أدب الاحتفال بالعيد

1 دقيقة قراءة
بواسطة Ahmed Eldeeb
أدب الاحتفال بالعيد
احتفال العيد وصلاة الجماعة — Wikimedia Commons

تَتَداول الأيام والسنون بين الناس، فتأتي المناسبات والأعياد لتكون نمطاً جديداً وحديثاً متميزاً في مسيرة الحياة، حيث ينتشر الفرح والسرور بما يزيح الغموم والهموم التي توقف إنماء التواصل والعلائق الاجتماعية بين البشر.

ويسعد الإنسان ويهنأ لدواعٍ كثيرة، تهِلُّ عليه أو تلحق به، فينشرح صدره ويطيب فؤاده، ويتغير حاله بسبب خير ينالُه، أو شر ينصرف عنه بمستويات تقل وتكثر، فتنعكس على شعوره وإحساسه بما يتجلى في ذاته وفي مستوى علائقه بالآخرين.

وأعظم ما يكون الفرح عندما يسعد المسلم بفضل الله ورحمته وغفرانه ومحبته ويستشعر ذلك من أعماقه، وهذا ما جاء بيانه في قول الله تعالى: [قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ][1]، ذلك أن الفرح الأعظم في مسيرة المؤمن يكون بمستوى إيمانه بالله تعالى، وإقباله على تحقيق السعادة والبشر لنفسه ولسائر المسلمين.

وكانت الهجرة إلى المدينة المنورة إيذاناً بتحقيق الأمن والحرية، والتفعيل الإيجابي لعلاقات المحبة بين سائر الأطياف في يثرب الطيبة، وقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال لعموم المسلمين قد أبدلكم الله تعالى بهما خيراً منهما يوم الفطر والأضحى"[2].

وتتسع كتب الفقه في بيان صلاة العيدين، وسماع الخطبة، والنهي عن الصوم فيهما، واستحباب التكبير في الصلاة، وفي الوقت المحدد وفق الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويتجلى الفرح في هيئة المسلم وفي أقواله وفي أفعاله مع أهله وسائر أقاربه بالصورة المنضبطة، التي لا تؤذي مشاعر الآخرين، ولا تزيد عن الحد وصولاً إلى البطر والغرور، وزيادة الإعجاب بالنفس، وذلك ما لا يَرضي الله تبارك وتعالى عنه، كما قال جلت قدرته: [إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ][3] وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يأنس بالضحك، ولا يأبي اللهو البريء، وقد يقبل المزاح الخاضع للأدب والاحتشام، فقد قال عليه الصلاة والسلام: "إني لأمزح ولا أقول إلا حقاً"[4].

ولا يصح أن تكون الأعياد مناسبات لتجدد الأحزان، وبعث الهموم والأشجان، وإعادة آلام البكاء والعويل على الراحلين، وقد نفَّر القرآن الكريم من الوقوع في حبائل الآسي والهوان فقال تعالى: [وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ][5] ويجب الإقبال على الله تعالى بحمده وشكره على إذهاب الحُزْن، وتفريج الكَرْب، وإزاحة الآلام، قال تعالى: [وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ][6].

وينبغي أن يكون الاحتفال بالعيد وفق ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدءاً من ليلة العيد، حيث يكون الاحتفال فيها مشمولاً بشكر الله واحتساب ما قبلها من صيام أو نسك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحيا ليلة الفطر، وليلة الأضحى لم يمت قلبه يوم تموت القلوب"[7]، ويكون موت القلوب يوم اشتداد الهول والخوف من الحساب والعقاب.

وتكون التهنئة في يوم العيد بالكلمة الطيبة والأمنية الحسنة، والتصالح مع الخصوم، والإحسان إلى الأقارب، وكبار السن والمرضى، وسائر الضعفاء من الفقراء والمساكين، الذين يحتاجون إلى من يأخذ بأيديهم، ويحنو عليهم، ويترفق بهم، كما نبه الرسول عليه الصلاة والسلام إلى ما ينبغي أن يكون عليه الحال في هاتين الليلتين فقال صلى الله عليه وسلم: "أكثروا فيهن من التهليل والتكبير"[8].

ومن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان: "إذا خرج إلى العيد يرجع في غير الطريق الذي خرج فيه"[9] وقال ابن القيم بياناً لذلك: "ليسلم على أهل الطريقين، وقيل لينال بركته الفريقان، وقيل ليقضي حاجة من له حاجة منهما، وقيل ليظهر شعائر الإسلام في سائر الفجاج والطرق، وقيل ليغيظ المنافقين برؤيتهم عزة الإسلام وأهله وقيام شعائره، وقيل لتكثر شهادة البقاع، فإن الذاهب إلى المسجد والمصلَّى إحدى خطوتيه ترفع درجة، والأخرى تحط خطيئة، حتى يرجع إلى منزله، وقيل وهو الأصح أنه لذلك كله ولغيره من الحِكم التي لا يخلو فعله عنها"[10].

وينبغي التحذير من مخاطر البدع والمستحدثات التي تتعارض مع الإسلام، إذ يجب الالتزام في كل الأعياد والمناسبات بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال.


[1] يونس 58.
[2] النسائي وابن حبان بسند صحيح.
[3] القصص 76.
[4] أدب الدنيا والدين ص382.
[5] آل عمران 139.
[6] فاطر 34.
[7] الطبراني في الأوسط والكبير.
[8] الدور المنثور للسيوطي، ج6، ص346.
[9] أحمد ومسلم والترمذي.
[10] زاد المعاد ج1، ص123.