التأمل في أحوال الضحك والابتسام

1 دقيقة قراءة
بواسطة Ahmed Eldeeb
التأمل في أحوال الضحك والابتسام
ابتسامة طفل — SDnyanzi / Wikimedia Commons

يأتي الضحك بصوت أو بدونه، تعبيراً عن الفرح الذي ينبغي أن يكون مرشَّداً في حياة المؤمن، وخاضعاً للأصول والأعراف الصحيحة التي لها اعتبار في الشرع , فيجب مراعاتها في الأفراح والمناسبات السارة، وألاّ يُوجَّه للإساءة للآخرين والسخرية منهم، وإضحاك الناس عليهم، كما تأتي الابتسامة استجابة لموقف يستدعي الاكتفاء بها دون سواها من التعبيرات الإنسانية.

1- بيان المصطلح ومتطلباته عند الإنسان.

أفادت دوائر المعارف وبعض شبكات المعلومات أن الضحك عند الإنسان شكل من أشكال التعبير الصريح عن التسلية والفرح ومشاعر أخري أحياناً، هذا الذي يظهر خارجياً علي وجه الإنسان، وتتعدد بواعثه ومسبباته.

وأما القهقهة فهي الضحك بصوت عالٍ مسموع, وتكون غالباً في جمع من الناس. استجابة لفعل مخالف أو نكتة أو موقف تمثيلي, كما نشهد ذلك في بعض سلوكيات الإنسان , وهي غير مستحبة في كثير من الأحوال, فتفسد الصلاة وتنقض الوضوء, كما ذهب إلي ذلك بعض الفقهاء، وعلي ذلك يجب تنحية سائر العبادات عنها، خاصة الصلاة ؛لأنها حديث إلي الله تعالي.

أما الابتسامة فهي ذات قيمة عالية علي القائم بها والموجهة إليه، وقيل إنها أجمل لغة في الحياة.

ولقد خلق الله سبحانه وتعالي في الإنسان- استعداده للضحك والبكاء - وفق الأحوال التي تتطلبها ,قال تعالي" (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ)[1]"

وتقدم ذكر الضحك في الآية؛ لأنه الأفيد والأدعي لطبيعة الحياة الإنسانية، التي يعتورها كثير من الهموم والابتلاءات، فتكون الابتسامة المنضبطة مخففة للضيق النفسي، وإعلاناً عن استمرار الإنسان في أداء دوره بدون عوائق تحجبه عن القيام برسالته في الحياة، وأكثر ما يكون الضحك والابتسام في الفرح والسرور والتهنئة بالخير.

وجاءت البشارات إلي سيدنا إبراهيم متتابعة، وأبرز ما أضحك زوجته سارة، هو هلاك قوم

لوط, ثم كانت البشارة بإنجابها لإسحاق ومن بعده يعقوب، قال تعالي "(وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ)[2]".

وتحدث القرآن الكريم عن بعض الأوصاف الخاصة بأهل الجنة, فقال تعالي "(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ‏ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ)[3]"، و(مُّسْفِرَةٌ‏) أي مستنيرة، و(ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ).

أي مسرورة فرحة ؛ تعبيراً عما في القلوب , كما ظهر البشر علي وجوههم , وقد أورد البخاري حديثاً لرسول الله صلي الله عليه وسلم جاء فيه "وتبسمك في وجه أخيك صدقة"[4]؛ لأن المؤمن عندما يبتسم فإنه يحقق لنفسه هدوءا واستقرارا وراحة للنفس, فإذا ما توجه بابتسامته إلي مريض يسعي إلي الشفاء أو مكروب مهموم بالحياة فإن تأثير هذه الابتسامة علي هؤلاء النفر من الناس لا حدود لها , خاصة إذا كانت من طبيب يعالج أو ممرض يداوي , و كان الرسول صلي الله عليه وسلم كثير التبسم قليل الضحك، ومن المناسبات التي شُوهد فيها ضاحكا ما رواه عباس بن مرداس رضي عنه قال أبو بكر أو عمر للرسول صلي الله علية وسلم (أضحك الله سنَّك يا رسول الله) [5]" والمغني أدام الله فرحك , وأكثر سرورك , من خلال التعبير عن ذلك بمصطلح الفرح والسرور [6]".

