آليات التنسيق فى الفتوى الشرعية بين الأزهر ودار الإفتاء

1 دقيقة قراءة
بواسطة Ahmed Eldeeb
آليات التنسيق فى الفتوى الشرعية بين الأزهر ودار الإفتاء
علماء الإسلام فى فناء جامعة الأزهر بالقاهرة — Wikimedia Commons

بحث مقدم إلى مؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية فى أسوان يومى 14، 15 من مايو 2016م.

أولا: توطئة:

صار الإفتاء فى الوقت الراهن مسئولية خطيرة، ومهمة ثقيلة، إذ أصبح القادر على الفتوى والمكلف بها مسئولا عن الإجابة عما يُستفتى عنه، وعن مواجهة الفتاوى المتشددة، والمثيرة للفتنة بين جموع المسلمين، الذى يبحثون عن أصول الحلال والحرام، وعن صحيح ما يجب فعله أو تركه، إلى غير ذلك من متطلبات الاستفتاء، ولذلك رغبنا أن تكون هذه الكلمة إسهاما بعرض ما يجب التنسيق فيه أو زيادة ذلك بين المؤسسات المكلفة بالفتوى، وبيان الآليات والوسائل المختارة لذلك.

والإفتاء: "هو بيان حكم الله تعالى بمقتضى الأدلة الشرعية على جهة العموم والشمول"[1] وعلى من يقوم بالفتوى والفصل فى النزاع آداب يجب الالتزام بها، كما أن للإفتاء ضوابط يلزم الاحتكام إليها إلى غير ذلك من التفصيلات المتعلقة بهذا الموضوع.

والرسول ﷺ ( هو أول من قام بالفتوى، ومن بعده الصحابة الأجلاء، ويعد المفتى قائما فى الأمة مقام الرسول ﷺ (، وينهض بوراثة العلم، وتبليغ الأحكام، وإنشاء حكم بحسب اجتهاده[2].

ويؤكد ذلك قول الرسول ﷺ ( : "إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورِّثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم ..."[3].

ولا شك فى أن أمر الدين خطير وعظيم، ولا يصح الحديث فيه من كل أحد، فقد حرم الله تعالى الكلام فيه بغير علم، وجعل ذلك فى المرتبة العليا من التحريم، قال تعالى: "وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ"[4] وعن عبيدالله بن أبى جعفر عن رسول الله ﷺ (، أنه قال: "أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار"[5].

وعن البراء بن مالك قال: "أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ ( يسألون عن المسألة، وما من رجل منهم إلا ويود أن أخاه كفاه، فيرده هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى يرجع إلى الأول"[6].

وفى هذا الأمر تنبيه واضح إلى ضخامة المسئولية بشأن إصدار الفتوى عن علم واختصاص، فما بالك لو كانت عن قصور وادعاء!.

وقد ورد مصطلح الإفتاء بمواضع متعددة فى القرآن الكريم بصياغات متعددة حسب الأمور المتعلقة بها، ومنها قول الله تعالى: "وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ۖ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا"[7].

ويأتى الاستفهام عن الأمر فى القرآن الكريم بلفظ السؤال، كما يأتى بلفظ الاستفتاء، هذا الذى يدل على شدة العناية بالموضوع المعروض، ودقة النظر فى إبداء الرأى. قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۖ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ[8].

وجمع ابن قيم الجوزية فتاوى الرسول ﷺ (، وسماها ـ ابتداء ـ (فتاوى إمام المفتين) ثم طُبعت فى كتاب بعنوان "فتاوى رسول الله ﷺ (" ونبه إلى أهميتها فقال:

"فلله ما أجل هذه الفتاوى، وما أحلاها وما أنفعها، وما أجمعها لكل خير، فوالله لو أن الناس صرفوا همهم إليها لأغنتهم عن فتاوى فلان وفلان، والله المستعان"[9].

ولابد أن توضع هذه الثوابت المذكورة أمام كل من يسهم بالإفتاء، ويشارك فى عرض قضاياه، لخطورة الموضوع على الفرد والجماعة.

ثانيا: المؤسسات الدينية:

تنهض مؤسسات الدين الإسلامى فى مصر بمهام محددة، تجمع فيها بين حراسة العقيدة وإيضاح النصوص الدينية، وسائر معالم العبادة، ونشر الفكر الهادف، وإقامة كثير من الشعائر، وبيان أُطُر العلائق الاجتماعية الناشئة إلى جانب بعض المهام التعليمية والتنويرية، التى تختلف ملامحها وآليات التعامل معها بين مؤسسة وأخرى.

وقد رصد تقرير الحالة الدينية فى مصر انبثاق المؤسسات المعنية من بين أعماق الماضى والحاضر، ومما جاء فيه: "تعد المؤسسات الدينية الرسمية فاعلا أساسيا فى مجالات عديدة على نحو تتزايد معه أدوارها ووظائفها فى هذه المرحلة الفارقة من تطور عالمنا كله، ولا شك فى ازدياد أهمية هذه المؤسسات فى إطار العلاقات الدولية وأنماط تفاعلاتها العديدة"[10].

وتعول أهمية هذه المؤسسات إلى المهام المنوطة بها، خاصة ما يتعلق بسائر الشؤون الدينية، وما يتبعها أو يتعلق بها، وتنحصر هذه المؤسسات بمصر على النحو التالى:

1 ـ الأزهر:

كان أول عمل تقوم به الدولة الفاطمية فى مصر هو إنشاء الجامع الأزهر، وذلك فى عام 361هـ "972م"[11].

