بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الكون كله، حيث هبط عليه الوحي في غار حراء لأول مرة، وبدأت الدعوة إلى التوحيد تغزو القلوب بلا تفريق بين رجل وامرأة، أو بين صغير وكبير، ولا بين أسود وأبيض، ثم تواصل التشريع الإلهي في السنوات المتعاقبة؛ لبيان أن التقوى هي معيار المفاضلة عند الله تعالى، والتي تتحقق بها درجة القرب منه سبحانه، وانتشرت آيات القرآن الكريم وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الناس في مكة المكرمة، ومنها قوله عليه الصلاة والسلام "لا فضل لعربي علي أعجمي، ولا لعجمي علي عربي، ولا لأحمر علي أسود، ولا لأسود علي أحمر إلا بالتقوى"[1]، وكان الدخول في الإسلام متاحاً للجميع وغير مشروط بلغة أو نوع أو جنس أو لون فاعتنق هذا الدين رجال ونساء، سود وبيض، إذ كانت الجزيرة العربية تحتوي وتحتمل كل هؤلاء، وظهر في بداية الإسلام رجال من أصول غير عربية يأتي في مقدمتهم بلال الحبشي، ذلك الرجل الأسود الذي كان مجهزا في حياته لأن يباع ويشترى، لكن صوته الجميل الرائع جعله في مكانة مرموقة بقلوب الكثيرين، وكان صوته الذي تخشع له القلوب متميزا خاصة عندما يرفعه بالأذان للدعوة إلى الصلاة، ولم يقف سواد بشرته عائقاً عن المكانة التي كان فيها قريباً من الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن حبشيته التي صارت وصفا مرتبطا به لم تبعده عن الرسول وأصحابه رضوان الله عليهم، وبعد أن توفي الرسول انتقل إلى الشام بعد أخذ الإذن من أبي بكر الصديق.
وذات ليلة رأى النبي في المنام يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال؟ آما آن لك أن تزورني، فانتبه بلال من نومه وركب راحلته إلى المدينة، وفيها أذن للصلاة فاستعاد الناس أيام الرسول عليه الصلاة والسلام، وكثر البكاء بين الناس، والكل يكاد يقسم أن النبي قد عاد إلى الحياة.
ولا يختلف في التقدير والمكانة عن صحابي ذي أصل فارسي تجاوز مرحلة الاستماع إلى المتحدثين إلى درجة إبداء الرأي الصائب والقول السديد، وهو سلمان الفارسي، الذي لا ينكر التاريخ أراءه الصائبة في غزوة الأحزاب، إذ أشار علي الرسول بحفر الخندق حول المدينة واستجاب الرسول لوصيته، وكان رجلاً قويا وصاحب رأي سديد، للدرجة التي رغب بها كل من المهاجرين والأنصار أن يُضَمَّ إلى أصولهم.
فقال المهاجرون: سلمان منا، وقال الأنصار: سلمان منا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سلمان منا أهل البيت".[2]
وكانت الهجرة حدثا فريدا في تاريخ الأمة ، واشتملت كثيرا من المسلمين الأقوياء، حتى لو كان وضعهم الاجتماعي ضعيفاً أو مهتزاً، لكنهم بالإرادة والعقيدة كانوا أقوياء، ومن أبطال هذه المرحلة صهيب الرومي، الذي تصدى له العتاة من أهل مكة، الذين لاحقوه وتعقبوه، وأرادوا حجزه عن تحقيق أمله في الارتقاء بعقيدته، ورؤية الحياة الجديدة لمستقبله من خلال صحبته للرسول صلى الله عليه وسلم، حيث يقيم في المدينة المنورة، لكنه لم يكن ضعيفا أمام ماله وثروته، فتركها للقرشيين، وربما يكون مكرها علي ذلك، لكنه تنازل عنها وانتصر لرغبته في الهجرة، وفضل الصحبة مع الذاهبين إلى يثرب، ارتقاءً وسعياً إلى المكانة المرموقة في الآخرة، ولذلك استحق ما نزل فيه من قرآن سيبقى في قلوب البشر يُحفظ ويُتلى إلى يوم الدين، وذلك قول الله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) [3].
وأصول صهيب عربية، لكن الروم سَبُوه، إذ أغاروا علي أهله بدجلة أو بالفرات، حيث نشأ بالروم ثم باعوه لعبد الله بن جُدعان الذي أعتقه ومنحه حريته، أو أنه هرب من الروم وتحالف مع ابن جدعان.
وعن أنس رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "السُبَّاق أربعة أنا سابق العرب، وصهيب سابق الروم، وسلمان سابق فارس، وبلال سابق الحبش"[4]
أما عبد الله بن سلام الإسرائيلي فكان واحداً من اليهود الذين لهم شأن عدائي مع الرسول عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة، وفي أمكنة أخرى بالجزيرة العربية، وكان صدامهم مع الرسول قد تحول إلى حرب ضروس انتهت بالنصر الحاسم للإسلام والمسلمين، لكن النور الإيماني قد انبثق عن شخصية عبد الله بن سلام بعد أن أسلم وبَّدل الرسول اسمه من الحصين إلى عبد الله بن سلام كما كان إسلامه عندما هاجر الرسول إلى المدينة، ونزلت فيه بعض الآيات من كتاب رب العالمين.
وذكر ابن سَلَام عليه رحمة الله أن أول ما سمعه من الرسول قوله عليه الصلاة والسلام: "أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام".[5]
ولم يكن هؤلاء الصحابة ممثلين أو متحدثين عن شعوبهم التي انتسبوا إليها، أو عاشوا فيها، وإنما وحد الإسلام بينهم وبين غيرهم من المسلمين العرب، وربما يكون العدد من هؤلاء قليلاً في بداية الدعوة، ولكنهم تكاثروا بالإيمان والعمل والعلم، وأصبح الإسلام هو الوطن الأكبر لهذه الشخصيات المختلفة من حيث الأصول والمنابت، التي نشأوا بها، ولكنهم وهم جزء من الأمة الواحدة المتحدة من حيث العقيدة والتوجه، ومعهم غيرهم من العرب أمثال خباب بن الأرت وأبي ذر الغفاري، وعبد الله بن مسعود وغيرهم، هؤلاء الذين صاروا أمة واحدة نص عليها القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) [6]
وكان من هؤلاء جميعا حسب جنسياتهم المختلفة الأبيض والأسود وكان منهم آنذاك وفي مرحلة تالية من يتحدث بالعربية، ومن يتحدث بها وبغيرها، ولكنهم جميعا في العبادة كانوا يقرأون القرآن والأحاديث النبوية بلغة عربية واحدة.
دكتور/ السيد محمد الديب
[1] أخرجه أحمد في مسنده.
[2] أسد الغابة لابن الأثير جـ2، ص421.
[3] سورة البقرة الآية 207.
[4] أسد الغابة ج3، ص37.
[5] رواه الإمام أحمد في مسنده، وذكره ابن الأثير في أسد الغابة، ج3، ص265.
[6] سورة المؤمنون الآية 52.