2- أحوال الضحك والابتسام.

يكون الضحك تعجبا أو رفضا لبعض التصرفات المنكرة, أو سخرية من أشخاص معاندين يوظفون وسائلهم في الإساءة إلى الآخرين والضحك عليهم والتغامز بهم , قال تعالي "إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ" [7].

وذكر ابن كثير- رحمه الله - معني ذلك فقال "يخبر تعالي عن المجرمين أنهم كانوا في الدار الدنيا يضحكون من المؤمنين أي يستهزئون بهم ويحتقرونهم, وإذا مروا بالمؤمنين يتغامزون عليهم ,أي محتقرين لهم [8],إلى أن تنجلي الحقيقة للمشركين يوم القيامة ، فلا يستحقون جزاء صنعهم إلا الضحك عليهم, والسخرية منهم , قال تعالي"فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ"[9].

وأورد القرآن الكريم عددا من الآيات , التي ترصد ضحك المشركين من دعوة الرسول صلي الله علية وسلم [10] كما كان المؤمنون يضحكون من صنائع أهل الشرك في الدنيا, ونتائج ذلك في الآخرة , وشُغل المؤمنون بذلك , حتى تحولوا إلى الضحك من المشركين, سخرية واستهزاء, قال تعالي "فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ" [11]

ولابد من الحرص على مراعاة آداب الضحك , فلا يكون الضحك عاليا ومليئا بالقهقهة الضارة، كما يجب تجنب الضحكة الصفراء الكئيبة , التي تكشف عن النفوس اللئيمة , وتتنافي مع أخلاق عباد الله المتقين في كل زمان ومكان، كما يراعي تجنب الضحك بغير سبب واضح ؛ لأن تفسيره وإدراك بواعثه يجعل الآخرين في حيرة مما يشهدون.

3- من هدي الرسول للمؤمنين في الضحك والابتسام.

لقد ذكرت كتب السنة بعض المواقف من ضحك الرسول صلي الله علية وسلم وبعض الصحابة والتابعين رجالا ونساء ومن ذلك أنه صلي الله علية وسلم أسَّر إلى السيدة عائشة رضي الله عنها بحديث فضحكت, وكذلك ما كان منه إلى أم سلمة, وذكر البخاري رضي الله عنه حديثا ذكر فيه ضحك على رضي الله عنه، فقد رُوي عن عقبة بن الحارث قال" رأيت أبا بكر رضي الله عنه، وحمل الحسن وهو يقول:"" بأبي شبيهٌ بالنبي، وليس شبيهٌ بعلي..... وعلي يضحك"" [12].

فأسباب الضحك كثيرة، وحصوله من الرسول وأزواجه وأصحابه ذائع مشهور, وهو سلوك إيجابي غير موجه للإساءة المنكرة إلى شخص ما , وإنما الهدف هو التجاوب الحسن مع الفرح والبهجة والسرور, وقد كان شأن الرسول صلي الله علية وسلم مع زوجاته واضحا جليا, واستطاعت السيدة عائشة رضي الله عنها أن ترصد هذه الحياة، وتروي كثيرا من تفصيلاتها أكثر من غيرها في

هذا الِشأن، إذ كانت صغيرة السن، ولها قدرة رائعة ومتميزة في الرواية والحفظ, فضلا عن نشأتها في بيت إيمان وعلم , ومما يروي عنها قولها عن رسول الله صلي الله عليه وسلم" كان ألين الناس وأكرم الناس, وكان رجلا من رجالكم إلا أنه كان بساما" [13].

وفيما يتصل بالتبسم فقد كان كثيرا في حياة الرسول بالمواقف التي تحتاج إلي الضحك وإظهار السرور، وتحدت القراّن الكريم عن حادث لسيدنا سليمان (علية السلام) اقتضي أن يبتسم فيه ضاحكا، وذلك أن النملة خافت علي سائر النمل أن تحطمها الخيول بحوافرها، فأمرتهم بالدخول إلى مساكنهم، وفهم سليمان ذلك منها، فكان منه ما قال القرآن عنه "فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا" [14].