وحرص رجال الحكم الفاطمى على بسط الفقه الشيعى، ثم أعادت الدولة الأيوبية المذهب السنى ، إذ حرصت على اقتلاع أى أثر للشيعة، إلى درجة إغلاق الجامع الأزهر[12] ، ثم أعيد له اعتباره فى عهد المماليك من حيث الصلاة فيه، ورد الأوقاف إليه، وإحياء دوره فى العبادة والتعليم، فتوافد إليه الطلاب المصريون، وغير المصريين، وتمّ تعيين ناظر له[13] يتم اختياره من بين كبار رجال الدولة، بحيث يكون مشرفا على النواحى الإدارية، ولا علاقة له بالنواحى العلمية[14].

ولم تَزُج الدولة العثمانية بنفسها فى شؤون الأزهر، فشرعت فى تعيين شيخ له يختاره المشايخ بأنفسهم، وكان الشيخ محمد الخراشى أول شيوخ الأزهر[15].

واشتمل تاريخ الأزهر أزمنة تقلص فيها دوره، وأزمنة أخرى اعتبرت من الصفحات البيضاء فى مسيرته الطويلة.

وتوالت القوانين واللوائح المنظمة لآليات العمل فيه ، إلى أن كان عام 1961م فصدر القانون (103) وتلاه اللائحة التنفيذية له رقم 25. لعام 1975م، حيث حدد القانون هيئاته وهى:

1 - المجلس الأعلى للأزهر.
2 - مجمع البحوث الإسلامية.
3 - إدارة الثقافة والبعوث الإسلامية.
4 - جامعة الأزهر.
5 - المعاهد الأزهرية.

وجاء فى المادة الثانية من هذا القانون ما يلى: "الأزهر هو الهيئة العلمية الإسلامية الكبرى، التى تقوم على حفظ التراث الإسلامى، ودراسته وتجليته ونشره، وتحمل أمانة الرسالة الإسلامية إلى كل الشعوب، وتعمل على إظهار حقيقة الإسلام وأثره فى تقدم البشر، ورقى الحضارة وكفالة الأمن والطمأنينة، وراحة النفس لكل الناس فى الدنيا والآخرة...".

وجاء الباب الثالث فى القانون سالف الذكر عن مجمع البحوث الإسلامية، وهو الهيئة العليا للبحوث الإسلامية، وتقوم بالدراسة فى كل ما يتصل بهذه البحوث.

وجاء فى المادة الثامنة والعشرين: "يؤلف المجمع من أعضائه لجانا لتحقيق أغراضه، المنصوص عليها فى هذا القانون، وفى اللائحة التنفيذية".

وكان الناس قديما يتوجهون بفتاويهم إلى شيوخ الأزهر، هؤلاء الذين ازدادت مسئولياتهم مع الأيام، فكانوا يحيلون الفتاوى إلى شيوخ المذاهب الأربعة من كبار العلماء، وبقى الأمر على ذلك إلى أن أصدر شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغى فى الحادى عشر من أغسطس عام 1935م قرارا بتشكيل لجنة للفتوى لأول مرة برئاسة فضيلة الشيخ حسن والى، وعضوية جماعة من كبار رجال المذاهب الأربعة، لينظروا فى كل فتوى غير مقيدين فى فتاويهم بمذهب خاص من المذاهب الأربعة، وإنما يستندون فى الأمر بما هو أرجح دليلا وأيسر حكما[16] .

وامتدت نشاطات اللجنة إلى خارج القاهرة ، ففى عام 1991م صدر القرار (405) بإقامة لجان للفتوى بكل محافظة بها منطقة أزهرية، وصارت هذه اللجان تعمل بالتنسيق مع لجنة الفتوى بالقاهرة، وفى مقرها الثابت والمستقر بمدخل الجامع الأزهر الشريف.

2 - وزارة الأوقاف:

ذكر تقرير الحالة الدينية أن الإدارات الرئيسة الثلاث التى لها علاقة بالنشاط الدينى فى وزارة الأوقاف هى:

1 - إدارة شؤون الدعوة، وتهتم بصفة أساسية بالدعاة.
2 - إدارة شؤون المساجد والقرآن، وتنصرف اهتماماتها إلى إنشاء المساجد وتجديد وضم ما يستحق ذلك.
3 - إدارة شؤون البر والأوقاف، وتختص برعاية شروط الواقفين وتنفيذها، خاصة فى المجال الاجتماعى، وغير ذلك.
4 - المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بلجانه المتنوعة ونشاطاته المتعددة، داخل الوطن وخارجه.
5 - هيئة الأوقاف المصرية، والتى تعد الممول الرئيسى للنشاط الدينى بالوزارة.

3 - دار الإفتاء:

كان الأزهر ـ قبل إنشاء دار الإفتاء المصرية ـ هو المرجع الوحيد والمعترف به فى العلوم الدينية بما فيها الإفتاء، والرد على أسئلة المستفتين على كافة المستويات الشعبية والرسمية، ولما أنشئت دار الإفتاء عام 1313هـ (1895م) كانت وظيفة الإفتاء من اختصاص شيخ الأزهر، وسار الأمر على ذلك، فكانت الفتاوى توجه إلى علماء الأزهر أى: "أن دار الإفتاء لم تكن بعيدة عنه، ولا منفصلة عن كيانه من الناحية الإدارية"[17].

وكان أول المفتين هو شيخ الأزهر حسونة النواوى، الذى أسند إليه الإفتاء إلى جانب وظيفته الأساسية، ثم استقلت وظيفة الإفتاء عن المشيخة، منذ أن صدر الأمر العالى فى الثالث من يونيو عام 1899م بتعيين الشيخ محمد عبده مفتيا للديار المصرية "وهو أول من تقلد هذه الوظيفة التى استقلت عن المشيخة"[18] .

