عرض القرآن الكريم لظهور الفساد في الأرض، وبيان أسبابه ومظاهره، وأوضحت السنة النبوية كيفية مواجهته حسب المعايير الشرعية الحاكمة لعلاقة الإنسان بربه، وما يلزم ذلك من أوامر ونواهٍ، تم يأتي التعامل مع الناس جميعا بما يحفظ ميزان التفاعل البشري على سطح الأرض؛ لتستمر الحياة تحت ظلال الحق تبارك وتعالى، وبأنوار اليقين المعرفي، الذي ينير السبيل للمؤمنين بالله تعالى؛ حتى يمارسوا شعائر العبادات الإلهية، والأخلاق الدينية للارتقاء بالإنسان، وحفظ الحقوق الطبيعية لسائر الكائنات الحية، التي تأتمر بأمره وتنهض لخدمته، وتفعيل ارتقائه عنها قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ)[1]، وذلك بمراقبة تامة وإدراكات شاملة من الله تعالى، قال عزّ من قائل: (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ). [2]
والفساد نقيض الصلاح؛ ومن معانيه؛ الجدب في البر والقحط في البحر، والمفسدة نقيض المصلحة[3] فيدُ الفساد عندما تمتد إلى شيئ فإنها تحيله من النفع والصلاح إلى الضرر والفساد، فالإنسان عندما يُفسد سلوكاً أو خُلقا أو أرضا أو ماء أو هواءً فإن آثار الضرر لا تقع على شخص مَنْ أحدثه وحده، وإنما تصل إلى الآخرين.
صور الفساد:
للفساد صور كثيرة ومستويات متعددة، ونواتج تفوق الإحصاء والتقدير، إذ يمكن أن يمتد إلى سائر الأحياء والجمادات فتكون فاسدة في نفسها ومفسدة لغيرها.
والإفساد: إلحاق الضرر والإتلاف بكل ما يحقق المصلحة للإنسان وغيره، والإنسان هو أول المتهمين بالإفساد، كما أشير إلى ذلك في حديث الملائكة إلى الله تعالى عند بدء الإعلان عن وجود الخلق على الأرض قال تعالى: (قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء).[4]
1- الفساد المعنوي: وهو الذي ينجلي في سلوكيات الإنسان من خلال البيئة الإجتماعية التي يحيا بها، مثل الفساد في الإعتقاد الديني أو المذهبي كانحراف الإنسان في عقيدته أو عبادة ذاته، وتقديس هواه، وينتج عن هذا الانحراف ضلال كبير، يمتد إلى سائر العباد الذين يتعاملون مع المفسد بمستويات أو مواقف تطول وتقصر، حسب مستوى الإغراق في الفساد والإفساد، ومثل الفساد في العبادة إذ أن نهوض الإنسان بعبادته على الشكل المأمور به أو المنهي عنه يعطى الحياة مستوى راقيا، ويحدث التاثير والتاثر بين الإنسان وغيره من البشر، وتنعكس آثار ذلك على سائر الكائنات الحية، أما إذا افسدت العلاقة مع الله تعالى، وتخلى الإنسان عما يجب فعله فإن مخاطر كل ذلك تصل إليه وإلى غيره، أي أن حاصل الفساد الاعتقادي يمتد ليشمل سائر المكونات الإجتماعية، حتى إذا ما انحرف فكر الإنسان (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [5]، فعبد ذاته، وركبه الغرور وحبُّ السيطرة وبسط النفوذ، وإذلالُ الآخرين فإن هذا فساد كبير وخطير.
