يشكل الطير أهمية كبيرة فى حياة المسام لاعتبارات كثيرة بما ينبغى مراعاته دوماً وألا ينصرف ذهنه عن هجرة الطير واستقراره وحركته فى الأرض والسماء؛ بحثاً عن غذائه وحفظ نوعه بما يوجب التامل والاعتبار لهذه الكائنات التى تعتمد على أجنحتها وأصواتها التى تسبح بها للواحد القهار آناء الليل وأطراف النهار.
1- تسخير الله للطير فى الأرض والسماء:
لقد قال الله سبحانه وتعالى: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[1].
وتبدأ الآية بدعوة المسلمين إلى الرؤية بأبصارهم وبصائرهم لحركة الطير فى السماء بما سخره الله لها من أجنحة تعتمد عليها فى طيرانها من خلال الهواء المتباعد بين الأرض والسماء ، وأن ذلك خاضع لإرادة الحق سبحانه وتعالى فى تأمين الطير من السقوط ، واستمرار التواصل بين الأسراب المرتحلة بحثاً عن الغذاء أو الدفء والتكاثر والعودة – أحياناً – ببعض الفائض لإطعام المواليد الجديدة فى أوكارهن بأعالى الأشجار وفى الأماكن الأخرى التى لا تتوه فيها الأمهات عن صغارهن المنتظرات لما يصل إلى أحشائها عن طريق مناقير الأمهات فهذه الدلائل الإيمانية لابد أن تضيف إلى ذخائر المؤمن دعامات جديدة يقوى بها إيمانه خاصة إذا انصرف عن مستلزمات عقديته لذلك كان ختام الآية قول الله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. وهى تحمل من الدلائل الكثير بحيث تستثمر فى مزيد من التعرف والتأمل والاعتبار لوحدانية الله سبحانه وتعالى وقدرته وعظمته التى تتجلى بدرجات متفاوتة عن البشر.
ونأتى إلى آية ثانية فى هذا الشأن بقول الواحد القهار فيها: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ[2].
ويكون التأمل فى الآية لحركة الدواب بشكل عام ، وكذلك فى حركة الطائر الذى يطير بجناحيه فى الهواء، فى تشكيلات منظمة تخضع فى جزء من أسبابها إلى بعض الأصوات المعروفة لدى جماعات كل نوع من الطير، وهى تماثل الإنسان فى كثير من الأمور، التى تستدعى التأمل والاعتبار ، والمقصود من ذلك الدلالة على كمال قدرة الله، وشمول علمه سبحانه وتعالى وسعة تدبيره، فملكه واسع وخلقه عظيم لا يُحْصى ولا يعد ، وخاضع للترتيب الإلهى المعجز ، وما فى حياة الطير من نظام وتفاهم وتكاثر وتوزيع ، للمهام وفق المعطيات الإلهية لكل نوع ، فهذ يغرد بنغمات جميلة مشجية.
ونوع ثان يمنحُ البشر أروع الأغذية التى جعل الله فيها الشفاء الكثير من الأمراض ، وثالث يُستثمر ريشه فى أغراض شتى ، أو بيضة الذى يُكَون فى أعماقه فى وقت طويل إلى أن يقدم إلى الإنسان فيستطعمه فى دقيقة واحدة ، أو يذبح فيكون طعاماً شهياً يستفيد به جسم الإنسان إلى غير ذلك من المهام الأخرى.
والطيور بشكل عام تتوافق فى خلقها بالأجنحة ، وتتناسل عن طريق البيض ، ومعظمها يطير وهذه الأحوال وغيرها مدعاة لمزيد من التأمل والاعتبار فى هذه الكائنات التى تتحرك على الأرض وفوق الماء ، وفى عنان السماء.
2- تسبيح الطيور:
يُشبه الطير الإنسان فى أمور كثيرة فهما من مخلوقات الله تعالى والطير تسبح كلها لله تعالى قال: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا[3].
وقد ذكرت سورة النور أن التسبيح لله تعالى من كل مَنْ فى الأرض والسماء ثم كان التخصيص للطير التى يتجلى فيها بديع الصنع الإلهى ، فهى تطير فى السماء ، وتسير على الأرض ، وتسبح فوق الماء كثيراً وتحته قليلا ، ثم فى حركتها فى الهواء وقد أعطاها الله أسباب الحياة فأتاح لها بَسْط الأجنحة وقبضتها ، وتصطف دون أن تهوى على الأرض ، وفى كل الأحوال لا يغيب وعيها عن التسبيح لله تعالى الذى قال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ[4].