ولسنا معنيين ـ فى هذا البحث ـ ببيان آليات اختيار المفتى وتعيينه بعد أن صار ترشيحه واختياره والموافقة عليه من الأزهر الشريف ـ مجمع البحوث الإسلامية ، ومن ثَم هيئة كبار العلماء قبل صدور القرار بتعيينه فى هذه الوظيفة، فزاد بذلك التقارب والتنسيق بين الأزهر ودار الإفتاء خاصة فى القضايا والفتاوى، التى تحتمل الخلاف، وعدم التمسك فى المرجعية الفقهية إلى مذهب شرعى دون آخر؛ احتكاما إلى ثبات التمذهب بمذهب واحد، دون الأخذ عن المذهب الآخر عند وجود تيسير وتخفيف به .

وصارت دار الإفتاء فى الوقت الحالى معنية بما يلى:

1 - استطلاع أهلة الشهور العربية، التى فيها مواسم دينية، وقد آل هذا الاختصاص إلى الدار بعد بدء العمل بقانون إلغاء المحاكم الشرعية فى أول يناير عام 1956م.

2 - استطلاع رأى المفتى فى عقوبة الإعدام التى تحيلها إليه محاكم الجنايات: "التى ترى بالإجماع وبعد إقفال باب المرافعة، وبعد المداولة إنزال عقوبة الإعدام بمقترفها، وذلك قبل النطق بالحكم"[19]، علما بأن رأى المفتى استشارى وغير ملزم للمحكمة .

3 - الإجابة على الأسئلة الفقهية من الأفراد والهيئات، وبيان الحكم الشرعى فيها، إلى غير ذلك من النشاطات المتعددة، التى تستحدثها الدار من وقت لآخر.

ثالثا: الفتوى الشرعية من الأزهر ودار الإفتاء:

تنحصر الإجابة عن أسئلة الأفراد والهيئات فى داخل مصر وخارجها ـ فيما يتصل بالفتوى الشرعية فى مؤسستين كبيرتين هما:

لجنة الفتوى بمجمع البحوث الإسلامية أحد هيئات الأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية.

ويتحقق الرد على الفتاوى بكل الوسائل القديمة والحديثة، وذلك عن طريق المخاطبة الشفهية، والكتابة الورقية، والرد على الهواتف المخصصة لذلك، وعن طريق الخدمة الالكترونية، كما تنهض بهذا العمل الجليل لجان الفتوى بالمحافظات التابعة للجان الوعظ بالمناطق الأزهرية بها، ويجتهد أزهريون كبار مشهود لهم بالعلم والورع فى الرد على أسئلة المستفتين بوسائل الإعلام المعنية بتذليل هذه الخدمة الدينية والمعرفية والاجتماعية المرتبطة بالشريعة الإسلامية، وغير ذلك مما يستلزم السؤال، وصولا للحقيقة والرأى الصائب، علما بأن هذه المسائل على عمومها تتولد منها مشكلات كثيرة ليس بسبب علماء الأزهر المشهود لهم بالثقة، ولكن بسبب بعض القنوات الفضائية، وبعض الصحف والمجلات من جراء الاستعانة فى الرد بمن أسموا أنفسهم شيوخا وعلماء وفقهاء فيتصدون للإفتاء والحديث فى قضايا الشريعة الغراء، ويمتد تطاولهم إلى القرآن الكريم، والحديث النبوى الشريف وتاريخ الصحابة الأجلاء والتابعين الأتقياء، وربما يكون ذلك من أزهريين لا تؤهلهم قدراتهم المحدودة للحديث فيما يعرضون لهم أو يجيبون عنه مما يحتم تدخل مؤسسة الأزهر الشريف، لضبط هذه الخروجات على مقام الإفتاء الشرعى، وإيقاف التطاول على ما هو من صميم أعمال مجمع البحوث الإسلامية، ودار الإفتاء المصرية.

1 - الإفتاء فى لجنة الفتوى بالأزهر الشريف:

تعرضت لجنة الفتوى لهجوم ضار[20] من أحد الكتاب الذين يتدثرون بأغطية حرية الرأى بلا ضوابط، وبجرأة غير محمودة، وكان ذلك فى عقب صدور فتوى للجنة الفتوى حول حجاب المرأة ولم يكتف بذلك، بل رمى اللجنة بعدم مشروعيتها، وعدم قيامها على سند من القانون وتصدى للرد على ذلك ـ فى حينه ـ الدكتور عبدالله النجار فقدم دراسة مستفيضة تبناها الشيخ جاد الحق على جاد الحق شيخ الأزهر السابق ـ رحمه الله ـ وكانت هذه الدراسة كتابا بعنوان "الأساس الشرعى والقانونى للجنة الفتوى بالأزهر الشريف ولجان الفتوى بالمحافظات"[21].

وكنت قد شرعت فى كتابة هذا البحث فلم أجد ما يؤرخ للجنة سوى هذا الكتاب، الذى بات وحيدا فى هذا الموضوع، إذ لم يكتب أحد عن اللجنة قبله ولا بعده حتى الآن ـ فى مدى علمنا ـ وقد استفدت به كثيرا.

وحدد الدكتور النجار ـ فى عبارات صريحة ومباشرة ـ الاتهامات الموجهة إلى اللجنة من قِبل هذا الرجل وغيره، الذين لا تتفق طرائق تفكيرهم مع الأزهر ولا ينسجم توجههم مع مقصده الأسمى، وكتب الدكتور النجار عن صنيعهم فقال: "راحوا ينقبون عن المثالب، ويفتشون عن المآخذ، ولما لم يجدوا ضالتهم فى خطأ علمى يمكن أن يتمسكوا به أو انحراف فى حكم شرعى يمكن أن يشهروا به صبوا عليها وعلى أعضائها جام غضبهم ... ثم قال: "وقد وصل بهم التحامل إلى درجة جعلتهم يصنفون بعض أعمال تلك اللجنة، ضمن ما تصنف به جماعات الإرهاب والتطرف"[22] .

