رأى المسلمون الأوائل فى آيات الشفاء والهداية بالقرآن ما يعينهم على معالجة نفوسهم، ومعنوياتهم من كل أدواء الواقع، والتى استجابت للعلاج، ذلك أنهم اتخذوا من مجموع كلام الله هدى ورحمة، وشفاء لما فى الصدور.
لقد نزلت آيات الوحى الكريم بإثبات الشفاء والهداية من الله رب العالمين، وجاء ذلك فى آيتين هما قوله تعالى فيمن نقضوا عهدهم مع الرسول ﷺ - (- بعد صلح الحديبية: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ [1].
وذكر بعض المفسرين أن شفاء الصدور إشارة إلى فتح مكة، وقد حقق الله ذلك، مما يدلل على صدق الرسول وتأكيد الإعجاز القرآنى.
والآية الثانية هى قول الله تعالى: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [2].
والحديث فيها على لسان إبراهيم عليه السلام، فهو يذكر نعم الله عليه، ومنها نعمة شفائه، التى أسندها إلى الله تعالى؛ اعترافا بفضله وإقراراً بنعمته، فالآيتان دعوة إلى الثقة فى الله، وتأصيل الإيمان به، وتأكيد إسناد كل الأمور إليه، وعند ذلك يستلزم من المؤمن ألا ييأس من عفو ربه وكرمه، الذى يتجاوز ويعلو فوق الأمور السهلة اليسيرة، ومنها الإبراء للمؤمن، مما ألمّ به من عوارض الحياة، كمرض عضوى أو نفسى أو معنوى، مما يعنى الأخذ بكل الأسباب التى تعين على ذلك كالدواء الطبى، الذى يقره العلماء المتخصصون فى مجال المرض المحدد، فعن أبى هريرة رضي الله عنه - (- عن النبى ﷺ - (- قال: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء"[3]، وفى حديث أسامة بن شريك - رضي الله عنه (- أن الرسول ﷺ - (- قال: "تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء، إلا داء واحداً الهرم"[4] وأضاف ابن مسعود فى رواية آخرى: "علمه من علمه وجهله من جهله"[5]، فمن خلال العلم يصل الإنسان إلى الدواء، الذى ربما يحصل فيه تجاوز للحد فى الكيفية أو الكمية، فلا ينجح الدواء فيما قصد منه، وربما أحدث مرضاً آخر، أو أن الدواء المُعيَّن للمرض لا يعلمه أحد، فلا يبقى على الإنسان، إلا أن يأخذ بالأسباب، وأن يذعن ويرضى بما قدره الله تعالى من الداء والشفاء.
2- أبعاد الاستشفاء بآيات القرآن الكريم:
لقد اتسعت آفاق الدلالة القرآنية فى أمر الاستشفاء بالقرآن الكريم بثلاث آيات كريمات، تتجه كلها إلى أن الشفاء بكل واحدة منها إفراداً أو جمعاً حاصل لا محالة، وهى تُوجَّه المؤمن الذى يزداد إيمانه بالقرآن إلى الاعتقاد الكامل بالشفاء التام به دون تحديد لنوع العلة وأسبابها، مما يجزم باتساع مجالات الاستشفاء وتحقيق الهدف مما يسعى إليه المؤمن، ويكون ذلك بتلاوة الراغب فى السلامة آية من القرآن أو أكثر، مما حدده المفسرون استناداً إلى الأحاديث الصحيحة أو يُتْلى له من الآيات بواسطة شخص آخر ما دامت الثقة فيه ثابتة، فضلا عن حسن النية وصدق العزيمة، ويسبق ذلك الثقة فى التأثير العظيم والرائع للآيات الكريمة من كلام الله رب العالمين. تقول الآية الأولى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ [6].
والموعظة كما قال المفسرون هى: القرآن العظيم، ومعنى "وشفاء لما فى الصدور" أى يشفى ما فيها من الشكوك والرَّيب، ذلك أن القرآن إرشاد ورحمة لمن قرأه، وآمن بما فيه بعد التفكير العقلى السليم.
