أم سُليم: صورة مضيئة في العقيدة والجهاد

1 دقيقة قراءة
بواسطة Ahmed Eldeeb
أم سُليم: صورة مضيئة في العقيدة والجهاد
المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة — Wikimedia Commons

تبرز صورة أم سُليم وضاءةً مبهرة في سماء الدعوة الإسلامية بالمدينة المنورة، إذ لم تتخلف عن قومها في مبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فتطهرت من أوضار[1] الجاهلية، وتشكلت حياتها بأنماط جديدة وفق تعاليم الإسلام، وجمعت بين القوة في العقيدة والشجاعة في الغزوات، والكرم في الضيافة، والصبر على البلاء، والرضا بالقضاء، والإعمار لقلبها بأنوار الإيمان.

1- الاسم والنسب

عُرفت أم سليم بهذه الكنية، مع ورود عدد من الأسماء لها وهي: الرميصاء والغميصاء، أو هما لقبان لها، أو أن اسمها "سُهيلة أو رُميلة أو رميثة أو أنيفة".

وهي: أم سُليم بنت مِلْحان بن خالد بن يزيد بن حرام من بني عدي بن النجار[2] من الخزرج إحدى القبيلتين اللتين كانتا تسكنان يثرب قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليها، ولم يرد شيئ ثابت عن أبيها "مِلْحان"، أما أمها في مُليكة[3] بنت مالك، أدركت الإسلام، واعتنقته، ولأم سليم أخَوان هما "حرام وسُليم"، أسلما وشهدا بدرا وأحداً، وسرية بئر معونة وقتلا فيها[4]، وأختها "أم حرام" زوجة الصحابي عبادة بن الصامت، وذُكر أن لها أختاً تسمى "أم عبدالله" أسلمت وبايعت الرسول عليه الصلاة والسلام، وبهذا تكون أم سُليم ليست الوحيدة في أسرتها التي عمُر قلبها بالإسلام.

2- حياتها مع الزوج الأول

نشأت أم سليم في ربوع أسرتها، وآل نصيبها إلى الزواج من مالك بن النضر من بني عدي بن النجار، الذي أنجبت منه ابنها "أنس بن مالك"[5] ثم كان التحول في مسيرتها إلى الإسلام، ولم تتمكن –مع قوة حجتها- في إزالة الغشاوة من على قلب زوجها، فكان الاختلاف بينهما، إذ رآى أنها قد فسدت، وفي طريقها إلى إفساد ابنهما أنس، وغضب عليها، وترك المدينة راحلاً إلى الشام متوعداً لها، إلا أنه قتل في سفره هذا، وربما كان مقتله بالشام، قبل وصوله إليها.

وكان اختيار "أم سُليم" للإسلام دون زوجها منبئاً عن إيمان راسخ وعزيمة قوية وإرادة صادقة في وقت لم يمكن للمرأة من شأن سوى الاعتماد على الزوج، وذلك ما يؤكد قدرتها في الثبات على المبدأ والإصرار على الحق مهما تحملت من مشقات وأعباء.

3- مسيرتها في الإسلام مع زوجها الثاني

عاشت أم سليم حياتها في ظلال محبتها للرسول صلى الله عليه وسلم، ورغبت في تعميق هذا الحب فأخذت ابنها "أنسا"، وهو ابن عشر سنين؛ ليخدم الرسول صلى الله عليه وسلم، ويتعلم منه الدين، دون أن تبغي من ورائه نفعاً دنيوياً يؤول إليها، وجاء من مرويات أنس رضي الله عنه عن أم سليم أنها قالت: يا رسول الله: أنس خادمك، ادع الله له. قال: "اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته"[6].

وتقدم لزواجها أبو طلحة زيد بن سهل بن الأسود من بني مالك بن النجار، وكان على الشرك يعبد وثناً من خشب، وكانت أم سليم تقول: "لا أتزوج حتى يبلغ أنس، ويجلس في المجالس فيقول: جزى الله أمي عني خيراً، لقد أحسنت ولايتي، فقال لها أبو طلحة: فقد جلس أنس، وتكلم في المجالس"[7] وقالت له: أما إني فيك لراغبة، وما مثلك يرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، فإن تسلم فذلك مهري، لا أسألك غيره"[8]، ورُوى أنها حدثته عن فساد عقيدته، وأنه يعبد خشبة كانت شجرة تنبت من الأرض، فكيف يسجد لها؟ وقالت له: "فهل لك أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأزوجك نفسي، لا أريد منك صداقاً غيره، قال لها دعيني حتى أنظر، قالت: فذهب فنظر، ثم جاء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قالت: يا أنس قم فزوج أبا طلحة"[9].