وذكر الدكتور النجار فى الكتاب المذكور أن الأزهر الشريف قد أحسن صنعا حين نشر تعقيبا وإيضاحا فى الرد على تلك الكتابات المثيرة والأراحيف الواهنة.

وقد استنكر الأزهر ما وجه للجنة ـ آنذاك ـ من إساءة وتطاول، وبقيت تؤدى عملها بالضوابط المقررة، من خلال علمائها وفقهائها المشهود لهم بالتقوى والورع، وفى المكان ذاته، الذى تؤدى عملها فيه وهو الجامع الأزهر الشريف طوال أكثر من ثمانين عاما، وفق ضوابط الفتوى الشرعية بحيث تأكد للعامة والخاصة مدى مصداقيتها، وحرصها على التيسير فى الإفتاء، والأخذ بالأخف من الآراء.

وقد أكد الرئيس الحالى للجنة الدكتور/ عبدالهادى محمد زارع[23] مدى حرص اللجنة على أن تكون الفتاوى الصادرة منها محكومة بالتيسير، وأوسط الآراء بلا إفراط ولا تفريط، خاصة فى المسائل المختلف فيها، وذكر أن أبرز القضايا المعروضة عليها هى: قضايا الزواج والطلاق والخلع، والميراث خاصة ما يتعلق بالوصية الواجبة، والمشكلات الاجتماعية التى يمكن أن تؤدى إلى تفكك الأسرة، وصولا إلى تحقيق التصالح المنشودة، ويكون الإفتاء بالرأى الأنسب للحالة، حتى لو كان من غير المذاهب الأربعة، وتُسلم الأوراق المعتمدة إلى طالبيها، خاصة فى شؤون الميراث والوصايا .

وتُستفتى اللجنة فى بعض القضايا المعروضة فى المحاكم المختصة عند وجود نص فى قانون الأحوال الشخصية يستدعى العرض على اللجنة، حيث يتم الاحتكام إلى أرجح الأقوال، خاصة فى المذهب الحنفى.

وتتحول اللجنة ـ فى بعض الأحوال ـ من الفتوى الشرعية إلى التحكيم فى الخصومة على القتل الخطأ؛ لتقدير الدية، وفقا للشرع، وإذا دُعيت اللجنة ـ عن طريق الأمن ـ للتحكيم بين أسرتين ، فإنها تستجيب لذلك، حيث تُشكل لجنة ثلاثية من بين أعضائها، للاشتراك فى مجلس التحكيم، ورأى اللجنة هو المقدم فى هذا الشأن باعتباره نابعا من الفقه الإسلامى، كما يمتد التحكيم لإنهاء النزاع فى أحوال فسخ الخطبة، وما يترتب على ذلك، وكذلك فى مسائل الصداق وغير ذلك، سعيا لإنهاء النزاع بين سائر الأطراف.

وذكر الدكتور/ سعيد عامر رئيس اللجنة السابق[24] أن اللجنة تقوم بالرد على الأسئلة الواردة إليها من داخل مصر ومن سائر دول العالم، وأن اللجنة تعتمد فى أدلتها على الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وأن اللجنة لا تخضع لأى تأثير يمكن أن يؤثر فى أدائها لأعمالها، وقد تم دعمها بأساتذة فى الفقه من جامعة الأزهر، إضافة إلى أساتذة الوعظ والإفتاء من الأزهر الشريف.

2 - الإفتاء من دار الإفتاء:

تنهض دار الإفتاء المصرية بنشاطات متعددة منذ بدء تأسيسها، ومرورا بأنظمة حكم متغيرة، وكانت الدار ـ ولا زالت ـ طوال مسيرتها ملتزمة بالضوابط المقررة للإفتاء، وبالإجابة على سائر الأسئلة فى القضايا الفقهية، وسائر الهموم الاجتماعية المتصلة بها.

وهى هيئة مستقلة لها ميزانية خاصة بما يعينها على إتمام رسالتها وفق الأحوال الزمان والمكان، واستجابة لسائر متغيرات الأحداث، حتى وصلت إلى درجة متميزة ومبهرة فى الأداء وخدمة الأفراد والهيئات المختلفة.

أولا: المهام الدينية، وذلك على النحو التالى:

أ - الإجابة على الأسئلة والفتاوى باللغات المختلفة[25] وبالطرق المتعددة مثل الإجابة الشفهية بحضور السائل إلى مقر الدار، أو أن تكون الإجابة مكتوبة بعد تقديم السؤال مباشرة، أو إرساله بريديا، أو عن طريق الفاكس، أو من خلال البريد الالكترونى، أو عن طريق الهاتف بأرقام معلن عنها.

ب - إصدار البيانات الشرعية المختلفة فى أعقاب الأحداث، التى تجرى فى مصر وفى سائر بلدان العالم الإسلامى، ويشرف على إعداد هذه البيانات لجنة التقويم العلمى بالدار.

جـ - استطلاع أوائل الشهور القمرية، وذلك عن طريق لجان علمية تضم شرعيين ومختصين فى علوم الفلك، وهذه اللجان مبثوثة فى كافة أنحاء مصر بأماكن محددة من هيئة المساحة المصرية، ومن معهد الأرصاد بخبرائه وعلمائه، ويتم الإعلان عن ذلك فى حينه.

وللدار نشاطات علمية ودينية أخرى مثل إعداد الأبحاث العلمية المتخصصة، وتدريب الطلاب المبعوثين للإفتاء، وإعداد المفتين عن بعد، من خلال الموقع الألكترونى للدار.

ثانيا: المهام القانونية:

تقدم دار الإفتاء المشورة الشرعية للمحاكم الجنائية فى قضايا الإعدام، علما بأن رأى المفتى فى هذا الموضوع غير ملزم للمحكمة ، كما سبق بيان ذلك.