وتأتى الآية الثانية مبينة أن فى آيات القرآن ما يحقق الشفاء والرحمة للمؤمنين، قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [7].
وذكر بعض المفسرين أن الشفاء من الكفر والضلال، وهما علتان يوجبان أن يسعى المقبل على الله، والراغب فى الإيمان إلى الشفاء من هاتين العلتين وغيرهما، مما يستحق أن يبرأ المؤمن منه، أو يمثل بالنسبة له داء نفسياً، أو علة معنوية ، فتكون الآيات الكريمات علاجاً لما لحق به.
أما الآية الثالثة، فقد جاءت خطابا للمؤمنين بحق إنزال القرآن عربياً على رسول عربى، قال تعالى:
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖأَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ [8].
وتفيد الآية أن القرآن قد نزل؛ ليكون هداية وشفاء للمؤمنين، دون سواهم وهم الكافرون الذين أعماهم الكفر، وصرفهم الشك عن تدبر آياته، ومعرفة أحكامه وإعجازه، وابتعدوا عنه، لعدم الثقة فيه، فلا يستحقون ما أنعم الله به على المؤمنين الصادقين، وهذه مع سابقتها تشير كما قال بعض العلماء – "إلى هداية القرآن الكريم لمن يريد الهداية، وشفائه لمن يطلب الشفاء، أما الظالمون الضالون، فما يزدادون بسماع القرآن إلا عمى وضلالاً ؛ لأنهم عموا وصموا عن آياته ودلائله وهدايته"[9].
وقد ورد الشفاء بغذاء ذُكر فى القرآن الكريم، وهو العسل قال تعالى: ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚيَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [10] ذلك أن الشفاء الذى يحققه العسل لبعض الأمراض – بنفسه، أو بإضافته لغيره – يأتى بسببه ، وليس بالنص القرآنى الذى أورد هذا الغذاء، والذى يتحول إلى دواء فالأمر يخضع للإعجاز العلمى حيث أورد القرآن الكريم (العسل) مرتبطاً بالشفاء، والذى يحققه، مما يعد سبيلا منيراً أمام المؤمنين؛ ليُعملوا عقولهم بالتفكير فى صنع الله، وعجائب مخلوقاته، مما يحتم عليهم الاجتهاد فى البحث عن أسرار جديدة حول ما فى هذا الغذاء من دواء وشفاء، ذكره القرآن الكريم.
3- مجالات الاستشفاء بالقرآن الكريم:
إن مجالات الشفاء من الأمراض التى تحلق المؤمن كثيرة، ويتوسع بعض العلماء فى بيانها؛ حتى إنهم يُدخلون فيها الأمراض العضوية، ولهم فى ذلك شواهد كثيرة من السيرة (لسنا بصدد الحديث عنها وبيان مناسبتها) أما الذى يعنينا أن نذكره فهو ما روى عن رسول الله - (- فى الاستعانة بالقرآن كدواء، فقد قال عليه الصلاة والسلام: "خير الدواء : القرآن"[11] وكذلك ما رواه ابن مسعود - (- قال: قال رسول الله - ﷺ -: "عليكم بالشفائين (العسل والقرآن)" [12].
والثابت أن الاستشفاء بالقرآن فى الحالات المحددة لا يقتصر على آيات الشفاء المذكورة، وإنما يمتد إلى غيرها، وهذا ما ذكره رسول الله - (-: إذ قال: استشفوا بما حمد الله به نفسه، قبل أن يحمده غيره – وبما مدح الله به نفسه" قلنا: وما ذاك يا نبى الله ، قال: "الحمد لله، وقل هو الله أحد فمن لم يشفه القرآن فلا شفاء له".
ونؤكد أن للاستشفاء بالقرآن مجالات كثيرة فهو أولاً كتاب دعوة وهداية، وليس كتاباً فى الطب يُعالج به أصحاب الأمراض العضوية، ولكنه يسهم فى تخفيف وقع الآلام عليهم مما يساعد بدرجات كثيرة فى الشفاء.