وهكذا أقنعت أم سليم أبا طلحة بالإسلام، الذي لم يندفع إليه رغبة في الزواج من هذه الصحابية المقبولة اجتماعياً، ذات الأصل الكريم والشرف الرفيع، ولكنه نظر وفكر وتدبر، ثم استكمل هيئة هذا النكاح بإعلان إسلامه أولاً أمام الرسول صلى الله عليه وسلم بما يؤكد أن التحول للإسلام لم يكن لرغبة مشبوبة، وإنما كان لعاطفة دينية صحيحة، أسهمت أم سليم في إنباتها، وإزالة ضلالات الشرك من قلبه، فكان الزواج الذي حسُن به إسلام أبي طلحة وصار من المجاهدين البارزين في ساحات الدعوة والجهاد.

وقد استقامت حياة أم سليم مع أبي طلحة من خلال عمله بخدمة النخيل الذي يملكه، ويدر عليه دخلاً ويجلب له رزقاً، وعكفت أم سليم على شؤون بيتها، ورعاية ابنهما الصغير وهو "أبوعمير" والذي كان لموته صغيراً تأثير كبير في إبراز حنكة أم سليم، وصبرها وقوة عزيمتها، وحسن التوجيه والإدراك لما في أعماق زوجها، فقد مات هذا الطفل الحبيب إلى قلب أبيه بعد مرض ألمّ به، وأمرت مَنْ حولها بألا يخبر أحد زوجها بالموت، وليكن ذلك لها، وجاء أبو طلحة، واستعلم عن حالة الطفل، والذي كانت أم سليم قد عزلته بمكان في البيت وغطته بما يستر موته، فقالت: إنه في عناية الله تعالى... وكانت قد صنعت طعاماً لزوجها فأكله، وهدأت نفسه، واستقر وجدانه، ثم تطيبت، وتصنعت له، فنال منها ما يناله الرجل من أهله، فلما كان من آخر الليل قالت له: "يا أبا طلحة، ألم تر إلى آل فلان استعاروا عارية، فتمتعوا بها، فلما طلبت منهم شقّ عليهم، وأبوا أن يردوها، فقال أبو طلحة: ما أنصفوا، ليس ذلك، إن العارية مؤداة إلى أهلها، قالت: فإن ابنك فلاناً كان عارية من الله، فقبضه إليه، فاسترجع وحمد الله، فلما أصبح غدا على رسول الله، وذكر له ما كان، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: "بارك الله لهم في ليلتهم، فحملت في عبدالله بن أبي طلحة"[10] ولما وُلد أرسلته أمه مع أخيه أنس ليحنكه رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض تمر جاء به أنس ودعا له فعاش عبدالله وأنجب عدداً من الأبناء ما بين السبعة إلى العشرة، حفظوا القرآن وحملوا العلم وكانوا ضياء ونورا.

4- جهادها

أوردت المصادر التاريخية أن أم سليم كانت تغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكرت أنها قد شاركت في غزوتين معه صلى الله عليه وسلم، وهما: غزوتا أحد وحُنين، ولم تُذكر لها شراكة، فيما عدا ذلك[11] مع أن هاتين الموقعتين كانت الأحداث فيهما على غير ما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم، وخطط له من حيث البدء والختام، فقد كان النصر أولاً في أحد، ثم انتهت بالهزيمة، بينما كانت البداية في حنين تدنو من الهزيمة، ثم آلت إلى النصر المبين، الذي أسفر عن نتائج حاسمة في مسيرة الدعوة الإسلامية.

وأفاضت المصادر في بيان جهاد أم سليم، الذي يُعد من أبرز دلالات البطولات الإسلامية في شخصية هذه المرأة التي أظهرت في أحد وحنين مالا يتوقعه ويعجز عنه كثير من الرجال الأقوياء، فقد أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما وأم سليم رضي الله عنها وإنهما لمشمرتان، أرى خَدَم[12] سوقهما تنقران[13] القِرب[14] وقال غيره: تنقلان القرب على متونهما[15] ثم تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان لتملآنها، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم"[16].

وكانت أم سليم تداوي الجرحى، وتحمي نفسها بخنجر تحمله في هذه الموقعة، التي كانت من أقسى الغزوات وأصعبها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قُتل بها من قتل من الصحابة الأخيار، ومنهم حمزة بن عبالمطلب عم الرسول وأخوه من الرضاع.

وشاركت في غزوة حنين وهي حامل بابنها عبدالله، ومع ذلك كانت تحمل الخنجر، ليكون وسيلتها في الدفاع عن الرسول وسائر المقاتلين قدر ما تستطيع، وكان زوجها أبو طلحة من أبطال حنين، فقد رُوى أنه قتل في هذه الغزوة عشرين رجلاً، وأخذ أسلابهم، وشاهد أم سليم ومعها الخنجر، فتعجب من ذلك، وأراد أن يضحك الرسول بعد الفوز والغلبة، وجاء ذلك فيما رواه أنس قال: جاء أبو طلحة رضي الله عنهما يوم حنين يُضْحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:يا رسول الله: ألم تر إلى أم سليم –رضي الله عنها- معها خنجر؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أم سليم ما أردت إليه؟ قالت: أردت إن دنا إليّ أحد منهم طعنته به"[17] وعند مسلم عن أنس رضي الله عنه أنها قالت: ... "اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه"[18] وأرادت أن تستسمح الرسول في قتل الطلقاء الذين فروا من الموقعة، وانهزموا برسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم:"إن الله قد كفى وأحسن يا أم سليم"[19].