ثالثا: إصدارات الدار:

تهتم الدار بنشر الأبحاث العلمية، وبحوث الترقية لأعضاء هيئة التدريس فى مجال الفقه وأصوله، وغير ذلك من مواد الشريعة والقانون، كما تنشر موسوعات الفتاوى لكثير من العلماء.

ومن أبرز نشاطات الدار ما قام بنشره المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية فى ثلاثة وعشرين مجلدا بعنوان "الفتاوى الإسلامية من دار الإفتاء المصرية"[26].

وجاء طبع هذه الفتاوى ونشرها تفعيلا للتنسيق الحاصل بين وزارة الأوقاف ودار الإفتاء من مدة طويلة.

رابعا: السعى إلى المزيد من التنسيق بين الأزهر ودار الإفتاء:

تتفق لجنة الفتوى بمجمع البحوث الإسلامية مع دار الإفتاء فى الرد على الفتاوى الفقهية الواردة من الأفراد والهيئات، وذلك بمرجعية فقهية متفقة أو متقاربة بقدر المسافة التى تكون فى بعض الآراء بين مذهب فقهى وآخر، وانطلاقا من الحرص على الأخذ بأوسط الآراء، ومراعاة التخفيف، وعدم التشدد، والاستناد إلى قوانين الأحوال الشخصية المعمول بها بمراعاة الزمان والمكان .

وتختص اللجنة بأن لها فروعا فى المحافظات، التى بها مناطق أزهرية واتسعت الدار فى هذا الصدد فافتتحت فرعين لها بالإسكندرية وأسيوط، ويؤخذ فى الاعتبار أن اللجنة: إدارة تابعة لهيئة، وهى مجمع البحوث الإسلامية، وهو إحدى هيئات الأزهر الشريف، بينما الدار قائمة بذاتها ومكلفة بقضايا ومهام عديدة، وتتواصل فيها مع إدارات ووزارات ومصالح حكومية متعددة.

وتختص اللجنة بإشهاد وإشهار اعتناق الإسلام من المصريين، بينما تنهض مشيخة الأزهر بذلك مع غير المصريين، فالتنسيق حادث بالفعل فى هذه المسائل الدقيقة.

وليس للجنة أى رصيد إفتائى مطبوع منذ تأسيسها فى عام 1935م، ولم أجد ما أرجع إليه فى رصد مسيرتها الطويلة، والتعرف بها وبرؤسائها وأعضائها إلا الكتاب الذى سبق ذكره للدكتور عبدالله النجار، وإن كانت اللجنة من خلال مجمع البحوث قد اقتحمت عالم الانترنت، وأصبحت الفتاوى الصادرة منها مسجلة الكترونيا، ويمكن الرجوع إليها والاستفادة بها.

ويتعرض مجمع البحوث على العموم ولجنة الفتوى على الخصوص للهجوم من بعض الذين يعتنقون مذاهب واتجاهات لا تتلاقى مع الأزهر فى الفكر والرؤيا، حتى يصل الحال بهم إلى الجرأة فى غير الحق على الأزهر ومؤسساته، خاصة فى الفتاوى، التى لا تروق لهم كفتوى دار الإفتاء ولجنة الفتوى عن حجاب المرأة فى عام 1994م، وكان الهجوم على اللجنة أشد عنفا وقسوة وإيلاما.

وتجلى الاختلاف خلال التسعينيات من القرن الماضى عن حكم التعامل بالفوائد فى إيداع الأموال بالبنوك، وشهادات الاستثمار، وصناديق التوفير، حيث أفتى الدكتور محمد السيد طنطاوى بأن هذه المعاملات جائزة شرعا، وأن أرباحها حلال وأطلق على هذه الأرباح مصطلح العائد الاستثمارى، وكان ـ آنذاك ـ هو المفتى وأفتى الشيخ جاد الحق على جاد الحق ـ وكان شيخا للأزهر ـ بأن الفائدة المترتبة على أنواع القروض ربا محرم، وأن الأرباح المحددة سلفا عين الربا.

ودخل حلبة الخلاف علماء آخرون من خارج المؤسستين المذكورتين، وامتد ذلك إلى عدة قضايا أخرى، مثل ختان الإناث والإجهاض للمرأة الحامل فى بعض الأحوال، وزيارة القدس وغير هذه المسائل.

وذكر تقرير الحالة الدينية فى مصر أن الخلاف بين الشيخين قد وصل إلى قول الدكتور محمد السيد طنطاوى أنه المفتى الرسمى للدولة، وأنه صاحب الاختصاص الأصيل فى الفتوى وصاحب الرأى فى الحلال والحرام، بينما أكد الشيخ جاد الحق أن الأزهر هو المرجعية الدينية، وأن مهمة مجمع البحوث الإسلامية هى النظر فى كل المشكلات والقضايا الإسلامية المثارة، وإبداء الرأى الشرعى فيها[27].

وقد مضى ذلك وانتهى، ولم يعد له أثر يذكر داخل المؤسسات الدينية، وكانت الأمور قد هدأت بين الشيخين الفاضلين ـ عليهما رحمة الله تعالى ـ واتفقا على الإفتاء بالحل أو بالحرمة، وبالجواز أو بالمنع فى العديد من القضايا بما أكد أن الاختلاف فى الإفتاء عن بعض الأمور كان لأهداف دينية خالصة لوجه الله تعالى.