ونأتى إلى آية أخرى فيما يتصل بتسبيح الطير يقول الحق فيها: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ[5].
ذلك أن قدرة الله لا حدود لها ، فقد سخر الله سبحانه وتعالى لداود عليه السلام الجبال والطير تسبح بمعرفته لله تعالى ، خاصة أنه على دراية بلغة الطير ، وتلك إحدى معجزاته أمام البشر ، مما يستدعى مزيداً من الاعتبار والتأمل فى صنائع الله من الكائنات الحية ، والجمادات التى لا يعلم فى محتوياتها إلا اللهُ وحده علامُ الغيوب.
3- طيور مُفْردة ومجّمعة:
لقد حفل القرآن الكريم وسنةُ سيد المرسلين بالعديد من النماذج المتميزة ، التى تقدم للبشر مزيداً من العظة والاعتبار وأول ما ينبغى السعى إلى الاتعاظ به لحوم الطير التى هى من أغذية أهل الجنة ، فضلاً عن قيمتها الغذائية للإنسان على سطح الأرض قال تعالى: وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ[6].
وأن الله سبحانه وتعالى قد أتاح لداود وسليمان بعض المعجزات التى أهلتهما من خلال البعث النبوى للبشر أن ينهضا برسالتيهما فى التعامل مع الطير بمَنْطِقِة ، وقد كانت الطيور بعض جيوش سليمان قال تعالى: وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ[7].
وانتقل من مجموع الجيش إلى أحد أفراده ، وهو الهدهد الذى لم يشاهده عندما تفقد الطير إلى أن أقبل الهدهد وكشف عن سر غيابه وقال له عليه السلام بنص القرآن الكريم: فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ[8].
وأخذ يحدث نبى الله سليمان عما شاهده فى مملكة سبأ من عجائب الأديان والحياة.
ويُعطى الحمام دلالات راسخة على المحبة والسلام وبعث الطمأنينة والأمان فقد باضت حمامتان فى أسفل غار ثور ، والرسول وأبو بكر بداخله ، فعن أبى مصعب المكى قال: "سمعت أنس ابن مالك وغيره أن النبى ليلة الغار أمر الله تعالى صخرة فثبتت فى وجه النبى فسترته ، وأمر العنكبوت فنسجت فى وجهه فسترته ، وأمر حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار"(5).
وأن حمام الحمى يُشَكل بقدرة الله منظومة رائعة من الجمال والإجلال ، وكلها بواعث قوية للتأمل فى بديع صنع الله سبحانه وتعالى ، خاصة والمشاهِدُ يلحظها تلتقط فى رونق رائع ، وجمال بديع حبات البذور القريبة من الكعبة ، وهى رموز قوية بل دلائل واضحة فى نشر الأمن والأمان فى بيت الله الحرام.
أما الجماعات من الطيور التى كانت سبباً قوياً فى حماية بيت الله من خلال حملة أبرهة الحبشى عندما سار بجيشه قاصداً هدم الكعبة فكانت الطير الأبابيل قازفة لحجارة صغيرة مطبوخة بنار حامية ، فكانت الحماية الإلهية والتسخير الربانى لهذه الجماعات المتفرقة من الطيور السوداء التى جاءت من قبل البحر أفواجاً أفواجاً ترمى الجيش بما تحمله ، فكانت النكبة كبيرة على جيش أبرهة القادم من اليمن مما أسفر عن حماية إلهية لبيت الله كانت الطيور فيها من أسباب هذا النصر المبين.
وللطيور سلوكيات مجملة واستعمالات متعددة خاصة مع ابنى آدم ، ومع سيدنا إبراهيم فى الطيور الأربعة ، وغير ذلك مما كان يدور فى حيازة المنطقة التى استقبلت دعوة داود وسليمان ، وكلها تدعو إلى التأمل والتفكير فى كل الكائنات.
والله الموفق ،،
الدكتور/السيد محمد الديب
[1] سورة الأنعام 83.
[2] سورة الإسراء 44.
[3] سورة النور 41.
[4] سورة الأنبياء 79.
[5] سورة الواقعة 21.
[6] سورة النمل 17 – معنى يوزعون: يقسمون وينظمون ، والوازع الذى يتقدم الصف فيصلحه ويقدم ويؤخر ، وأوزعنى – ألهمنى.
[7] سورة النمل 22.
[8] أخرجه البذار عن طريق عوف بن عمرو من هامش تفسير البضاوى جزء 2 صـ 429.