لقد جاء النهي عن الفساد في الأرض بكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، قال تعالى: (وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا)[1]، ذلك أن الإفساد أمر خطير وشر وبيل لا يقتصر أثره على فرد واحد وإنما يشمل الكثيرين، خاصة أنه يتنامى ويتكاثر فيشمل سائر الأرض والبحار والأنهار وأجواء الفضاء، وقد كانت المواجهة للفساد مؤصلة وثابتة في دعوات الأنبياء والرسل عليهم السلام، الذين كُلِّفوُا بإصلاح الناس وإخراجهم من دوائر الإشراك بالله إلى الإقرار بالربوبية، ومنع الفساد في الأرض، الذي يصل ضرره إلى الإنسان وكل الأحياء وسائر الجمادات، وأن علم الله لا حدود له في التفريق بين المفسد والمصلح، ذلك الثابت في قول الله تعالى: (وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ)[2]
سبل المقاومة:
إن المنهج الإسلامي في التصدي للفساد واضح المعالم، كما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم بحق مواجهة المنكر في الخضوع للاستطاعة، ارتباطا بالزمان والمكان، ومستوى الولاية للقائم بالإصلاح لمن يرتكب المنكر والفساد، فقد رَوي أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".[3]
فالنهي عن الفساد نهي عن المنكر، وأما الدعوة إلى الإصلاح فهي أمر بالمعروف، في نطاق المشروعية المقررة بالكتاب الكريم والسنة النبوية المشرفة، فهؤلاء المصلحون الذين يُنكرهم المفسدون ويعتبرونهم غرباء مع أنهم الأصلاء، لدعواتهم الإصلاحية في مواجهة الفاسدين في الأرض وفي البحر وفي سائر الأجواء، قال صلى الله عليه وسلم: ".. فطوبى للغرباء، الذين يصلحون ما أفسد الناس بعد سنتي".[4]
وتتأكد الدعوة إلى الكف عن الفساد، خاصة ما كان منه موجها إلى الأقارب مثل المقاطعة لذوي الأرحام، وأكل حقوق الضعفاء منهم، والتهام أموال اليتامى، وعضل الفتيات عن الزواج لأهداف تكسبية، وتتبع عورات الناس لإذاعة فضائحهم، وانتشار الكذب والنفاق، واختراق المجتمع بسوء السلوك، وغير ذلك قال تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ)[5]
وفي خطاب الرسول لمن يمكن أن ينهض بالفساد قوله صلى الله عليه وسلم: "إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم"[6]، ومن الواضح في خطاب النص الديني أنه موجه لحماية الناس جميعاً، وإذا وجّه إلى الفرد فإنه واحد منهم وما ينطبق عليه ينطبق على الكثيرين.
وينبغي أن يكون الفساد المنهي عنه محل اتفاق وتوافق بين الصادقين الأسوياء، وليس أمراً مختلفا فيه أو متنازعا حوله أي ليس للمفسد شبهة حق فيما يدار حوله من نزاع منتج للفساد والإضلال، كما يجب أن تكون مقاومة الفساد خالصة لله تعالى ولصالح الجميع، وليست مراءاة مكشوفة، أو سعيا بغيضا إلى تحقيق سمعة مستهدفة أو مكاسب متوقعة في الفوز بمنصب أو جاه، فالصدق في العمل يضمن له التوفيق والثواب العظيم.
عقوبة المفسدين:
يخضع عقاب المفسدين في البر والبحر والسماء لمعايير مقننة، فما كان منه في الدنيا فهو مقرر بالقوانين الوضعية، التي يكون الإحتكام فيها إلى الشريعة الإسلامية، وقد ثبت العقاب بحق المفسدين البغاة من خلال الحدود الشرعية، وذلك واضح جلي في البيان التفصيلي، الذي قال الله تعالى فيه: (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ {33})[7]، ثم استثنى القرآن الكريم من هؤلاء المفسدين مَنْ اعترف بذنبه منهم، وأعاد الحق لذويه، وتاب وأناب إلى الله تعالى، وذلك قبل الإمساك به، حيث قالت الآية التالية لما سبق: (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)[8].
إن مقاومة الفساد والتصدي لفاعله عمل مشروع ينهض به القادر عليه، فالمواجهة للفاسد تحقيق للخير الذي يعم سائر الكائنات الحية، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات العبد الفاجر استراح منه العباد والبلاد والشجر والدواب".[9] والله تعالى أعلى وأعلم،،
دكتور/ السيد محمد الديب
[1] الأعراف 65.
[2] البقرة 220.
[3] رواه مسلم.
[4] رواه أحمد والترمزي (في الفتن)، ومعنى "بعد سنتي" أن المفسدين ينضو، بالإفساد بعد وضوح معالم السنة.
[5] محمد 22.
[6] رواه أبو داوود.
[7] المائدة 33.
[8] المائدة 34.
[9] رواه مسلم، ومعنى الفاجر: الفاعل للفجور، والفسق والفساد.