ويثار ـ أحيانا ـ فى بعض وسائل الإعلام تعليقات على فتاوى متعددة يشوبها التحريف وعدم الدقة والأمانة فى النقل، والاستشهاد بما يوحى بشدة الاختلاف تحت عنوانات مثيرة مثل (الأزهر ضد الأزهر) وذلك مثل الإفتاء على فوائد البنوك، وقروض التمويل العقارى، والصلاة فى المساجد المتضمنة أضرحة، والتأمين الاجتماعى الذى تقوم به الدولة، والتأمين التعاونى الذى يقوم به الأفراد والشركات الخاصة، وقد عرضت ذلك جريدة اليوم السابع وتم نشره بموقعها الالكترونى، وتم الرد على ذلك بهدوء من أمين عام مجمع البحوث الإسلامية[28].

وقد أوحت هذه الكتابات الشاردة عند المتلقى للفتوى اعتقادا بوجود اختلافات جوهرية، ربما تحدث اضطرابا عند الراغبين فى المعرفة للحلال والحرام، والصحيح والزائف.

وغاية الأمر أن بعض القضايا ـ خاصة المستحدثة ـ قد يحدث الاختلاف فيها بين بعض الأعضاء فى المؤسسة الواحدة أى بين المفتين فى لجنة الفتوى أو بين العلماء فى دار الإفتاء، كما يمكن أن يبدو هذا الاختلاف بين علماء هاتين المؤسستين (الأزهر ودار الإفتاء) وعلماء آخرين من خارج المؤسستين المذكورتين، أو من علماء مشهود لهم بالفقه والقدرة على الاجتهاد، ولا حرج فى ذلك ما دامت الفتوى خاضعة للضوابط، كما أن أكثر هذه الاختلافات تتحقق غالبا فيما لم يرد فيه نص قطعى الثبوت والدلالة بما يلزم أن يدلى العالم أو الفقيه بدلوه مجتهدا، ولهذا يمكن أن يختلف قوله مع اجتهاد لآخر وذلك عند الإفتاء فى قضايا قديمة أو مستحدثة مثل تأجير الأرحام وبيع الأعضاء التناسلية وولاية المرأة، والموقف من التعامل مع بعض الكيانات المعادية أو غير المتوافقة مع الإسلام، وبنوك الأجنة وغير ذلك كثير.

وأؤكد أن هذا الاختلاف لا ضرر فيه ولا خوف منه، إذ يدل على حرية الفكر وإبداء الرأى، وعمق السماحة فى الإسلام، وكان ذلك يحدث كثيرا فى عهد الصحابة والتابعين، ولتكن المعرفة بحدود الاختلاف بين المذاهب الفقهية الأربعة دليلا أو طريقا لذلك، ومع هذا يلزم العمل على تحقيق المزيد من التنسيق بين المؤسسات الدينية، وبخاصة ما جاء الحديث عنه فى هذا البحث.

خامسا: آليات التنسيق بين المؤسستين:

ذكر الدكتور/ أحمد عمر هاشم[29] أن التنسيق بين دار الإفتاء ولجنة الفتوى بالأزهر الشريف قائم وحادث بالفعل لأمرين:

أولا: أن دار الإفتاء من عناصر الأزهر الشريف، وقد نصّ القانون على وجوب موافقة مؤسسة الأزهر (مجمع البحوث الإسلامية قبل إنشاء هيئة كبار العلماء) على شخص المفتى قبل صدور القرار الرسمى بتعيينه، وصار الاتفاق على أن يكون المفتى من تخصص الفقه، أى من خريجى كلية الشريعة والقانون وهذا ما جرى تفعيله مع المفتى الدكتور/ شوقى علام.

ثانيا: أن المفتى الحالى عضو فى مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف وكان اختياره فى المجمع مراعاة للتنسيق الحادث فى الواقع المشاهد، كما أنه عضو بلجنة البحوث الفقهية بالمجمع.

ولا مانع من العمل على زيادة التنسيق بالوسائل والآليات الممكنة فإذا عنّ لدار الإفتاء رأى أو اقتراح فيمكن للمفتى أن يعرضه على المجمع، وتؤخذ فيه الآراء، وهذا أمر محمود، كما يمكن أن يمتد التنسيق إلى إدارة شؤون الدعوة بوزارة الأوقاف.

وذكر الدكتور محيى الدين عفيفى[30] فى حديث معه أن التنسيق المطلوب قائم وحادث بالفعل بين دار الإفتاء والأزهر الشريف، فالمفتى عضو بمجمع البحوث، ويشارك فى نشاطاته من خلال لجنة البحوث الفقهية، وأكد بذلك ما ذكره الدكتور أحمد عمر هاشم، وأبدى رغبة وارتياحا لإحداث مزيد من التنسيق بين هاتين المؤسستين.

وتحدثت مع الدكتور/ عبدالله النجار[31] عن التنسيق وآلياته بين الأزهر (لجنة الفتوى) ودار الإفتاء، وقد رأى أهمية ذلك.

وذكر أن هذا الطرح الذى نعرض له يلقى صعوبة ومشقة تحتاج إلى مزيد من الجهد لتذليلها؛ وصولا إلى ما يجب فعله، إذ ترى دار الإفتاء أنها صاحبة الحق فى الفتوى باعتبار أن ما يحال إلى لجنة الفتوى يكون فى المسائل السهلة البسيطة التى يكثر تداولها على الألسنة، وأن دار الإفتاء تضم عددا من الأساتذة المؤهلين للفتيا، وتقدم بحوثا ممتازة فى الفتاوى والأحكام، وتنشرها بكل الوسائل المتاحة، وبصدد التنسيق وآلياته تحدث عن "لجنة الشريعة" المنبثقة من هيئة كبار العلماء، وهى برئاسة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، وتضم فى عضويتها مفتى الجمهورية، وسائر المفتين السابقين، كما تضم الدكتور عبدالله النجار (نفسه) وآخرين.

وهذه اللجنة معنية ببحث المستجدات والموضوعات القومية التى تحتاج إلى رأى الشريعة فالتنسيق المذكور ليس من صميم أعمالها.

