تتواصل آيات القرآن فى سورة الفرقان عن صفات عبدا الرحمن ، التى تكتمل منها ومن آيات آخرى الصورة التامة لكل المؤمنين الصادقين ، الذين يأخذون من الدنيا ويعطونها ، ويتوجهون فى إقبالهم على الله نحو التأمل المزهر ، والتفكير المثمر، الذى تنعكس أثاره على سلوك الإنسان ، وعمله للدين والحياة.
1- تأمل عباد الرحمن فى آيات الله تعالى:
قال رب العزة سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا[1] والمراد من التذكير فى الآية هو التنبيه والتامل والإدراك قال تعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ[2].
إن معنى كلمة آية وجمعها آيات فى هذا النص القرآنى هى جملة أو مجموعة من الجمل يُؤثر الوقف فى نهايتها غالباً ، ويطلق ذلك على مجموع آيات القرآن الكريم ، وإن كان المعنى عموماً يتجاوز هذا المراد إلى إطلاقات أخرى مثل العلامة والأمارة ، أو العبرة أو المعجزة[3].
ومعنى: "لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا" أى لم يكبوا عليها ، والخرور فى أصل معناه: السقوط على غير نظام وترتيب ، كأن الذى يخر ساجداً لله لا يكون معنياً بهيئة ونظام ، وإنما يكون مشغُولاً بخضوع وخشوع لله رب العالمين[4] والمعنى فى الآية منصرف إلى وصف عباد الرحمن، كما جاء فى تفسير القرطبى: أى إذا تليت عليهم آيات الله وَجلِت قلوبُهم ، فخرواً سجداً وبكياً ، ولم يخرواً عليها صما وعمياناً"[5].
وإيضاح ذلك فى شأن الآية ، أن الكفار هم الذين يعرضون عن آيات الله ، ويخرون عليها صماً وعمياناً ، وتلك دلالة على إعراضهم وغرورهم وسقوطهم على غير نظام وترتيب ، كأن الآية كما يقول بعض المفسرين: "تعريض للمشركين الذين ينكبون على آلهتهم وعقائدهم وأباطيلهم كالصم والعميان ، لا يسمعون ولا يبصرون ، ولا يتطلعون إلى هدى أو نور وحركة الانكباب على الوجوه بلا سمع ولا بصر ولا تدبر حركة تصور الغفلة والانطماس ، والتعصب الأعمى.
فأما عباد الرحمن ، فهم يدركون إدراكاً واعياً بصيراً ما فى عقيدتهم من حق ، وما فى آيات الله من صدق ، فيؤمنون إيماناً واعياً بصيراً ، لا تعصباً أعمى ، ولا انكباباً على الوجوه! فإذا تحمسوا لعقيدتهم فإنما هى حماسة العالم المدرك البصير".....
أى أن التأمل فى آيات الله ينبغى أن يكون مصحوباً بفكر ووعى وبصر وإدراك مصاحب لحركة الانكباب، والتعرف على ما فى آيات الله من دواعى الترقى فى درجات الإيمان والسعى إلى الحق واليقين.
2- آثار التأمل فى آيات الله تعالى:
ويكون التفكر فى آيات الله بكثرة التأمل فيها ، وزيادة الفهم والاستيعاب لها ، ومراعاة الخضوع والخشوع معها ، وتنصرف هذه الآيات ، بالدرجة الاولى إلى كلام الله تعالى فى آيات القرآن الكريم ، ويتحقق التأمل والتفكر أيضاً فى الآيات الكونية المتجسدة فى المرئيات الطبيعية الماثلة أمام النظر الإنسانى، ويكون كذلك فى المغيبّات غير الملموسة بالحواس البشرية ، وعلى كل فتلك المشاهدات المكتوبة أو المصورة ينبغى أن يرقى الإنسان المؤمن بها إلى درجات عليا من المعرفة والتقوى ، وأن يستثمرها فى تكوين علاقات متنوعة ومتميزة مع بنى البشر ، أو لصيانة الاقتراب من الله تعالى والسجود له ، وهو درجة عليا من الخضوع والشفافية والنقاء.
والتفكر أى إعمال النظر فى الأشياء بفهم وإدراك ، كأن ذلك التوجيه الشرعى ينصرف إلى حتمية نظر المؤمن إلى الأشياء ؛ للعبرة والاتعاظ.
إن آيات الله على تنوعها وكثرتها منها ما هو ظاهر لا يحتاج إلى بيان كالمشاهد الطبيعية مثلاً، ومنها ما يحتاج إلى تفهم وتفكر وإدراك كما فى بعض آيات القرآن الكريم.
قال تعالى: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ[6].
وقال عز من قائل: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [7] وقال: وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [8].