والمزاح من أسباب الضحك والابتسام , وهو أن يقول الإنسان كلاما صادقا، وإن أمكن تناوله على ظاهره بما يخالف الواقع الحقيقي فيكون الضحك والابتسام، إلي أن تظهر الحقيقة، إذ لا ينبغي أن يُبنى على الكذب , كما لا يليق بالمسلم أن يُكثر منه ؛ حتى يحافظ علي هيبته ووقاره، ولا حرج في القليل منه, إذا فُهم الباعث عليه ، ولم يُحدث أثرا سيئا فيمن يُوجَّه إليه، وكان الرسول صلي الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا صدقا , ومن مزاحه ما روي أن عجوزا من الأنصار أتته فقالت: يارسول الله أدع لي بالمغفرة، فقال: أما علمت أن الجنة لا يدخلها العجائز؟ فصرخت، فتبسم رسول الله صلي الله عليه وسلم وقال:"أما قرأت من القراّن قول الله عز وجل"إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً ‎‏فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا" [15].

وذلك شأن رسول الله في بعض المواقف , التي تحتاج إلى تهدئة النفوس، وترطيب القلوب، والإقبال على الله تعالي.

4- أثر الضحك على صحة الإنسان

لقد تحدث العلماء عن آثار الضحك على صحة الإنسان وأفادوا بما يسهم فيه الضحك بدرجات كبيرة في علاج مرض السكر, وأداء الأوعية الدموية لوظائفها الطبيعية، وتخفيف حدة القلق عند الأطفال، وتمكين مرضي آلام العمود الفقري من النوم بصورة أفضل و إسهام الضحك في تقوية عضلات البطن, ومساعدة القلب على أداء دوره بصورة تجعل دعوة الإسلام إلي الابتسام والضحك حسب المواقف محل اعتبار وتقدير وتفعيل لهذا الأداء الوظيفي لأعضاء الجسم الإنساني.

وقد صار العلاج بالضحك برنامجا معروفا خاصة عند أطباء علم النفس, ذلك أن التقدم في التقنية العلاجية يحفز الأطباء إلى محاوله التغلب على بعض الجوانب الوراثية في الإنسان ؛ سعيا إلى الانتصار علي المرض, واقتحام قلوب الآخرين بالابتسامة اللطيفة التي تزيل كثيرا من الهموم والأحزان , ومن المقولات الخالدة في الطب الحديث(ضحكة في اليوم تبقي الطبيب بعيدا) وقد كثُرت أندية الضحك في كثير من بلدان العالم , والتي تجعل من الضحك هواية ودواء شافيا لكثير من الأمراض , إلا أنه ينبغي لبعض المرضي أن يتجنبوا الضحك في بعض الحالات,خاصة في أعقاب بعض الإمراض والجراحات.

وهكذا تتضح دعوة الإسلام إلى فضيلة التبسم في وجوه الآخرين وحسن البشاشة لهم، ويمكن أن يصحبه قليل من الضحك من غير مبالغة فيه، وبحيث يعود أثره النفسي على الضاحك , الذي تنفرج أساريره في وجوه الآخرين، الذين يستقبلون الحدث بمزيد من السرور والبهجة, مما يضفي على العلاقات الإنسانية الحسنة جوا من المحبة والمودة في كل زمان ومكان.

الدكتور/السيد محمد الديب


[1] النجم 43.
[2] هود 71.
[3] عبس 38 ,39.
[4] كما رواة الترمذي.
[5] رواة أبو داود وابن ماجة.
[6] قوله : سنك – أي واحدة الأسنان؛ لأنها تظهر في الفم حين الضحك.
[7] سورة المطففين .30,29
[8] تفسير ابن كثير جزء 4 صفحة 487.
[9] سورة المطففين 34.
[10] مثل الذي جاء في سورتي الزخرف 47 والنجم 43.
[11] المؤمنون 110.
[12] الحديث في صحيح البخاري جزء 7 صفحة 119 (فتح الباري) رقم 3750.
[13] رواه أبو داود في سنته ورواه الحاكم في المستدرك.
[14] النمل 19.
[15] الواقعة 35،36،37.