  • وتكون آليات التنسيق التى أعنيها من خلال الاجتماعات الدورية؛ للتقريب بين الآراء، وعدم التوسع فى الاجتهاد من سائر العلماء، بحيث يكون منحصرا فى المتخصصين ممن لهم علم غزير، ولديهم خبرة واسعة.
  • لابد من التمهل فى إصدار بعض الفتاوى، خاصة ما يشكل منها خطورة اجتماعية، أو تتعلق بمصالح قومية، بحيث تكون مرجعيتها للمصادر المشهود لها وللمؤسسات الرئيسة فى الإفتاء، إذ أن الآراء والأحكام والفتاوى الشاردة التى تعلن وتذاع فى وسائل الإعلام يمكن أن تحدث فتنا كبيرة واضطرابا لا حدود له.
  • ويمكن أن يكون التنسيق بالإذاعة والنشر من خلال القمر الصناعى (المشترك) الذى تتهيأ من خلاله المواقع الالكترونية للتقريب بين المذاهب والآراء وبين المؤسسات الدينية أيضا.
  • تبادل البحوث العلمية والفتاوى المجمعة، والخبرات المكتسبة بين اللجنة والدار بما يحقق الفوائد لجميع المستفتين داخل الوطن وخارجه.
  • استحداث خطط وبرامج موحدة، ومشاريع إفتائية، خاصة فى قضايا العقيدة والتشريع وبعض العبادات، التى يقع الاختلاف فيها أحيانا.
  • أهمية عقد مؤتمرات (اليوم الواحد) وإقامة ما يمكن تسميته (ورش العمل) بحيث يكون الرد على المستفتين فى حضور عدد من علماء الإفتاء بالمؤسستين بالمعايير والضوابط الحاكمة لآليات الرد على الفتاوى.
  • ضرورة ضخ كثير من الدماء فى شرايين لجان الفتوى بالمحافظات، إذ يبدو أنها تمارس قليلا من العمل، ولا يسمع بها أحد، فيتجه الناس من الأقاليم إلى الدار والمشيخة بالقاهرة.
  • يتحتم الرصد والمتابعة والتقويم المستمر، والتنسيق المحكم بين الأزهر (اللجنة) ودار الإفتاء، لما تقدمه كثير من القنوات الفضائية من أحاديث وفتاوى، والتى تستضيف ممن لهم قدرة على الإثارة والصخب فيهرفون بما لا يعرفون ويبحثون عن الآراء الضعيفة والمتطرفة فينشرونها على الناس، أو يكتبونها فى صحف ومجلات ومواقع الكترونية، ولا يعنيهم ما تحدثه من اضطراب وفتن وإساءة وتشويه للدين الحنيف.
  • يمكن إقرار لجنة مشتركة من دار الإفتاء ومجمع البحوث تكون بمثابة تفعيل لما يمكن تسميته (الإفتاء الجماعى) وتكون ممثلة لسائر المذاهب الفقهية، وتضم من العلماء ممن لهم خبرة فقهية طويلة، خاصة فى القضايا محل الاجتهاد وسائر الموضوعات، التى يمكن أن يقع الاختلاف فيها؛ درءا للمفاسد وحسما للنزاعات، وتقريبا لوجهات النظر المتباعدة.
  • لابد من الرجوع إلى فتاوى رسول الله ﷺ (، خاصة عند الاستشهاد بالأحاديث النبوية، فهى تقدم معالجات مفيدة لقضايا فريدة، ونذكر فى هذا الشأن ما نقل عن الإمام الشافعى رضي الله عنه ( قال: "إذا وجدتم فى كتابى خلاف سنة رسول الله ﷺ ( فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ( ودعوا ما قلته..".
  • ومن المهم جدا نشر الثقافة الفقهية والنقاش الهادئ والحوار الموضوعى الجاد بين سائر علماء الفقه والتشريع فى مؤسسات الأزهر الشريف ودار الإفتاء وإدارة الدعوة بوزارة الأوقاف المصرية.

سادسا: الخاتمة:

1 - تعود بدايات الإفتاء إلى الرسول ﷺ ( فأحاديثه وأحكامه التى لا ينطق فيها عن الهوى أساس فى الإجابة عن الأسئلة، كما تتميز أقواله بالمنهجية وجمال التعبير فى الرد المفيد والسديد.

2 - نشأت دار الإفتاء فى حضن الأزهر، وكان الشيخ حسونة النواوى شيخنا للأزهر، وأسندت إليه وظيفة الإفتاء بعد إنشاء الدار، ثم كان الشيخ محمد عبده أول من استقل بوظيفة الإفتاء.

3 - كان الاشتراط بموافقة الأزهر على تعيين المفتى خطوة موفقة واتجاها محمودا فى سبيل التقريب والتنسيق بين الأزهر ودار والإفتاء، وتم تفعيل ذلك على أرض الواقع باشتراك المفتى فى عدد من اللجان العلمية بمشيخة الأزهر ومجمع البحوث.

4 - يحتاج التنسيق المتحدث عنه بآلياته إلى تفعيل الدور الغائب أو المختفى للجان الفتوى بالمحافظات التى نراها على الورق وليس لها صوت مسموع فى أرض الواقع.

5 - لابد من زيادة التنسيق بين الأزهر ودار الإفتاء فى استثمار الخدمات الالكترونية بواسطة علماء من المؤسستين دون الاستغراق فى الخلافات، وضرورة الميل إلى التيسير، والاحتكام إلى المنهج الوسطى فى القضايا والآراء.