ولذا تُوجه قراءة القرآن إلى كبح جماح غلواء النفس، كما ينهض بدور مؤثر فى مقاومة الأمراض غير العضوية كالحسد والحقد والكراهة ومعالجة القلوب وشفائها من الجهل والضلال، وكذلك الكثير من الأمراض الاجتماعية والانحرافات بكافة صورها. مثل (إدمان المخدرات وغيرها..).
ويسهم بدرجة كبيرة فى تخفيف حدة بعض الأمراض النفسية ولكن لا يقتصر، عليه كما أنه لا تعارض بين الاستشفاء بالقرآن على هذه الصورة والعلاج بالأدوية[13].
إن الاستشفاء بالقرآن قضية إيمانية تحتاج إلى اليقين والثقة من المتلقى للقرآن عن طريق القراءة أو الاستماع، حيث تمتد هذه الثقة إلى القارئ ثانياً.
ويتحتم الإعتقاد فى تأثير القرآن ، فإذا غاب هذا الاعتقاد فلن يكون للقراءة تأثير يذكر، وأورد الرواة مقولة خالدة وهى "هذه الفاتحة ولكن أين عمر"وقد ذكرت كَمَثَـلٍ . قيل بعد أن ثبت أن عمر بن الخطاب - (- قد قرأ سورة الفاتحة على مريض، وشُفى وعندما حاول شخص آخر أن يقرأ هذه السورة على مريض آخر فلم يشف فقالوا "هذه الفاتحة ولكن أين عمر" ؟
ورأى بعض العلماء أن مجال الاستشفاء بالقرآن واسع يشمل الأمراض الظاهرة والباطنة، ولكن القول بذلك يخرج القرآن عن أهدافه، ويُهدر المنهج الإسلامى فى حتمية الأخذ بالأسباب ، وأن كتاب الله قد نزل للهداية، وليس لعلاج الأمراض، مع الإقرار بأن الإعجاز القرآنى لا حدود له.
ويتحتم الفصل التام بين الاستشفاء بالقرآن، وبين الدجل والشعوذة الذى يُمارس تحت ستار العلاج بالقرآن، وإخراج الجان والسحر، وكل ذلك عبس لا قيمة له.
ومن المؤسف أن هذه الأوبئة المصطنعة منتشرة فى كثير من الأوساط الاجتماعية غير المتعلمة، أو التى حصَّلت علماً لكنها لم تستفد به، ولم تتعلم منه، ولذا ينبغى مقاومة هذه الخرافات بكل وسيلة ممكنة لتطهير المجتمع الإسلامى من هذا الإفك والضلال المبين، وتعقب محترفى هذا الدجل، الذين لا هم لهم من ورائه سوى التكسب وجمع الأموال الطائلة، فقد روى عن رسول الله - (- أنه قال : "من أتى ساحراً أو اعرافاً وصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد".
ونصل إلى صفوة القول، وهو أن الاستشفاء بالقرآن يتعلق بأقدس ما لدينا وهو القرآن الكريم، وبأغلى ما لدينا وهى الصحة، التى يجب صاينتها وعدم الطغيان عليها، والله الهادى إلى سواء السبيل.
الدكتور/ السيد محمد الديب
وكيل كلية اللغة العربية – جامعة الأزهر – بالزقازيق
[1] سورة التوبة (14).
[2] سورة الشعراء (80).
[3] الحديث فى صحيح البخارى فتح البارى (جـ1 ص 141).
[4] رواه أحمد والبخارى والأربعة، وصححه الترمذى (من شرح فتح البارى جـ1 ص141) والهرم : الموت.
[5] أخرجه النسائى، وابن ماجه، وصححه ابن حيان، والحاكم حسب المصدر السابق.
[6] سورة يونس (57).
[7] سورة الإسراء (82).
[8] سورة فصلت (44).
[9] الدر النظيم - د/ حمزة النشرتى وآخرين – جـ2 صـ37.