب من تمام سطرين فى المقدمة. وقوله: "إن شاء الله تعالى صـ201 فى الصفحة الثانية من الباب الثالث عنده، وتغيير فى نظام إثبات المراجع والمصادر".
[26] غافر 44.
[27] البقرة 283.
[28] رواه الترمذى وقال: حسن صحيح (2018) والحاكم ومسند أحمد وذكره الألبانى فى السلسلة الصحيحة.
[29] قال الترمذى: حديث غريب، وحكم عليه الألبانى بالضعف، ورواه أبوداود فى الأدب، وأنكره "عمران بن أنس المكى".
[30] لا أعلم عنها شيئا. ولا أعلم إن كانت حية ترزق، أو ميتة تحت التراب.
[31] البخارى والنسائى والدارمى وابن حنبل.
[32] يوسف 81.
[33] يقع هذا الكتاب فى أربع وثلاثين وثلاثمائة صفحة، وطبع بمطبعة الأمانة بالقاهرة 1991م.
[34] يقع هذا الكتاب فى أربع وثلاثين وثلاثمائة صفحة وطبع بمطبعة الأمانة بالقاهرة 1991م.
[35] السابق صـ3.
[36] يقع هذا الكتاب فى سبع وتسعين ومائة صفحة، وطبع بمطبعة الأمانة فى القاهرة عام 1991م.
[37] انظر دلائل الإعجاز صـ60 مطبعة الفجالة الجديدة عام 1969م تعليق وشرح د/ محمد عبدالمنعم خفاجى.
[38] يقع هذا الكتاب فى تسع وخمسين ومائة صفحة، وطبع بمطبعة الأمانة بالقاهرة عام 1991م.
[39] نشر فى مجلة كلية اللغة العربية بالزقازيق العدد التاسع عام 1989م.
[40] بحث منشور فى مجلة كلية اللغة العربية بالزقازيق ـ العدد العاشر عام 1990م.
[41] بحث منشور فى مجلة كلية اللغة العربية بالزقازيق ـ العدد الحادى عشر عام 1991م.
[42] هو كتاب النبوغ الشعرى.
[43] الكواكب الدرية فى سير أعلام الكلية طبع عام 2011م.
[44] طبع عام 2001م 2002م، وعدد صفحاته مائة وسبع وستون صفحة، وليست له مقدمة ولا رقم إيداع.
[45] طبع عام 2004م، وعدد صفحاته ثلاثمائة وسبع، وهو بلا رقم إيداع، وليست له دار طبع ونشر محددة.
[46] السابق صـ3.
[47] كان عميدا لكلية اللغة العربية بالزقازيق آنذاك.
[48] الأدب العربى الحديث بين الأصالة والمعاصرة صـ253.
[49] كتاب مطبوع عام 2009م ويقع فى ثلاثمائة وسبع صفحات فى طبعة معدة للطلاب.
[50] مذكرة مكتوبة على نظام الآلة الكاتبة، وعدد صفحاتها مائة وثلاثون، وليست لها هوية طباعية، وليس لها رقم إيداع، ومكتوبة عام ألف وتسعمائة وست وثمانين، حسب البيان المثبت على الغلاف.
[51] يبدو التشابه الكبير بين هذه العنوانات، والتى ربما يكون المحتوى متقاربًا أو متحدًا.