6 - تاريخ لجنة الفتوى أكثر من ثمانين عاما، وتعاقب على رئاستها علماء أفذاذ، وليس لهذه اللجنة سجل يحفظ تاريخها ونتاجها بحيث يمكن الرجوع إليه للاستفادة به، ولولا كتاب الدكتور عبدالله النجار الذى سبق ذكره ما وصلت إلى شئ ذى بال عن هذه اللجنة التى دبّ النشاط الافتائى فيها بقوة واقتدار فى الشهور بل فى السنوات الأخيرة. 7 - نؤكد فى هذه الخاتمة ما سبق إيراده فى البند (خامسا) عن آليات التنسيق بين المؤسستين دار الإفتاء ولجنة الفتوى التى كنت أقصدها وأنا أعبر عنها بمجمع البحوث وبالأزهر الشريف، فهى جزء من بعض وجزء من كل، والله الموفق والهادى إلى سواء السبيل.

أهم المصادر والمراجع

1- أحسن الكلام فى الفتاوى والأحكام للشيخ عطية صقر ـ رئيس لجنة الفتوى (الأسبق) بالأزهر الشريف طبع دار الغد العربى.
2- أدب الفتوى لابن الصلاح ـ طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1998م.
3- الأساس الشرعى والقانونى للجنة الفتوى بالأزهر الشريف ولجان الفتوى بالمحافظات للدكتور عبدالله مبروك النجار ـ طبع مجمع البحوث الإسلامية عام 1995م.
4- بحوث وفتاوى إسلامية فى قضايا معاصرة للشيخ جاد الحق على جاد الحق طبع دار التعاون جـ1 عام 1992م، جـ3 عام 1994م.
5- تقرير الحالة الدينية فى مصر ـ طبع مؤسسة الأهرام ـ الطبعة الرابعة عام 1996م.
6- شخصيات وقضايا فى العلم والتعلم والتربية للدكتور/ السيد محمد الديب ـ طبع عام 2014م.
7- الفتاوى الإسلامية من دار الإفتاء المصرية ـ طبع المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية (ثلاثة وعشرون مجلدا) بدء الطبع عام 1400هـ ـ 1980م.
8- فتاوى رسول الله ﷺ ( لابن قيم الجوزية ـ نشر مكتبة الاعتصام ـ طبع عام 1980م.
9- قانون رقم 103 لسنة 1961م ـ طبع المطابع الأميرية عام 1993م.
10- مجمع البحوث الإسلامية ـ تاريخه وتطوره ـ طبع اللجنة العليا للاحتفال بالعيد الألفى للأزهر عام 1403هـ ـ 1983م.

ويضاف إلى ذلك بعض الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية الخاصة بالأزهر ودار الإفتاء، والحمد لله رب العالمين.


[1] قول الشيخ جاد الحق على جاد الحق شيخ الأزهر الأسبق ـ الفتاوى الإسلامية جـ1 صـ9 طبع المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية عام 1980م.
[2] انظر تقرير الحالة الدينية فى مصر صـ73 طبع مؤسسة الأهرام 1996م.
[3] الترغيب والترهيب للمنذرى.
[4] النحل 116 .
[5] مسند الدارمى.
[6] جامع بيان العلم لابن عبدالبر.
[7] النساء 127 .
[8] الأنبياء/ 7 .
[9] فتاوى رسول الله ﷺ ( لابن قيم الجوزية، والمقدمة لمصطفى عاشور ـ طبع 1980م.
[10] تقرير الحالة الدينية فى مصر صـ25 .
[11] أقيمت أول صلاة فى الجامع الأزهر يوم السابع عشر من رمضان عام 361هـ.
[12] التقرير صـ27 .
[13] فى عام 1383م (784م).
[14] التقرير صـ27 .
[15] وذلك من عام 1656 ـ 1690م.
[16] مجمع البحوث الإسلامية ـ تاريخه وتطوره ـ إعداد اللجنة العليا للاحتفال بالعيد الألفى للأزهر عام 1403هـ ـ 1983م صـ149 .
[17] تقرير الحالة الدينية صـ73 .
[18] الأساس الشرعى والقانونى للجنة الفتوى ـ د. عبدالله النجار صـ15. .
[19] السابق صـ155 .
[20] فى عام 1994م.
[21] الدكتور/ عبدالله مبروك النجار ـ أستاذ القانون المدنى بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة ـ والكتاب المذكور مطبوع فى مجمع البحوث الإسلامية عام 1995م.
[22] الأساس الشرعى والقانونى صـ20، 21، واطلعت على المقال المذكور للمستشار محمد سعيد العشماوى، الذى نشر لأول مرة بمجلة روز اليوسف فى 13/ 6/ 1994م وجرت مساجلات بعد ذلك عن "الحجاب فى الإسلام" ولا داعى لإثارتها من جديد.
[23] أستاذ الفقه والوكيل السابق لكلية الشريعة والقانون بدمنهور، وجرى الحديث بيننا يوم الأحد الثالث من أبريل 2016م بمقر اللجنة، حوالى الساعة الواحدة ظهرا.
[24] فى حوار صحفى معه بمنشور الكترونيا على شبكة (الأنترنت).
[25] موقع الدار على شبكة الانترنت (الدخول بتاريخ 13/ أبريل 2016م).
[26] بدأ الطبع فى عام 1400هـ (1980م).
[27] انظر تقرير الحالة الدينية فى مصر صـ7. .
[28] الدكتور محيى الدين عفيفى، وتم ذلك فى يوم الثالث والعشرين من مارس 2016م.
[29] عضو هيئة كبار العلماء، وجرى الحديث مع فضيلته عبر الهاتف يوم الأربعاء العشرين من أبريل 2016م.
[30] جرى الحديث مع فضيلته أولا يوم الأحد، الثالث من أبريل 2016م ثم استكمل فى مكالمة هاتفية يوم الأربعاء العشرين من أبريل 2016م.
[31] فى أحاديث متعددة معه خلال شهر أبريل 2016م.