أما فساد الأخلاق والمعاملات فهو من نواتج الفساد في العقائد والعبادات، فالفساد الخلقي والتعاملي متعدد الصور والأحوال، وقد كتب عنه فقيل: "إذا فسدت العقائد والعبادات فسدت الأخلاق والمعاملات، وانتشر بين الناس حب استغلال السلطة، والتعدي على المال العام، وصاحبَ ذلك فساد الذمم والخداع والكذب، ونقض العهود والعقود والمواثيق، وأكل أموال الناس بالباطل، وتطفيف الموازين والمكاييل، والغش في الصنعة والعمل، وانتشار السرقات والنهب والسلب، والرشوة والمحسوبية والربا، وإشاعة كل من الاستبداد والمظالم والفواحش والفتن والاعتداء على الأعراض والأموال والممتلكات، واختلاط الأنساب ونصرة الباطل وأهله، ومحاربة الحق وجنده، وفساد الأحكام والتصورات والقيم والنظم، وإفساد العقول وضياع القدوة الحسنة، وغياب الشفافية، وغير ذلك من صور الفساد المعنوي والأخلاقي والسلوكي"[6]، فهذه السلوكيات الفاسدة التي إذا ما انتشرت بين بني الإنسان فإنها تهبط بهم إلى مستويات قد تتدنى إلى ما هو دون الحيوان، والعياذ بالله.
قال الشاعر:
وإذا أصيب القومُ في أخلاقهم *** فأقمْ عليهم مأتما وعويلا
وقال آخر
إن الشباب والفراغ والجِدَه *** مفسدةٌ للمرء أي مفسدة
2- الفساد المادي: ويتجلى في أحوال كثيرة تقع في الأرض والماء والهواء، ويكون بالتلوثات، التي تنتشر بصور مختلفة عن ذي قبل، وتلك هي المنظومة التي تندرج تحت ما يسمى فساد البيئة، وأضرار هذا الفساد كثيرة، وأحياناً تكون غير مدركة، ولكنها تظهر على المدى البعيد.
مظاهر الفساد:
تتعدد أحوال الفساد والإفساد، ومن ذلك إحداث البدعة في الدين، وهي إضافة منكرة ومرفوضة، قال صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"[7]، ومثل تعلم السحر والتلاعب به على الناس، بهدف الإفساد فيما بينهم، وتحقيق كسب مادي! ومعنوي فاسد، قال تعالى: (وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ)[8]، وهو من السبع الموبقات[9]، فضلا عن ألوان أخرى من الفساد، وقد رُوي عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: "ألا أخبركم بشراركم: المشاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة" [10]. وقال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).[11]
وقد تعددت اقوال المفسرين فيما يخص ظهور الفساد في البر والبحر، فقيل إن الفساد: هو الشرك، وهو أعظم الفساد، وذكر القرطبي أنّ "فسادَ البر: قتلُ ابن آدم أخاه"، وفساد البحر تمثل في: "الملكِ الذي كان يأخذ كل سفينة غصْباً" وقال القرطبي: "الفساد: القحط وقِلة النبات وذهاب البركة"[12]، وقيل أيضاً في معنى الفساد المذكور في الآية إنه: المعاصي وقطع السبيل والظلم فكل هذه الفسادات التي تقع في أرجاء الكون أرجعتها الآية إلى سلوك البشر، وذلك في قوله تعالى: (بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ)، والذي يتضح في إحداث المعاصي من قطع الطرق والظلم على كافة أشكاله، ثم جاءت خاتمة الآية محددة نواتج الفساد سواء أكان في الدنيا، أم في الآخرة، لأن معظم الجزاء بها، والإشارة إلى عقوبة المفسدين إضاءة كاشفة إلى حتمية الرجوع عن الفساد، وكافة صوره في البر أو في البحر بسبب ما يحدثه الناس من شرور ومفاسد. والله أعلم،،
د/ السيد محمد الديب
[1] الذاريات 65
[2] ق 18
[3] لسان العرب. مادة فسد ج5 ص3412 (دار المعارف بمصر)
[4] البقرة 30
[5] الكهف 38
[6] جريدة الأهرام عدد 14 نوفمبر 2005م من مقالة للدكتور/ زغلول النجار
[7] أخرجه البخاري ومسلم
[8] البقرة 152
[9] حديث السبع الموبقات، رواه البخاري ومسلم
[10] رواه أحمد
[11] الروم 41
[12] تفسير القرطبي ج14، ص40