وهكذا تتجلى الدعوة إلى التأمل والتفكر فى سائر آيات الله ومخلوقاته ببواعث إيمانية دافعة على إعمال الفكر فى مظاهر العظمة الإلهية فى الأرض والسماء.
وقال ابن عباس رضى الله عنهما: ((إن قوماً تفكروا فى الله عزوجل ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "تفكروا فى خلق الله ، ولا تتفكروا فى الله ، فإنكم لن تقدروا قدره"))[9].
إن التأمل والتفكير ينطلق الإنسان بهما إلى ما فى أعماقه ودواخل نفسه ، وإلى ما فى خلق الله فى السماوات والأرض وما بينهما ، وكل ذلك بهدف الانتقال بالإنسان المؤمن من الدائرة المادية الضيقة والنظرة السطحية الساذجة إلى درجة من العمق للفهم والتأمل والرؤية الإيمانية المتوهجة لدواعى العظمة والاعتبار.
وقد جاءت فى القرآن الكريم عشرات الآيات التى تدعو الإنسان إلى السير فى الأرض والتأمل فى الكون ؛ للبحث عن أسباب الخلق ، وحتمية الحركة ، وضرورة التفكر ، بهدف إزالة الكراهية والحمق من النفوس وزيادة الحب والعشق للذات الإلهية فى ملكوتها الرحيب، قال تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ، وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ، فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ[10]. وتعدت الدعوة إلى السير فى الأرض ، والتأمل ، والتفكر ، فى العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
3- نموذج سلوكى للرسول صلى الله عليه وسلم مع بعض أصحابه:
إن المواقف الخاصة بالتأمل فى حياة الرسول وأصحابه كثيرة ومتنوعة تتعلق بالنص القرآنى ، وبالمشهد الطبيعى ، والتفسير الغيبى لما لم يشاهده الإنسان بحواسه التى لا تستطيع الإدراك والتعرف إلا على قليل من المواقف والمشاهدات التى يتحتم أن ينطلق منها الإنسان إلى عالم رحب فسيح.
وهذا موقف من مواقف العظة والعبرة التى أوردها أبو حامد الغزالى فى الإحياء قال: "وعن عطاء قال: انطلقت يوماً أنا وعبيد بن عمير إلى عائشة رضى الله عنها، فكلمتنا وبيننا وبينها حجاب ، فقالت: يا عبيد ما يمنعك من زيارتنا؟ قال: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: زُرغِباً تزددْ حباً ، قال: فبكت وقالت: كل أمره كان عجباً ، آتانى فى ليلتى حتى مَسّ جِلدهُ جلدى ، ثم قال: ذرينى أتعبد بربى عزوجل، فقام إلى القربة، فتوضأ منها ، ثم قام يصلى ، فبكى حتى بّل لحيتَه ، ثم سجد حتى بَلّ الأرض ، ثم اضجع على جنبه، حتى أتى بلالٌ يؤذنه بصلاة الصبح ، فقال: يا رسول الله ما يبكيك ، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: ويحك يا بلالُ وما يمنعنى أن أبكى ، وقد أنزل الله على فى هذه الليلة – إنّ فى خلق السماوات والأرض ، واختلاف الليل والنهار ، لآيات لأولى الألباب – ثم قال: ويل لمن قرأها ، ولم يتفكر فيها"[11].
ويتصل بالآية المذكورة من سورة آل عمران قول الله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (2).
تلك هى واحدة من صفات عباد الرحمن التى تعرض لقيمة التأمل والتفكر فى آيات الله ، وانعكاس ذلك على سلوكيات الفرد فى حياته مع ربه ومع الناس جميعاً.
الدكتور/السيد محمد الديب
[1] سورة الذاريات 55.
[2] انظر المعجم الوسيط جـ 1 صـ 35.
[3] قال تعالى: "يخرون للأذقان سجداً" الإسراء 107 ، وقال: "ويخرون للأذقان يبكون ، ويزيدهم خشوعاً" الإسراء 109.
[4] تقسيم القرطبى جـ 13 صـ 81.
[5] سورة البقرة 266.
[6] سورة النمل 93.
[7] سورة فصلت 37.
[8] رواه ابو نعيم فى الحلية ، والأصبهانى فى الترغيب والترهيب ، والطبرانى فى الأوسط ، والبيهقى فى الشعب بدرجات تتأرجح بين الضعف والصحة..
[9] سورة الغاشية 17 – 22.
[10] إحياء علوم الدين جـ 4 صـ 410 ، والحديث فى صحيح ابن حبان من رواية عبدالملك بن أبى سليمان عن عطاء ، والآية 190 من سورة آل عمران.
[11] سورة آل عمران 191.