وهكذا قدمت أم سليم في معامع القتال بطولة نادرة ترفع من قدرها في الإسلام، الذي تقوّت به، وأخلصت له، فكانت نموذجاً إسلامياً رائعاً في المراحل الأولى من عمر الدعوة الإسلامية.

5- مناقبها

كانت أم سليم رضي الله عنها من عقلاء النساء، فقد جمعت بين دورها الاجتماعي الذي أخلصت فيه لزوجها وبنيها وسائر مجتمعها، كما روت عن النبي صلى الله عليه وسلم أربعة عشر حديثاً وممن روى عنها أنس بن مالك وعبدالله بن عباس وزيد بن ثابت وانفرد البخاري بحديث ومسلم بحديثين، وكانت أهلاً لسؤال الكثيرين من خلال استماعها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحبها له حيث اقتفت أثره في كل شيئ.

وقد روى البخاري عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رأيتني دخلت الجنة، فإذا أنا بالرميصاء، امرأة أبي طلحة".

وعندما يأتي الرسول لزيارتها هي وأختها أم حرام كانت تجمع عَرَق رسول الله صلى الله عليه وسلم وتضعه في قارورة، ولما سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك قالت:"يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا".

وعن أنس"رضي الله عنه" قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم، لا يدخل على أحد من النساء بعد نسائه إلا على أم سليم، فإنه كان يدخل عليها، فقيل له في ذلك فقال: "إني أرحمها قُتل أخوها معي"[20] ولم تذكر المصادر مناسبة قتل أخيها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى أنه صلى الله عليه وسلم كان يدخل عليها وعلى أختها أم حرام تسلية لهما، كانتا من بني النجار أخوال أبيه، فهما خالتان له صلى الله عليه وسلم"[21].

وروى أنس رضي الله عنه قال: "دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم سليم فأتته بتمر وسمن قال: أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم في وعائه فإني صائم، ثم قام إلى ناحية من البيت فصلى غير المكتوبة، فدعا لأم سليم وأهل بيتها... إلى آخر الحديث[22]، وفي رواية أن أم سليم وأم حرام قد صليتا خلفه، والروايات كثيرة في تأكيد كرم الضيافة عند أم سليم وحبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومناقبها كثيرة وصفاتها حميدة ومآثرها أكثر من أن تضمها مقالة واحدة، وقد توفيت رضي الله عنها في خلافة معاوية، وكانت في حدود الأربعين.. رحمها الله تعالى رحمة واسعة.

دكتور/ السيد محمد الديب


[1] أوضار: خبائث.
[2] الطبقات لابن سعد، ج8، ص463.
[3] أو "أنيفة".
[4] جاء ذلك بموقع "ويكيبيديا" بشبكة الإنترنت.
[5] قيل: لأنس أخ من أبيه هو البراء بن مالك، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم بحقه: "كم من أشعث أغبر ذو طِمرين، لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك" رواه الترمذي وصححه الألباني، وذكر أنه كان أسداً هصوراً في المعارك، ومات شهيداً. "عن موقع الإسلام ويب بالإنترنت"، واتخوف من أن يكون المذكور ابنا لرجل آخر، اسمه "مالك".
[6] قال الترمذي: هذا الحديث حسن صحيح وذكره ابن الأثير في أسد الغابة، ج7، ص346.
[7] الطبقات الكبرى لابن سعد، ج8، ص465.
[8] حلية الأولياء، لأبي نعيم الأصبهاني ج2، ص59.
[9] الطبقات الكبرى، ج8، ص466، 467.
[10] جاء هذا الخبر في الكثير من المصادر التاريخية منها الطبقات الكبرى لابن سعد، ج8، ص472، وحيلة الأولياء لأبي نعيم ج2، ص58.
[11] في حدود ما اطلعنا عليه.
[12] خَدَم: خلخال سُوقهما.
[13] تنقران: تحملان.
[14] القرب: جمع قربة وهي وعاء يحمل فيه الماء أواللبن.
[15] متونهما: ظهورهما.
[16] وأخرجه أيضاً مسلم والبيهقي عن أنس رضي الله عنه "حياة الصحابة" للكاندهلوي، ج1، ص440.
[17] حياة الصحابة، الكاندهلوي، ج1، ص440، "كنز العمال، ج5، ص307".
[18] حياة الصحابة، ج1، ص442.
[19] البداية والنهاية، لابن كثير، ج4، ص327.
[20] مسلم.
[21] مسلم، التاج الجامع للأصول، ج3، ص386.
[22] البخاري (1982)، ج4، ص268 فتح الباري.